الاخبار و الإرهاب

 

يمكن الحديث عن موضوع الصياغة الخبرية وإعلام الإرهاب، عبر التمييز بين الخبر ” كما حدّدته اللغة في شكله البسيط ، شخص يروي وآخر يستمع، وموضوع الرواية والخبر بشكله المعقد، الذي تتداخل عناصر عديدة في تشكيله، تبدأ من اللحظة الأولى التي يقرر فيها المحرر أو المندوب الصحفي التوجه الى المصدر للحصول على المادة الخام التي تشكل مضمون الخبر، مرورا بسلسلة حراس البوابات داخل الصحيفة – المؤسسة – الى أن يظهر الخبر في شكله النهائي، متأثرا عبر هذه السلسلة الطويلة من المؤثرات والتفاعلات”.

وفي هذا الإطار، كيف يمكن أن تؤثر صياغة الأخبار في تقديم صورة الإرهاب وأنشطته؟ وكيف يساهم التحرير الخبري بمراحله في تقديم ذلك؟ فقد يخدمه من خلال التركيز على المناطقية أو الطائفية أو استعراض القوة والوعيد التي أراد البيان إيصالها، وهو عادة ما يحصل في تفجيرات ينفذها الإرهابيون في العراق والكويت والسعودية وسوريا وغيرها من الدول، حيث يكون الخبر هنا أكثر مهنية حين تجرّده من الرموز التي يضمنها التنظيم في خطاباته. ويمكن قراءة مضامين هذه البيانات الإعلامية، التي تتراوح بين مبررات دينية وعقائدية، محضة، أو المزج بينها وبين التبريرات السياسية، أو حتى إضافة تبريرات أخرى، في حالات نادرة، من أجل ملامسة أعراف وتقاليد قبلية، أو الاستفادة من تناقضات في الشعور الوطني، أو المناطقي، للوصول لأقصى “فاعلية” في خطابه الإعلامي.
فالخبر الصحفي ليس (إعلانا) عن حدث أو واقعة بسيطة وإنما هو عملية لها عناصرها وتفاعلاتها، وعليه فان سمة التغير تعد سمة أصيلة في الخبر، فمن ناحية هو متغير في طبيعته ،من حيث انه يبدأ بموقف ليصل عبر سلسلة من الأسباب والنتائج الى موقف متغير تماما ، كما انه متغير بتغير الزمان والمكان والشخوص والمواقف ، ورؤى العاملين بكل صحيفة – مؤسسة – والضغوط التي يعملون في إطارها. وهو الأمر الذي نلمسه في اختلاف وتغير الرواية الواحدة للواقعة الواحدة ، داخل المجتمع الواحد، من صحيفة – مؤسسة – الى أخرى، وعليه تعدّ هذه أهم المجسات التي يتم التحقق من دقتها في التعامل مع النصوص التي يصدرها إعلام الإرهاب.

ففي نصوص البيانات التي يصدرها تنظيم داعش دلالات وإشارات يريد إرسالها، فهو يستثمر في العملية، وفي القالب الإعلامي الذي وضعت فيه. فعلى سبيل المثال، وفي بيان تبنّي “داعش” إستهداف مسجد الإمام الصادق في الكويت، أكد على هوية “طائفية” و”مناطقية” لمنفذ العملية، وهي طريقة لا يستخدمها عادة في لغة خطاباته. فقد أشار في البيان إلى أن الانتحاري انطلق من “ولاية نجد” وهو من “أهل السنة” بينما – على سبيل المثال – في استهداف حافلة قوات الأمن الرئاسي في تونس، لم يشر إلى الهوية “الطائفية” للمنفذين، كما لم يشر إلاّ في حالات نادرة للمنطقة التي جاء منها الانتحاري، هذه إحداها، إذ غالباً ما كان يكتفي بكُنية منفذ العملية، للتدليل على المنطقة التي قدم منها، كاستخدام كنية “الجزراوي” للكناية عن أن منفذ العملية من السعودية في أغلب الأحيان.() ويعلم الإرهابي جيداً أن أعماله الإرهابية من قتل وتفجير واحتجاز رهائن سيبثها التلفزيون في الحال، مما يحقق منها هدفين أساسيين:

الأول: إثارة انتباه العالم إلى كَوْنِ الإرهاب موجودا، وأن الإرهابيين أصحاب قضية، لذا وَجَبَ الاعتراف بهم، ومن ثم ضرورة معالجة قضيتهم، فهم يظنون أنفسهم أصحاب قضية.
الثاني: الحصول على الشرعية الدولية لقضيتهم والتعاطف معها.

ولتحقيق هذه الأهداف يعتمد الإرهابي بالدرجة الأولى على تجاوب وسائل الإعلام معه، وليس من الضروري أن يكون التجاوب بالتعاطف، إنّما المهم هو أن تنقل هذه الوسائل رسالة الإرهابيين إلى الرأي العام الداخلي والخارجي. فالإرهابي يحتاج إلى الإعلام، ويعتبره بمثابة سلاح إستراتيجي لابد من جذب انتباهه، والإعلام قد يخدم أهداف الإرهابيين بنشر أقوالهم وأفعالهم، وتضخيم قوتهم دون قصد، ليُعطي بذلك للإرهاب صدى إعلاميا واسعا، يسعى الإرهابيون دوماً إلى تحقيقه().وبهذا يكون الإعلام في حيرة، حيث إنه إذَا أَوْلَى اهتماما للعمليات الإرهابية، فإنه سيقع في فخ الإرهابيين، ليجد نفسه مسخراً لخدمة الإرهاب والإرهابيين بطريقة غير واعية وغير مقصودة، وفي حالة تجاهل الإعلام للعمل الإرهابي، فإنه بذلك يتنكر لرسالته السامية، والمتمثلة في إطلاع الرأي العام على حقيقة ما يحدث من أحداث ووقائع مهما كانت سلبية. وللإعلام وظيفة إيجابية وأخرى سلبية، فالوظيفة الإيجابية تكمن أساساً في التحلي بالصدق والأمانة والموضوعية، أما السلبية فجوانبها متعددة مثلا: يمكن للإعلام أن يكون صادقا في تناوله لحادثة معينة أو لظاهرة ما، لكن نتائجها تكون سلبية .

لا تعليقات

اترك رد