قتل “القذافي”.. قرار سليم أم انتكاسة؟

 

في العشرين من أكتوبر كل عام منذ 2011 تحل على ليبيا ذكرى مقتل العقيد معمر القذافي على يد ثوار 17 فبراير، ليشكل نقطة فارقة لكل فصيل، المؤيد لطريقة التخلص من القذافي والرافض لها وندم البعض على قتل الرجل بدون محاكمة عاجلة.. لكن الأمر وقع وقتل.

ويعتبر التخلص من القذافي عند كثيرين هو يوم انتصرت فيه الثورة ووضعت أوزارها وسلمت البلاد لأبنائها آملة حسن الادارة والتصرف، راجية استكمال الطريق والوصول إلى ما طالبوا به وثاروا من أجله، يوم تحرير حقيقي ونهاية مأسوية رأوا الثوار وقتها أنها الحل الأنجح، وبالفعل قطعت رأس الأفعى وقتل معمر القذافي صاحب سجل الأربعين عام عجافا وطغيانا وحكما شموليا، ليظل اليوم ذكرى لكل ليبي حر، لكن يختلف استقبالها عام بعد عام”.

المحتفلون والمهللون يرونه يوما من أيام الله، تخلصوا من الطاغية وكفي وهذا –من وجهة نظرهم –أكبر انتصار حققته ثورة فبراير، إخوانهم في نفس الجبهة والقتال يختلفون معهم في طبيعة التهليل فهم يفرحون للتخلص من الطاغية لكنهم يترحمون أيضا على ثورة فبراير ويرونها أيضا قُتلت بأيدي أبنائها، فريق ثالث: يترحم على أيام معمر وشعاره “فقدنا الأمن والأمان”، والحقيقة ليس كلهم “أزلام” ومنتفعين، بل بعضهم لم يلمس تغييرا حقيقيا على الأرض، وفضل أن تظل البلاد في ظلم لكنها مستقرة، حسب مفهومه للاستقرار…

أيا ما تكون المشاعر والتعاطي مع ذكرى اليوم، يظل مقتل القذافي -اختلف أو اتفق مع الطريقة- علامة فارقة في الثورة الليبية، وأنها استطاعت بعد هذه الخطوة السير قدما في محاولات حثيثة لبناء الدولة والوصول بها إلى بر الأمان والهدوء، ولم تكن كغيرها من ثورات الجيران الذي تركوا “ترميم ما طغاتهم أحرارا حتى أرجعتهم انظمتهم في اثواب جديدة”.

لكن مع التهليل يجب أن نذكر أيضا أن “فبراير الثورة” أخفقت كثيرا وارتكب باسمها جرائم عدة وإنتهاك واضح لحقوق الانسان وتضييع متعمد للكرامة الانسانية والعدالة الاجتماعية، أخفقت الثورة كثيرا في التأسيس لدولة مدنية ديمقراطية لها مؤسساتها المستقلة، ما جعل البعض يلعن قيامها وآخرون يترحمون على أيام معمر القذافي، خاصة الفصيل الذي يهمه فقط الطعام والأمان، حتى ولو وهميا.

وبعد التخلص من القذافي بالقتل، احتفل الليبيون بيوم التحرير وعودة البلاد لأصحابها، ومن ثم البدء في حياة آمنة ومستقرة، ظانين أنه بقتل القذافي تم التخلص من النظام وهو خطأ جسيم وقعت فيه كل انتفاضات الربيع العربي التي فشل أغلبها حتى الآن في التأسيس لدولة العدالة الاجتماعية والعيش الكريم، قتل معمر هو بمثابة قتل رأس أفعى كبيرة وسط كوم من الأفاعي السامة المختبئة تحت عباءات كثيرة، هذه الأفاعي ظهرت الآن وبقوة وتقود ثورة مضادة تقترب من السيطرة والعودة إلى عصر القذافي بمسميات جديدة.

في الغرب الليبي، انتشرت الميليشيات المسلحة وأصبح المسيطر على العاصمة هو الحاكم الفعلي للبلاد، واستقوى كل فصيل بمسلحيه، فالمؤتمر الوطني العام الذي انتهت مدته القانونية لم يترك المشهد حتى الآن، حتى أنه عاد من جديد لممارسة مهامه وأعاد معه حكومة نسيها الليبيون ولكنها جاءت بترسانتها العسكرية لتسيطر على قصور الضيافة في طرابلس في خطوة تؤكد غياب الدولة وفشل مؤسسي ترتب عليه إنهيار اقتصادي ونقص السيولة في البنوك وحالة احتقان شعبي بدأت تتسع دائرتها.
لكن تظل المنطقة الغربية وعلى رأسها مدينتي مصراتة وطرابلس، الأكثر تماسكا سياسيا واجتماعيا في ظل غياب الطابع القبلي أو المناطقي، وهذا ما جعلها تنجح مؤخرا في الالتحام عسكريا من أجل دحر قوات مقاتلي تنظيم الدولة في مدينة سرت الساحلية، لكن تظل حالات الانفلات الأمني والاختطاف وغياب القانون سلبيات قاتلة للمنطقة.

في الشرق الليبي الوضع أكثر سوءا وترديا، وظهر هذا السوء مصاحبا لظهور الجنرال العسكري خليفة حفتر الذي قام بعدة عمليات انقلابية “فاشلة”، بدأها بالانقلاب على أول مؤسسة منتخبة في البلاد بعد الثورة “المؤتمر الوطني” وحكومة على زيدان في 14 فبراير 2014 لكنه لم يتجاوز إلا ان يكون مجرد “إنقلاب تلفزيوني فقط”، حيث استمر المؤتمر في مهامه وكذلك الحكومة.. الأمر الذي دفع رئيس الحكومة وقتها على زيدان إلى إصدار الأوامر إلى وزارة الدفاع باتخاذ الإجراءات بحق حفتر متهما إياه بالانقلابي الذي يريد إعادة إنتاج انقلاب سبتمبر.

وازداد الأمر سوءا، بعدما أعلن اللواء المتقاعد خليفة حفتر في 16 مايو 2014 ما أسماه معركة “الكرامة” لمحارب المجموعات الإرهابية في البلاد، لكن تحت هذا الشعار “البراق”، ارتكبت قوات حفتر جرائم في الداخل الليبي تصل إلى “جرائم حرب”، ومن هنا بدأ تدمير مدينة بنغازي، واحتمى حفتر وراء شعار براق للمجتمع الدولي وللطامعين الاقليميين في خيرات ليبيا ما دفع بعض الأطراف لمساعدته ولو سرا.

لكن يحسب لحفتر وقواته التي استطاع جمعها في وقت قصير، ما قاموا به مؤخرا من سيطرة كاملة على الهلال النفطي وتحريره من يد إبراهيم الجضران الذي احتله ومنع تصدير النفط بحجة وجود فساد في عدادات النفط، وهو نقطة تحسب للسيد حفتر كونه أعاد النفط إلى المؤسسة الوطنية للنفط، لكنه استغل بالطبع الحدث في المناورة والمراوغة وفرض نفسه على المشهد.

وبمثل هذه الخروقات شرقا وغربا، بدأت أزمة ثورة ليبيا الحقيقية وبدأ الشقاق يدب في صفوف الثوار، وحمل شركاء الثورة السلاح في وجه بعضهم البعض، ووصل الأمر أن اصبح الناس يترحمون على ثورة فبراير ويتذكرون مقتل القذافي على استحياء، وكأن بعضهم يقول لنفسه: هل قتل القذافي كان قرارا سليما؟.

المقال السابقموقف السعودية من بعض الدول العربية
المقال التالىتتهاوى تحتيَ العروش
كاتب صحفي مصري، وباحث سياسي مهتم بقضايا الشرق الأوسط وعلاقتها بالفاعلين الدوليين، دراسات عليا في المفاوضات الدولية، كلية اقتصاد وعلوم سياسية، جامعة القاهرة، متخصص في الشؤون العربية والدولية، له عدة دراسات حول ملف المغرب العربي وخاصة الملف الليبي، رئيس لجنة العلاقات الدولية بالنقابة العامة للعاملين ب....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد