أطفال اليمن بين الموت جوعا وآلام لايمحوها الزمن !

 

تعيش الطفولة في اليمن واقعا مأساويا لا يخفى على أحد في ظل الحرب التي تعصف بالبلاد , حيث تحمل سواء الألم والموت والمعاناة للأنفس البريئة . فكل يوم , يدفع أطفال اليمن تكلفة باهضة لحرب لم يكن لهم ذنب فيها , هم يعيشون أوقاتا عصيبة ويتحملون العبء الأكبر لهذه الحرب ويعانون ظروفا نفسية واجتماعية سيئة بسبب ظروف الحصار والخراب التي تمر بها أغلب مدن اليمن .

فواقع الأطفال في اليمن أسوأ بكثير مما تصوره تقارير المنظمات الدولية, في الوقت الذي غاب فيه الاعلام الاقليمي والدولي على تسليط الضوء لما يعيشونه أطفال اليمن من مأساة حقيقية مروعة ومعاناة انسانية غير مرئية . فماذا فعلت هذه الحرب بأطفال اليمن ؟ وماهي آثارها النفسية على هؤلاء الأبرياء ؟

مما لا شك فيه , أن الوضع الانساني في اليمن يزداد سوءا وبات لا ينقضي يوما واحدا , دون أن نسمع عن مقتل أطفال سواء من ضربات التحالف بقيادة السعودية أو بقذائف الحوثيين . فالأطفال هم الضحية في الحروب البشعة والمجازر الظالمة , وان لم يصابوا هؤلاء بأي مكروه جسدي , تصيبهم التداعيات النفسية وتؤثر عليهم وعلى مستقبلهم وحياتهم على المدى الطويل , فآلام الحروب لايمحوها الزمن . هم يدفعون ضريبة الصراعات والحروب التي جعلتهم على حافة الهاوية , وفقا لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة , حيث أنه من كل 10 ضحايا لحرب اليمن بينهم 6 أطفال على الأقل , كما أكدت بعض الاحصائيات الأممية على أنه قتل ما لايقل عن 900 طفل خلال عام من الحرب , وأصيب أكثر من 1300 آخرين , فيما تعرض الأطفال لأكثر من 1560 حالة انتهاك جسيمة .
يبدو لا أحد في مأمن باليمن , فالخوف والموت هما سيدا اللحظة , حيث الأطفال هم المتضررون في المقام الأول من هذه النزاعات والحروب , فدوي المدافع يكاد يصمم آذانهم , وأزيز الطائرات يروع قلوبهم , ومشاهد القتل والدمار شريط يتجدد أمام أعينهم كل يوم , هذا ما يعيشه أطفال اليمن , ولا يخفى على أحد مدى تأثير ذلك على نفسياتهم , باعتبار أن حالة الخوف والرعب التي تصيب الأطفال أثناء النزاعات المسلحة تولد لديهم عملية صد ذهني , فتحدث حالة من عدم التركيز , وتقل قدرتهم على الحفظ والانتباه , كما أن اطلاع الطفل على مشاهد القتل ومناظر الدماء تؤدي الى فقدانه قيمه الداخلية , وبالتالي اهتزاز قيم المجتمع لديه , ناهيك أن هناك أطفال من نازحي مناطق القتال والحرب , يعانون من الخوف والهلع من الأماكن المظلمة , والتبول اللاارادي والخجل من مقابلة الغرباء , مما يؤدي الى عزوفهم عن الالتحاق بصفوف الدراسة والى ممارسة العنف مع الأقران ويميلون للألعاب القتالية المليئة بمظاهر العنف والرعب .

هكذا تفجر الحرب لدى هؤلاء الأطفال, ولاسيما الصغار منهم , أزمة هوية حادة , فالطفل يصبح لا يعرف لمن ينتمي ولماذا يتعرض لهذه الآلام . أما الأطفال الكبار وخاصة الفتيان , يجدون أنفسهم وقد أصبحوا في موقف الجندية , عليهم الدفاع عن أنفسهم وذويهم ولو عرضهم ذلك للخطر , وليس غريبا أن ترى في اليمن طفلا متمنطقا بالسلاح بدلا عن القلم , ويحمل جعبة مليئة بالذخيرة والقنابل بدلا من حقيبة كتبه المدرسية ! فالحرب في اليمن , دفعت بالمئات من الأطفال الى خلف متاريس القتال بدلا من فصول الدراسة , اما رغبة في الحصول على عائد مادي يلبي بعض الاحتياجات الأساسية أو طلبا الثأر , وتشير البيانات الدولية أن حوالي 50 % من مقاتلي الجيش الشعبي المؤيد لموقف الحكومة في حربها مع جماعة الحوثي , كانوا جميعا من الأطفال الذين لم تصل أعمارهم الى سنة 18 , وقد حصدت الحرب منهم بحسب تقديرات منظمة سياج للطفولة 187 قتيلا و87 معاقا . ولقد أجبر 724 طفلا على الانخراط بشكل أو بآخر في أعمال مسلحة . وهذا ليس سوى جزء من المأساة , فهو بحد ذاته أمر صادم بما فيه الكفاية !
ولا ريب في ذلك , أن معاناة أطفال اليمن تتنوع بين حالات انسانية ونفسية ومجتمعية صعبة , اثر قصف أو قنص , أو نزوح طالهم وعمق من حجم معاناتهم . فآمالهم وطموحاتهم المستقبلية تتجطم مع مرور الأيام , خصوصا أن منازلهم ومدارسهم تدمر , كما أن حياتهم باتت مهددة بشكل متزايد بسبب الأمراض وسوء التغذية . فهم يعانون من سوء التغذية وفقر الدم والأمراض الخطيرة , فضلا عن انقطاعهم عن الدراسة بعد أن تعرضت مدارسهم للدمار نتيجة القصف . فأكبر مأساة تهدد الأطفال اليمنيين , هي أن الكثير من مدارسهم دمرت وما بقي منها استخدم من طرف النازحين كمأوى , وأكثر من مليون طفل محرومون من التعليم , وهو عدد يضاف الى 1,6 مليون طفل آخرين لم يلتحقوا بمقاعد الدراسة أصلا . لذا اعادة فتح المدارس تشكل أولوية لمنظمة اليونيسيف لمنع تجنيد الأطفال من قبل الجماعات المسلحة , وتوفير لهم الشعور بالحياة الطبيعية .

فالحرب ليست مجرد خوف واحباط يومي يعيشه الانسان , لكن أيضا حياة قد يصعب تدبر أساسياتها وأبسط احتياجاتها وشبح الجوع يلوح في أفق هذا البلد , أين 25 مليون انسان مغلقة في وجهه كل الطرق البرية والبحرية والجوية , مما يحذر من دخول اليمن في مجاعة . فلقد تسببت الحرب في معاناة نحو مليوني شخص من سوء التغذية وأغلبهم أطفال , وحسب تقرير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة ” الفاو” , أن أكثر من نصف اليمنيين لم يعد باستطاعتهم أن يأمنوا حاجاتهم من الطعام وأن من بينهم نحو 3 ملايين طفل .كما العديد منهم والذين بخضعون للعلاج , يعانون من نقص شديد في الأدوية , حيث أن علاج الالتهابات العادية أضحى أمرا صعبا نظرا للوضع المزري في المستشفيات وانعدام أبسط الامكانيات . وبالتالي ذكر تقرير المنظمة أن نحو 10 ملايين طفل ( يشكلون نصف سكان اليمن ) يحتاجون الى مساعدات انسانية عاجلة .

​ فالأطفال في اليمن يموتون جوعا بسبب الحرب , وهم ضحايا أبرياء لا ناقة لهم ولا جمل , يعانون وقد يدفعون حياتهم ثمنا لها بدون خيار وكان لهم النصيب الوافر من مرارتها . فمن يوقف هذه الحرب العبثية وينقذ هؤلاء الأبرياء ؟؟؟
هكذا أمام هذا الوضع الانساني الكارثي , تصبح الضحايا وخاصة منها الأطفال مجرد أرقام تحصدهم آلات الحرب وتوثقهم المنظمات الدولية والمحلية كأرقام في جداول, لتصبح خانات مرعبة في ظل حرب عبثية حولت اليمن الى بلد يغدو العيش فيه نوع من المخاطرة . ألا تكفي تلك الأرقام المهولة التي أصدرتها الأمم المتحدة عن الكارثة الانسانية في اليمن , حيث أكثر من 20 مليون يمني من أصل 30 مليونا يحتاجون الى مساعدات انسانية عاجلة ولاسيما منهم الأطفال , ليتدخل المجتمع الدولي والاقليمي بكل ثقله من أجل منع هذه الصراعات وتوقيف هذه الحرب العبثية , أم أن العالم الذي نعيش فيه بات تنقصه الانسانية !!! .

لا تعليقات

اترك رد