ثورة الغلابة مع السيسي

 

فقد أصبح المصريون أكثر وعيا مما يتصور كل من يحاول أن يشكك أو يسيء، لذا كل الجهود التي تُبذل من جانب هذه العناصر وأهل الشر مصيرها الفشل”.لان الشعب المصري يدرك محاولات إدخال مصر إلى دوامة الضياع، بعد موجة من التسخين واللعب على أوتار الأزمة الاقتصادية، والعزف على مقطوعة «تيران وصنافير»، والغناء على الناس بالفقر الذي ضرب البلاد التي كانت ثرية، بالتوازي بالطبع مع حملات نشر الإحباط التي تتولاها اللجان الإلكترونية «الإخوانية» بالتنسيق مع فضائيات الجماعة
جرى تحديد يوم 11 نوفمبر المقبل موعداً للثورة الموعودة. حسناً فعل دعاة الثورة الجديدة في مصر، بإعلانهم مبكراً موعد ثورتهم حتى يتسنى للمصريين أن يجهزوا أنفسهم، ويرتبوا أحوالهم للاحتفال باليوم، والاحتفاء بالثورة، والاستفادة من الهدوء الذي اعتادوه مع كل دعوة إلى ثورة منذ بدء «الإخوان» و «الثورجية» وناشطي مواقع التواصل الاجتماعي إطلاق الثورات المزعومة، منذ أطاح الشعب حكم الجماعة. معروف للجميع أن هناك فجوة واسعة الآن بين فصائل المعارضة، وباتت لغة التخوين هي الأكثر استخداما فيما بينها، وهو ما يجسده الفشل في الوصول إلى صيغة مشتركة بين هذه الفصائل نحو التوحد، فضلا عن الانقسامات البينية داخل كل فصيل على حده، وهو مايجعل مثل هذه الدعوات في هذا الظرف “فردية” تفتقد للشمولية والتنسيق، ما يفقدها قوتها ويحولها إلى استعراض من باب التمثيل الثوري المشرف ليس أكثر.

وبالبحث عن مبرر لاختيار ذلك اليوم لم يظهر أي سبب بعينه، سوى أنه سيحل في يوم جمعة، من دون أن يحمل ذكرى واقعة «ثورية» مثلاً أو يمثل تاريخاً لحادثة شهيرة، إلا إذا كان مطلقو الدعوة اختاروا ذكرى انتهاء الحرب العالمية الأولى التي حطت أوزارها في 11 نوفمبر 1918 لينهوا حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي لمصر، أو أنهم اختاروا ذكرى وفاة الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الذي رحل في 11 نوفمبر 2004 موعداً لبدء ثورتهم الجديدة! لكن ربما المراهقة السياسية دفعت بعضهم إلى الإعجاب بشكل التاريخ إذا استخدم في «الملصقات».

ولأن الكلام عن الحريات وحقوق الإنسان والقمع والاختفاء القسري لم يعد ينطلي على الناس الذين يتأثرون بحوادث الإرهاب في دولة مازالت تدفع ثمن مرور الربيع العربي عليها وجُرحت بشظاياه، ولأن حكاية الشرعية والرئيس المدني المنتخب محمد مرسي لم تعد تجدي مع شعب عانى الفساد و «الأخونة» والفشل في عهد الجماعة، ولأن الناس سئمت التظاهر اللاإرادي والاعتصام عديم الجدوى والانفلات والارتباك ووقف الحال، فإن مطلقي الثورة الجديدة اختاروا قضية أكثر جاذبية للناس وركزوا على مسألة الغلاء وارتفاع الأسعار، وشكلوا حركة جديدة أطلقوا عليها «حركة غلابة» أطلقت الدعوة إلى الثورة للتنديد بغلاء الأسعار. وسعت الحركة، أو هكذا حاولت، إلى النأي بنفسها عن الانتماء إلى جماعة «الإخوان المسلمين»، ربما لشعور القائمين عليها بمدى رفض الشعب لـ «الإخوان».

لكن من تابع الصفحة الرسمية للحركة على موقع «فايسبوك» وجدها تعتمد مفردات وصياغة هي نفسها التي لطالما استخدمتها الجماعة في تحريض أنصارها للنزول إلى الشارع من دون أن يستجيب الناس.

«حركة الغلابة» ليست الأولى التي يسعى «الإخوان» من خلالها إلى استغلال الظرف الاقتصادي الذي تمر به مصر للتحريض على الحكم وتأليب الناس عليه، ففي العام 2014، وبعد أقل من ثلاثة شهور من وصول السيسي إلى سدة الحكم، ظهرت حركة تسمى «ضنك» للمتاجرة بالصعوبات التي يعانيها المصريون وبينها الانقطاع المتكرر للكهرباء في حينه، وتقليص الدعم على المحروقات، وتزامن ذلك مع دعوات «التحالف الوطني لدعم الشرعية» الذي يضم «الإخوان» وجماعات أصولية متطرفة أخرى، إلى تنظيم تظاهرات ضخمة تحت شعار «ثورة الغلابة» احتجاجاً على «تردي الأوضاع المعيشية»، لكن «الغلابة» لم يثوروا والثورة لم تقم!

وفي منتصف العام الماضي، أُطلقت حركة جديدة تُدعى «عصيان»، دعت إلى تظاهرات أمام قصر الاتحادية في الذكرى الأولى لرئاسة السيسي. وتضامنت مع تلك الدعوة في حينه حركة أخرى تطلق على نفسها اسم «شباب ضد الانقلاب»، وقبلها كانت حركة تسمى «تحرر» دعت إلى التظاهرات في أبريل العام الماضي، وبعدما صدق بعض «الإخوان» أن «الانقلاب يترنح» وأن «مرسي راجع القصر يوم الأحد العصر»، وجدوا أنهم لا يشاركون إلا في وهْم، وأن حكم السيسي يترسخ ومرسي يتنقل من محكمة إلى أخرى ومن سجن إلى آخر.
اللافت أن «الإخوان» كانوا حددوا مواعيد أخرى لثورات تركزت غالبيتها في أوقات لها علاقة بالأحكام التي صدرت في حق مرشد الجماعة أو مرسي نفسه، أو باقي زعماء الجماعة وقادتها، وعلى رغم الدعم السياسي والزخم الذي تتولاه قنوات «الإخوان» الفضائية التي تُبث من دول تدعم الجماعة، إلا أن أحداً لم يخرج إلا لمطاردة «الإخوان» ووقف أفعالهم العدوانية في الشوارع.

ويبدو قاموس «الإخوان» وحلفائهم من «الثورجية» ونخبة الفضائيات في حاجة إلى تصحيح لتعود مفرداته إلى أوضاعها الطبيعية لدى باقي البشر، فالدولة المصرية تترسخ ولا تترنح، ومرسي لن يعود إلى الحكم لا الأحد المقبل ولا أي يوم آخر، ولن تقوم ثورة في مصر، بل إن المشكلة التي قد يواجهها السيسي إذا ما ترشح في الانتخابات الرئاسية المقبلة أنه لن يجد مرشحاً آخر ينافسه بعدما تجاوز المرشح السابق حمدين صباحي عدد مرات الرسوب. أن التظاهر بهدف المشاركة والحضور دون التنسيق والإعداد الجيد يعد انتحارا وسذاجة سياسية لا يمكن غفرانها مستقبلا، ثم أليس ما أُهدر من أرواح ودماء طيلة السنوات الماضية كافيًا في ظل السلمية المنشودة في مواجهة رصاص الأمن؟

أليس من الأفضل أن تتوحد فصائل المعارضة أولا على مبادئ مشتركة، يعقبها وضع إستراتيجية محددة للتنفيذ، ثم خارطة واضحة المعالم حول سيناريوهات ما بعد الثورة؟.. ثم السؤال الأصعب والأكثر حرجا: أليس من الأفضل للإسلاميين وبقية فصائل المعارضة أن تعيد بناء جسور الثقة بينها وبين شبابها من جديد بعدما هدمته سياسات وقرارات القيادات الخاطئة طيلة الفترة الماضية والتي دفع ثمنها الشباب الثائر؟.. لابد من الإجابة أولا عن الأسئلة السابقة قبل تجديد موسم التظاهرات، حتى لا تتحول هذه الدعوات إلى رقم جديد في قائمة التظاهرات السابقة التي ما جني منها الثوار إلا حصد جديد للأرواح وإهدار للدماء وزيادة في منسوب الإحباط لدى المعارضين.

من بعد أن ظهر ياسر عبد الحليم بتاريخ 16 سبتمبر على قناة الشرق الإخوانية التي تبث من تركيا وحرض المصريين الموجودين في أمريكا لإفشال زيارة الرئيس السيسي، رغم أن عبد الحليم لا يتواجد في مصر حاليا، وهارب إلى تركيا. وأوصى شقيقه محمود عبد الحليم برفضه دفنه في مقابر العائلة في مصر بعد هروبه إلى تركيا، بالإضافة إلى هجومه على القوات المسلحة والدولة المصرية.

من وراء هذه الدعوات ولماذا الآن الوضع يشتعل في العراق وسوريا واليمن

في اليمن الآن أكثر من خمسين مليون قطعة سلاح، وبمعدل قطعتان لكل مواطن، وهناك من يقدر هذا الرقم بأنه بمقدار الضعفين، بعد إرسال الإطراف المتقاتلة بالنيابة على أرضه، أي المملكة العربية السعودية وإيران آلاف الأطنان من الأسلحة في السنوات الأربع الماضية. هل السيناريو الليبي يتكرر على ارض اليمن؟

الإجابة بنعم مضخمة، فالسيناريو الذي يدور في اليمن يتواضع أمامه نظيره الليبي، لان القوى المتقاتلة على أرضه، أو المتدخلة عسكريا، سواء بصفة مباشرة أو غير مباشرة، دول إقليمية عظمى، تخوض معركة “كسر عظم” ضد بعضها البعض.
النقطة الأخرى التي لا يمكن تجاهلها في هذا السياق إن إيران تحارب العرب على أرضهم وليس على ارض إيرانية، ولذلك تكون خسائرها البشرية والمادية بدرجة اقل ومحدودة للغاية، بينما تتضاعف الخسائر العربية وتتعاظم.
ما نريد إن نقوله إن الطرف العربي مرشح لمواجهة حرب طويلة أولا، وخسائر مادية وبشرية اكبر بالمقارنة مع إيران، لأنه يحارب لوحده، عدوا إقليميا قويا، معتمدا على نفسه وإمكانياته، ودون مساعدة أمريكية أو غربية على غرار كل الحروب السابقة في الكويت والعراق وبدرجة اقل سورية.

هناك تسريبات كثيرة حول الجهات الإقليمية والدولية التي ضغطت على الصدر ومنعته من مواصلة حملته الثورية هذه، فالأمريكان حريصون على بقاء العبادي حتى نهاية ولاية باراك أوباما، ولا يريدون الدخول في معمعة الملف السياسي المرتبك، الذين كانوا هم من صنعه ولديهم الرغبة على بقاء العراق في الفوضى والصراع الطائفي. والإيرانيون قلقون من أن يتحول الوضع العراقي إلى المجهول رغم قدراتهم المعروفة في التأثير على الصدر.
ورغم هذا التراجع الصدري فإن الصراعات لم تتوقف، فالعبادي يخشى على موقعه الوظيفي في رئاسة الحكومة، وبعد فشله في ما سماه بمشروع “الإصلاح” الترقيعي، وعدم قدرته على تحقيق نصاب قانوني لحكومته المشلولة، لم يكن أمامه سوى استثمار معركة داعش بالفلوجة ليرتدي البدلة السوداء ويدير المعركة على أطرافها، في حين يشتغل وزير دفاعه خالد العبيدي ويستحضر لمعركة الموصل المقبلة لكي تكون نظيفة من وجود الميليشيات المسلحة، وسط أخبار تقول إنها لن تبدأ فعليا قبل نهاية هذا العام ولا يعرف متى تنتهي، وهناك مشكلات كثيرة تعكس التنافس بين قيادات الميليشيات المسلحة وبين القوات الأمنية التي يقودها العبادي، ويُحجب تسميتها بالجيش العراقي في وسائل الإعلام العراقية، كما أن هناك تعقيدات لوجيستية حول القوى المحلية والإقليمية المشاركة في تحرير تلك المدينة الكبيرة التي تعتبر الحصن الأخير لداعش في العراق.

ولعل من بين ما يلفت الانتباه أن بنيامين نتنياهو رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي انتهز التدخل الإيراني في اليمن والعراق وسوريا في حملته الانتخابية إلى أقصى حد وعرض على “الدول العربية المعتدلة” التعاون مع إسرائيل التي ستكون القوة الوحيدة القادرة على “وقف الزحف الشيعي” و”الاحتلال الإيراني الفارسي للدول العربية”؟؟

وبالرغم من اعتراضات الرئيس الأمريكي باراك أوباما وحلفائه، فقد نجح نتنياهو في إلقاء خطاب أمام الكونغرس الأمريكي ساهم في نجاح حزبه في انتخابات 17 مارس الماضي. وكانت “أكبر ورقة رابحة” لعبها نتنياهو ما سماه بـ”احتلال إيران لـ4 دول عربية” إلى جانب ورقة “المشروع النووي الإيراني “..

وأمام ما وصف بـ”تغول” إيران في المنطقة أصبحت جهات أمريكية وإسرائيلية تعرض على مصر والسعودية والدول الخليجية “تطوير التنسيق الأمني والاستخباراتي والعسكري ضد الخطر الإيراني”.
خلاصة القول من يقف وراء دعوات الخروج علي السيسي بدعوة ثورة الغلابة نسوا أو تناسوا إن المصريين بتثور عبر تاريخها ضد عد العدالة الاجتماعية وليس ضد الفقر لان الفقر بعتبر في ثقافة المصريين امتحان من الله علي الصبر والبلاء و هؤلاء يجلسون في فنادق ومنتجعات أوروبا وأمريكا الفاخرة، على حساب جهات رسمية لا هدف لها إلا تدمير مصر، لا هم لهم إلا التشكيك، فلا يعنيهم حل أزمة الكهرباء التي كانت معاناة كبرى للناس منذ عامين فقط، ولم يعنِهم حل أزمة البنزين والسولار، ولا يعنيهم حل أزمة «أنابيب الغاز»
ولم يعنِهم حل أزمة طوابير العيش، ولم يعنِهم إقامة مشروعات وصيانة الطرق، وهى المشكلة التي كان المصريون يصرخون منها ليل نهار، ولم يعنِهم استصلاح مليون و500 ألف فدان، ولم يعنِهم تجديد المرافق المنهارة، ولم يعنِهم صرف معاشات «كرامة وتكافل» لما يقرب من 3 ملايين مواطن لا دخل لهم، ولم يعنِهم تسليح جيش مصر، والدفع به إلى مكانة مهمة في قائمة أقوى جيوش العالم، ويتفوق على جيش إسرائيل الذي لا يقهر، ولا يعنيهم إعادة مصر كقوى محورية إقليميًا ودوليًا، وتتبوأ مكانتها الطبيعية كرقم صحيح في معادلة السياسة الدولية، والأهم، لا يعنيهم أن مصر عاد لها أمنها واستقرارها، وهو أمر لا يقدر بمال.

لا تعليقات

اترك رد