الديمقراطية في الكويت .. أزمة المفهوم وعبثية النوايا

 

“نظرا للظروف الاقليمية الدقيقة، وما استجد منها من تطورات، وما تقتضيه التحديات الأمنية وانعكاساتها المختلفة، من ضرورة مواجهتها بقدر ما تحمله من مخاطر ومحاذير، الأمر الذي يفرض العودة إلى الشعب مصدر السلطات، لاختيار ممثليه، للتعبير عن توجهاته وتطلعاته، والمساهمة في مواجهة تلك التحديات”.

كانت هذه مسببات حل مجلس الأمة الكويتي المنعقد منذ 2013 وفق ما جاء في المرسوم الاميري الداعي الي اجراء انتخابات جديدة في نهاية شهر نوفمبر القادم كما حددها مجلس الوزراء. وتختلف اسباب حل مجلس الأمة هذه المرة تماما عن غالبية الاسباب السابقة والتى كانت تتمحور حول عدم التعاون بين السلطة التنفيذية والتشريعية واستخدام بعض النواب لآلية استجواب الوزاراء بشكل انتقامي ومصلحي.

الديمقراطية في الكويت لم تكن وليدة اللحظة او ممارسة سياسية حديثة، فقد تفوقت الكويت على اقرانها في الخليج وبعض الدول العربية بوجود مجلس أمة قوي في بعض الاحيان وضعيف احيان أخرى، الا ان السمة الغالبة على المشهد السياسي الكويتي هو وجود التنافس الشعبي وقدرة بعض اعضاء مجلس الامة على التأثير وتغيير بعض القرارات السيادية لصالح الشعب ومنها فصل ولاية العهد او تغيير رئيس الوزراء، وحاليا السعي الحثيث الي اختيار حكومة منتخبة سياسيا وشعبيا وهو ما يشكل تحديات جديدة وتطورات في الممارسة الديمقراطية لدولة تقع بين دول اقليمية كبرى لها حساباتها وتدخلاتها محليا وخارجيا.

فأين وصلت الديمقراطية في الكويت؟؟!!..وهل فعلا تعتبر النموذج الأمثل والمحتذى لمن يريد استيلاد تجربة ديمقراطية شعبية؟ّ. في الواقع علينا الاعتراف بحقيقة التطور المتفاوت بين مكونات المجتمع الكويتي في ميدان التراكم السياسي (حضر، سنة، شيعة ، قبلية، بدون جنسية)، فهو المدخل الوحيد الي وعي الفارق بين الممكن والمستحيل في مجال الاستراتيجيات والاختيارات السياسية، ثم هو المدخل الي

إدراك الأسباب الحاملة على تسويق فرضيتنا القائلة بأن الانتقال الديمقراطي آلية قابلة لنوع ما من أنواع التحقق، ولكن هل تكون بزمننا هذا؟ ام هل تكون وفق تلك المكونات عالية التأثير والنتيجة؟. هذا الاعتراف لا يكفي بالطبع إذا لم نردفه بأننا أخفقنا في عملية الانتقال تلك لمدة خمسين عاما وأكثر، ولم نستدل على معنى ضرورتها في التحول الي الدولة العلمانية، وعن آليتها ومحطاتها المطلوبة في الوعي والإدراك والفهم. فمازالت الانتخابات تجري على اسس قبلية وطائفية وعائلية مسرفة في التمزق وبعيدة عن المواطنة. هنا، في سياق التفكير من داخل فرضية الانتقال الديمقراطي نحن أمام أمرين: فالأول نحن أمام وضع أتجه الي بناء وتكريس هدنة سياسية مستديمة قوامها تغيير النظام الانتخابي، وإن كانت ردة الفعل عنيفة تجاه الرفض السياسي لهذه الخطوة من قبل القوى الخاسرة من مرسوم الصوت الواحد إلا أن القول الفصل بهذه الإشكالية واستمرار مجلس الأمة انهي جدلية الرفض أو القبول، وهو ما يجعلنا متيقنين بأن زوبعة النظام الانتخابي أفرزت بعد نهايتها هدنة طويلة الأمد، إن لم تتدخل مجاميع المعارضة والإخوان المسلمين بتعكير صفوها ومحاولة زعزعة الاستقرار الوطني، وهو ما يعطي مصداقية لما سيأتي.

والأمر الثاني نحن أمام تدخلات غامضة ومبهمة، غالبا ما تعقد صفقاتها بين تيارات سياسية تمثل الحكومة وقوى المعارضة من أجل استيلاد صفقة سياسية تاريخية بين السلطة والمعارضة تمثل الإطار الضروري للانتقال الديمقراطي الكامل او على الأقل القبول بما هو موجود، وهو ما يعني تحقيق المكاسب على وقع التحول الديمقراطي الكامل. قد يبدو غريبا بعض الشيء هذا التناقض، ولكن لكي نستطيع التوصل الي الحقيقة لنرجع قليلا الي الوراء. فقد شهد المجال السياسي الكويتي، تراكما هائلا من وقائع التدمير والتقويض نتيجة جنوح التناقضات السياسية الي التعبير عن نفسها من خلال العنف المادي والعنف الرمزي. إذ صنعت جدلية، وليس واقعية، القمع الرسمي والنضال الثوري العنيف كل الشروط الموضوعية لإدخال السياسة والصراع السياسي الكويتي منطقة الاستنزاف، وكان ثمن ذلك فادحا بالنسبة

الي السلطة والمعارضة على السواء، فقد اصبحت السلطة في مواجهة مع مجاميع قبلية ودينية بصورة مباشرة، وتحدي وصل في بعض الاحيان الي التطاول على حاكم البلاد، والي اعتبار ان السلطة هي من تدير البلاد بعيدا عن مجلسي الوزراء والأمة، وهي صورة لم تكن حقيقية تماما كواقع سياسي ولكنها ظهرت وبرزت كواجهة للصراع الذي حصل وأدي الي إعادة النظر بمسار المجال السياسي كما سنذكر لاحقا. ولم تكن المعارضة أكثر ذكاء، فقد عرضت قواها للإنهاك واحيانا للتصفية المادية الشاملة، بسبب ضعف مركزها في ميزان القوى الداخلي وانطلاقها من الدين والقبلية في تكوين شعبيتها كما وضح ذلك في اصدارها لقوانين اعدام المسيء للرموز الدينية ورفض الاختلاط ومحاربة الحقوق السياسية للمرأة. وفي الحالين، بات المشهد السياسي مركبا محفوفا بمخاطر الانقلاب الي القعر، وبات الصراع السياسي أشبه ما يكون بعملية انتحار. وقد يكون من أبلغ الأدلة على درجة الخراب الذي لحق المجال السياسي الكويتي الحديث، ونتج من تدمير قواه السياسية، أن مؤسسات العمل السياسي التي باتت تصنع اليوم وقائع الحياة السياسية، وتحتكر رسم مشاهد المستقبل هي القبلية الدينية والمذهبية الطائفية كفكر سياسي اولا، وثانيا الخروج الي الشوارع بمظاهرات مخالفة للقانون وعنيفة كآليات عملية. بينما تغيب الآليات الديمقراطية الحقيقية في صنع التغيير السياسي.

في امتداد هذه الحقيقة الصارخة، حقيقة الانهيار الذي أصاب المشهد السياسي، تنشأ اليوم حاجة ضاغطة الي وقف هذا النزيف الرهيب، وقد حصل ذلك بالتأكيد، فلا دخان من غير نار، فالتحركات السياسية لقوى المعارضة تعلم تماما قبل غيرها بأن الجانب القانوني للحكومة وربما السلطة قوي جدا، وإن المحاكمات التي تجري حاليا على قدم وساق قد أصابت أهدافها بزعزعة حراك المعارضة مما أدى بالتالي الي تدخلات من عدة أطراف لتوصيل رسائل سياسية الي السلطة بطلب العفو والاسترحام نظير الأخطاء التي ارتكبوها .. الي هنا قد تكون الصفقة التاريخية هي عنوان لمرحلة قادمة هدفها بناء هدنة سياسية تمثل تنظيم أو ترشيد لقوى المعارضة حول الآليات التي طرحوها بمواجهتهم للسلطة والحكومات والمتعاقبة منذ 2006،

بدءا من تغيير الدوائر وانتهاء بالحكومة المنتخبة والإمارة الدستورية. ولن نغفل هنا بالطبع عن دور مجلس الأمة المنحل بعد انتخابات مرسوم الصوت الواحد وما تلاه من أحداث ساعدت بشكل كبير على استدراك جاء متأخرا من قبل السلطة أو الحكومة والمعارضة بأن مشاركتهما معا في المشهد السياسي باتت متلازمة أو بمعني آخر مطلوبة داخل المؤسسة التشريعية والتنفيذية للعمل على تحقيق عملية الانتقال الديمقراطي الكامل للوصول الي الحكومة المنتخبة ربما. والذي لن يحدث فلسفيا وعمليا من داخل فرضية الانتقال الديمقراطي بشكلها الحالي، فالحكومة المنتخبة والامارة الدستورية لن يتحققا او لن يقوما على سياق ديني قبلي طائفي كما هو واقع الحال السياسي والاجتماعي الكويتي، بل فقط سيحدث هذا التغيير والتحول الديمقراطي الكامل مع آلياته ومفاهيمه الحداثية بالايمان بجملة مبادئ حقوق الانسان والحريات والعلمانية.

إذن، على أطراف الحقل السياسي اليوم (النظام الحاكم والمعارضة) أن تختار بين أمرين: بين احتراب طاحن من أجل الظفر بالسلطة، وهو ما تقوم به المعارضة سواء نفت ذلك أم لم تنفيه، فوقائعه بعد الربيع العربي واضحة، أو الاحتفاظ بالسلطة عن طريق حيازة استقرار سياسي يكون إطارا للحوار الوطني من أجل بناء سياق جديد من التطور السياسي يتعلق بوعي الأولويات وإعادة احترام الدستور. حيث لا قيمة لأية هدنة سياسية، إن لم تكن متبوعة بإجراءات سياسية تمنحها مضمونها، أي تنتقل بها من مجرد كونها هدنة شكلية وتكتيكية الي استقرار دائم. وهذه الإجراءات لا يمكن أن تكون ذات موضوع أو أهمية إذا هي جانبت سبيل البناء الديمقراطي والاعتراف بشرعية القضاء والقانون واستمرار المحاكمات العادلة لمن يواجه تهما متعددة يعاقب عليها الدستور. بمثل هذا الخيار فإننا – مواطنين وسلطة – لا نجترح أو نبتدع طريقا جديدا وغير مسبوق في البناء والتحول الديمقراطيين، بل نسلك سبيلا سلكه قبلنا غيرنا للوصول الي الدولة المدنية العلمانية وفق شروط التحول الديمقراطي الكامل.

لا تعليقات

اترك رد