لقد حان الأوان لمراجعة مفهوم الأدب المهجري..


 
(لوحة للفنان جاسم محمد)

قترن مفهوم الأدب المهجري منذ عشرات السنين بشرذمة من الأدباء حملتهم ظروف الحياة القاسية في البلاد العربية على الهجرة من بلاد الشام والاستقرار في الأمريكيتين، ويظلُّ هذا المصطلح حتى اليوم وقفا على هذه الفئة وعلى نتاجها الأدبي في الحقبة الممتدة من أواخر القرن التاسع عشر إلى مطلع القرن العشرين. فهل يقتصر هذا الأدب على ما خلفه لنا هؤلاء؟ وهل هم فعلاً رواد هذا الأدب، نشأ على أيديهم، وازدهر في حياتهم، ثمّ مات بموتهم؟

الجواب يكون حتماً بالإيجاب إذا ما تأملنا ما تحمله المعاجم والموسوعات والأبحاث الأدبية من تعريفات لهذا الأدب. تعريفات تكاد تكون صورة طبق الأصل بعضها لبعض، تسير معا في اتجاه واحد، وتصب كافة في بحر واحد، لا نلمح فيها اختلافاً ولا خلافاً. ف”أدباء المهجر”، حسب قاموس المعاني، “جماعات من العرب المسيحيين، هاجرت من سوريا إلى كندا وأمريكا الجنوبية والولايات المتحدة. فقد نقلوا اللُّغة العربيَّة وآدابها إلى تلك المهاجر البعيدة، فأنشأوا أدبا يعبرون به عن مشاعرهم وعواطفهم ويتحدَّثون عن غربتهم وحنينهم إلى أوطانهم، وأصبح أدبهم مدرسة كبرى من مدارس الأدب الحديث.”

وحسب تعريف الموسوعة الحرة، “يطلق اسم شعراء المهجر عادة على نخبة من أهل الشام وخاصة اللبنانيين المثقفين الذين هاجروا إلى الأمريكيتين (الشمالية والجنوبية) فيما بين 1870 حتى أواسط 1900، وقد اعتاد الناس تسمية أعضاء الرابطة القلمية والعصبة الأندلسية بشعراء المهجر.”

ونرى الأبحاث الأدبية تحذو حذو القواميس والموسوعات، فلا تنحرف عن سكتها، ولا تخرج عن طاعتها في تحديد مفهوم هذا الأدب على منوال دراسة الباحثة مريم عزيز خاني سنة 2014. قالت في مقدمتها: “يطلق مصطلح المهجر على شعبة الأدب العربي الحديث الذي نشأ في البلدان الأوربية والأمريكية عند عدد من الأدباء العرب الذين هاجروا في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين إلى هذه البلاد.”

إنه إجماع على حصر هذا الأدب في إطار مكاني وزماني ضيق وقرنه بفئة قليلة من الشعراء، فألفنا هذا المفهوم حتى كلما سمعنا “أدب المهجر” خطرت ببالنا بشكل عفوي أسماء أولئك الشعراء المعروفين من أمثال جبران خليل جبران ونسيب عريضة وعبد المسيح حداد وأبي ماضي. والحقيقة غير ذلك في واقع الأمر إن أمعنا النظر في معنى هذا الأدب وخصائصه، وعدنا إلى الماضي لمعرفة ما إذا كان لهذا الأدب أثر قبل هجرة هؤلاء الأدباء إلى الأمريكيتين، واستفسرنا في الحاضر عما إذا كان له وجود في زماننا.

ولإدراك معناه الصحيح ، ينبغي علينا ربما أن نتساءل: ما الذي يا ترى يطبع هذا الأدب ويميّزه من نظيره المحلي؟ والجواب على ذلك: جملة من السمات لا نراها عادة في أدب الأوطان، نذكر منها على سبيل المثال الحنين إلى الأوطان والنزعة الإنسانية. وهنا ينبغي علينا أن نتساءل عن مصدر هذه السمات. هل هو المهاجر نفسه أم بيئة المهجر المختلفة عن البيئة العربية التي وجد المهاجر نفسه فيها؟ وما الذي يجعل أدباء من أمثال جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة يشرعون في الكتابة بأسلوب مختلف عن أسلوب زملائهم المحليين، وفي التعبير عن أفكار غير أفكار مواطنيهم في البلاد العربية، ويأتون بأدب مشبع بالقيم الإنسانية ومعبِّر عن ألام الشوق والحنين إلى الأهل والأصدقاء والأوطان، وهو ما لا نرى له أثرا في أدب المحليين من أمثال أمير الشعراء محمود شوقي (1932-1868) أو محمود سامي البرودي (1904-1838) في البلاد العربية؟

إنها حتماً البيئة الجديدة التي رسمت أمامهم أفاقا جديدة، وفتحت أعينهم على حقائق لا عهد لهم بها، وأحاطتهم ببشر من شتى الأجناس والألوان، لكل منها لغته ودينه وعاداته وتفكيره، فلا مناص من تقبّل الآخر، وزرع بذور الألفة والمحبة والتعايش مع كل البشر. وهذه البيئة البيئة الجديدة هي التي غرست في نفوسهم ألم الغربة وأججت في قلوبهم سعير الحنين إلى الأوطان التي باتوا يعيشون بعيدا عنها، وهو طبعا ما لا نراه لدى أولئك الذين لم يبرحوا أوطانهم. فكان لتأثيرات البيئة الجديدة عميق الأثر في بلورة تفكيرهم، وصقل شخصياتهم، وخلق أدب مختلف عن أدب زملائهم في أوطانهم الأصلية.

فالأدب المهجري لا ينبع من الفرد نفسه وإنما من البيئة الجديدة المختلفة عن البيئة المحلية. فهل منطلق الأدب المهجري القارتان الأمريكيتان في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين؟ إذا سلمنا بذلك نكون قد سلمنا بأنّ الأديب العربي لم يرحل عن أوطانه قبل هجرة شعراء الشام، وليس هذا شيئا منطقيا، فالعربي معروف بترحاله منذ قديم الزمان. وعليه، فإنّه من الخطأ نسب نشأة الأدب المهجري إلى هذه الحقبة، فشعراء الشام ليسوا أول أدباء مهاجرين في الوطن العربي ولا آخرهم. فالأدب المهجري يرمي بجذوره في أعماق التاريخ، إذ أننا نجد بذوره حتى في أشعار العصر الجاهلي. فالشاعر الجاهلي كان معروفا بكثرة ترحاله، فكان في أثناء ذلك يحن إلى الأهل والأحبة والأوطان، فينعكس ذلك في أشعاره وبكائه على الأطلال، ومثال على ذلك قول امرؤ القيس بن عمرو الكندي:

“قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل

بسقط اللوى بين الدخول فحومل

فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها

لما نسجتها من جنوب وشمأل.”

وحتى النزعة الإنسانية التي ميزت الأدب المهجري في القارتين الأمريكيتين فإنها ليست بجديدة في الأدب العربي، إذ أننا نجد بذورها في الشعر الجاهلي أيضا لدى شعراء رحلوا عن قومهم واستقروا في أوطان أخرى. ومن القيم الإنسانية الهامة الكرم الذي يتجلّى في أشعار الصعاليك من أمثال عروة بن الورد في قوله:

“فِراشِي فراشُ الضيفِ، والبيتُ بيتُهُ … ولم يُلهني عنُهُ غَزَالٌ مقنَّعُ”

وهاهم الأدباء العرب يستقرون في الأندلس بعد الفتح الإسلامي لهذه الأوطان الأوربية تحت راية الدولة الأموية في القرن الثامن، فيحتكون بالسكان الأصليين وأجناس أخرى ويتأثرون بمظاهر الحضارة فيها، ويشعرون فيها بالحنين إلى الأوطان البعيدة. فينعكس ذلك في أشعارهم التي تجلى فيها الابتكار والتجديد. فنراهم يتفننون في وصف الأندلس بطبيعتها ومظاهر الحضارة فيها كقول ابن خفاجة:

“يا أهل أندرس لله دركم

ماء وظل وأشجار وأنهار.”

وها هو الحنين إلى الأوطان يتردد في أعمال هؤلاء الشعراء المهاجرين من أمثال عبد الرحمن الداخل:

“أيها الراكبُ الميمم أرضي أقر من بعضي السّلام لبعضي

إن جسمي كما تراه بأرض وفؤادي ومالكيه بأرض

قدر البين بيننا فافترقنا وطوى البين عن جُفوني غمضي

قد قضى الله بالبعاد علينا فعسى باقترابنا سوف يقضي”
ويتواصل الأدب المهجري اليوم في سائر الأقطار التي استقرت فيها الأقلام العربية، من خلال مؤلفاتنا المشبعة بالمبادئ الإنسانية لإيماننا أننا لسنا وحدنا في هذا الكون، بعد اختلاطنا مع كل أجناس الدنيا. وها هو الحنين الجارف إلى الأوطان التي نحيا بعيدا عنها يطبع أعمالنا:

“رَحَلْتُ عَنْكِ يَوْماً يَا بِلادِي،

فَغِبْتُ، ومَا كَانَ الأمْرُ بِيَدِي،

ومَا غِيَابِي عَنْكِ إلاَّ بِالجَسَدِ،

فَبِرُوحِي وفِكْرِي مَعَكِ للأبَدِ.”

ومثال آخر عن ألم فراق الأوطان: “لمْ يخطُرْ في بالِهِ أبداً أنَّ الرحيلَ عنِ الوطنِ من أصعبِ لحظاتِ الحياةِ وأتعسِها! يغمرُهُ فجأةً حنينٌ جارِفٌ إلى وطنِهِ وهوَ لا زالَ على أرضِهِ، وينْتابُهُ شعورٌ أنّهُ حتى إن جال الدّنيا بِرُمتِها لنْ يُلْفِيَ أرضاً أعزَّ منْ أرضِ أجدادِهِ، ولا صَدْراً أحنّ من صدرِ بلادِهِ، فتَجيشُ نفَسُهُ وتفيضُ العَبَرَاتُ منْ عيْنَيْهِ لِفِراقِ وطنِهِ.” (من روايتي: رياح القدر)

وخلاصة القول إنَّ حصْرَ الأدب المهجري في فترة زمنية قصيرة أواخر القرن 19 / مطلع القرن 20 وقرنه بفئة قليلة من مهاجري بلاد الشام، نابع من قصر نظر وسوء فهم لهذا الأدب، وتشويه لصورته الحقيقية، وإجحاف بحق أعداد كبيرة من أدباء المهجر منذ قديم الزمان، وما أكثرهم في هذا العصر. فقد آن الأوان لإعادة النظر في معنى الأدب المهجري وتصحيح مفهومه بما يرد الاعتبار للأقلام الأدبية التي هاجرت أوطانها سابقاً ولاحقا، مع صياغة تعريف جديد يُقرن فيه هذا الأدبُ ببيئة المهجر بدلا من الأديب المهاجر. فالبيئة هي التي تصقل عمرانه وتحدد معالمه وترويه من منابع الحنين إلى الأوطان وتطبعه بسمات مختلفة كثيرة تميزه من الأدب المحلي، وما الأديب إلاَّ مرآة تعكس ذلك.

لا تعليقات

اترك رد