الشائعات تقتلنا في مصر

 

في عام 1788 كان الجيش النمساوي المكون من 100 ألف مقاتل، يحاصر قرية كارانسيبس –في رومانيا حاليا- وعبرت فرقة من الفرسان، نهر «تيميز» الذي يجري في رومانيا و صربيا، ليستطلعوا القوات العثمانية، و حين لم يجدوا لهم أثرا قاموا بشراء الخمر، وبعد أن سكروا ارتفعت اصواتهم، وسمعها بعض جنود المشاة، الذين أرادوا الانضمام للحفل، إلا أن الفرسان رفضوا ذلك، وكانوا مخمورين بما يكفي لينشب بين الطرفين عراك، أدى لإطلاق احدهم النار، وهو ما ظنه بعضهم نذيرا بوصول الاتراك، فصاحوا “الترك..الترك”، وبسبب شرب الخمر، قام الجيش النمساوي بالهجوم على نفسه بالخطأ، وقتل 10 الاف جندي .

«الشائعة» خمر يزيف الحقائق ويغيب الواقع حتى ندمنه، فنقتل أنفسنا، بعد ان يتعالى صياحنا على مواقع التواصل والمقاهي وعربات المترو، لا ندخر جهداً فى إظهار الفليسوف والعالم ببواطن الأمور الذي بداخلنا، فى جلساتنا الخاصة، تخرج المعلومات الهلامية من أفواه وأقلام بعضنا، بسرعة البرق إلى آذان مسكينة تصدقنا، وتبحث عن الحقيقة، فيشكل وعي مغيب عن الواقع، وتتملئ الشوارع بالـ«سكارى».

«في البدء كانت الكلمة»، مليارات مبارك، جبريل في رابعة، أسر قائد الأسطول السادس الأمريكي، وغيرها من الكلمات مجرد كلمات ، ألقيت على أسماعنا، ودفعنا فيها دماء، لم يخسر العدو قطرة عرق لنتقاتل، لم يأتينا مدجج بالأسلحة، لم يجتهد فى التآمر علينا، لم يخشى يوم ردت أفعالنا، فقط صاح “الترك..الترك” ونحن قتلنا أنفسنا.

نشر الصحفي الأمريكي «إدوارد هنتر» فى سبتمبر 1950 مقالاً بعنوان “غسيل الأدمغة” عن التغييرات التي طرأت على تفكير الجنود الأمريكيين الذين وقعوا فى الأسر لدي الصينين فى الحرب الكورية، قال فيه ” لا يهم أن يكون الرجال الذين قابلتهم قد جاءوا من دولة تابعة لأوروبا أو من الصين الحمراء، فقد أخبرهم غاسلو المخ، أن دولهم وكنيستهم وأصدقاءهم تخلوا عنهم وخانوهم، وبذلك يداخلهم الشعور بانهم أصبحوا وحيدين” ويذكر فى مقاله مثال “لقد تشبع ذهب روبرت فوجيلير من بودابست، بهذا الإنطباع، لدرجة أنه تحاول تسلق السور وإلقاء نفسه منتحراً، للتخلص من هذه الوحدة النفسية الرهيبة”.

«التكرار» أحد أهم أدوات الإقناع، الدراسات العلمية تخبرنا، أن المستمع يتذكر 10% من الفكرة، بعد شهر من الاستماع إليها لمرة واحدة، أما إذا استمع إليها ست مرات في نفس المدة فإنه يتذكر منها 90%، تكرار الأكاذيب والشائعات دون إنقطاع، يحولها إلى حقيقة مطلقه، عندما تقلب فى صفحات التواصل الإجتماعي، وتتجول بين أكاذيب «اللجان الإلكترونية» المكرره، يعجز العقل عن التفكير الحر، بعد أن يرهقه التكرار، فيتأقلم بدوره ويسلم بحقيقة الشائعات ويصيح “الترك ..الترك”.

المقال السابقشكراً لك أردوغان
المقال التالىالبرلمان العراقي و خنق الحريات
صحفى وباحث مصري متخصص فى ملف الجماعات الإسلامية، عمل بعدة صحف مصرية وعربية ومراكز بحثية، كما قدم إنتاج متميز فى رصد ومتابعة النشاط "الأصولي" فى شبة جزيرة سيناء، قبل وبعد أحداث ثورة يناير فى سيناء، حيث أصدر أهم ورقة بحثية تتناول نشأة وتطور وأهداف تنظيم "أنصار بيت المقدس" والمنشور فى عدة صحف ومراكز بح....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد