نينوى …عبقرية المكان

 

من الصعب جدا لأي شخص أن يفهم الموصل مالم يعيش في الموصل نفسها , والأصعب من ذلك أن تكسب ثقة الموصليين , الموصلي حذر ,دقيق الملاحظه ,إنتقائي المزاج بحكمه , ويقوم يشرع الموصلي باب داره لتشاركه زاد بيته فأعلم أنك دخلت محيط ثقته ,

للعارف بأهل العراق وتاريخه يعلم جيدا اسباب ذلك ويقدر أن إنضباط البيت الموصلي بمصروفاته وإختياراته وتموين بيته في (رهرات ) البيوت الموصليه الجميله جاء نتاج تاريخ طويل من غزوات و حصار مدن وحروب منذ آلاف السنين .

الموصل هي المركز الحضري لمحافظة متراميه الأطراف تتجاوز مساحتها وعدديها وتنوعاتها دولا عربيه وعالميه . واليوم نتناول مفردة الموصل مجرده تعبيرا عن هذه المحافظه هو خطأ جغرافي وتاريخي كبير .

اتناول مما عرفته عن هذه المدينه من ذاكرتي المكانيه سريعا لمحات ربما تكون مرجعا لتقويم نظرتنا لنينوى وهي تشهد اليوم زمن مفصلي في تاريخها الذي هو من مرتكزات تاريخ العراق القديم والحالي والقادم .

أشد ما يميز نينوى عن بقية مدن العراق تنويعاتها الدينيه والعرقيه والقوميه , والأكثر تميزا في نينوى هي أن كل ذلك ينصهر في مدينة الموصل والتي تكاد تحس أنها عاصمة دوله لا مركز محافظه .

ليس بجديد أن نستذكر تاريخ تاريخ نينوى والإمبراطوريات التي كانت تبزغ من هذه المدينه التي اتسعت رقعتها لتصل الى حدود سيناء غربا وجبال ارارات شمالا وجبال حمرين شرقا امتدادا الى سواحل الخليج جنوبا .

الموصل الحديثه وبعد اتفاقية سايكس بيكو قصصت أراضيها لتصل الى الحدود الشماليه للعراق مع تركيا والغربية مع سوريا .

عرفت في الموصل كل أطيافها وفهمت تنوعاتها وأكتشفت عبقرية هذا المكان وكيف حافظ على سلامته رغم كل ما مرت به من ويلات … في نينوى خزين هائل من التاريخ والعلم والحضاره والفكر عصي على كل هذا الضجيج … آشوريون ,كلدانيون ,عرب , كورد , تركمان , يزيديون , شبك , جرجريه , سنه , شيعه , كاكائيه ويعلم الله ماذا تكنز في حضنها المضياف من إناس .
الموصل تبقى صامته دوما ولا يصح إلا ما تقرره هي … فالموصليون رغم كل هذا التنوع العجيب
هنالك إتفاق ذاتي بين مكوناته غير مكتوب ..عصي على السياسة والحروب والمؤامرات .
هذا سر نينوى الدفين ,
المدينة التي قدمت للبشرية خيرة حضارات الدنيا وشكلت مؤلا لإستيعاب وقبول الآخر بعكس مايروج عنها …
اجيال من الأكاديمين والعلماء والأطباء والمهندسين والحرفيين والفنانين ورجالات الدولة ورجالات الجيش طلعت من هذه المدينه ولم يطب لها العيش إلا فيها .
الموصلي مثل زهرة البابونج لن يضوع عطره إلا في تراب نينوى

مسيحي الموصل لن يطيب له الا الموصل فهو الباني الأول ولا بديل له عن تلكيف وبرطله وباطنايا وباطوفه وتلسقف وقرقوش وكرمليس ولا قداس أقدس من زيارة الى دير مار متى ,
العربي الموصلي لاغنى له سهول الجزيرة وحنطتها وفضائاتها المفتوحة كما الكردي و التركماني والشبكي والجرجري فلاجامع ذو النورين الا في الموصل ولا (نبي يونس ) إلا هنا ولا نبي شيت ولا جرجيس ولا باشطابيا ولا نمرود ولانكهة تطيب لنفسه الا بنينوى .
أي سيولي وجهه ابن بحزاني أو بعشيقه أو سنجار من دون ((معبد لا لش)) وجبل سنجار ورمان ((كه رسي )) وزيتون العدنانية وتين القحطانية ,
كيف يستطيع الـ(( عفري )) أن يحول الموسم وهو لم يعبيْ قناني دبس الرمان لموسم قادم و يمر كل يوم على مفرق ((الكسك )) ليرى الحنطة قد نبتت في اكياسها من خير ارضه مرورا (( بأم الشبابيط )) و ((حكنه)) وصولا الى ((ربيعه )) .
لا اتخيل ((شمريا )) أو ((جبوريا ))يستطيع أن يبقى على قيد الحياة دون أن يرى سيقان حنطة ((بادوش )) أو (( البعاج )) تصل الى كتفيه وهو يركض خلف طيور التدرج ورائحة الورد تملء روحه حبا بهذه الأرض .

نينوى لها طقوسها الخاصة بها
نسيج مختلف حاكته حكمة تاريخ .
نينوى …تبتسم الآن وتعلم أن قرارها هو الصحيح .
عندما تتحرر الأرض بعون الله وبسواعد ابناء العراق ..لا تخدشوا شبرا من نينوى بححج بائسه ودعوها تلم ابنائها تحت فيء جناح كائنها السرمدي .

1 تعليقك

  1. Avatar أ.د. بشرى البستاني

    نينوى لها طقوسها الخاصة بها ،، نسيج مختلف حاكته حكمة تاريخ . مقال رائع يعبر عن حقيقة الموصل الحضارية التاريخية والجمالية ، وعن ألفة شعبها الذي تمكن بالحكمة والحب من تحويل الاختلاف إلى انسجام وجمال وتبادل خبرات…. شكرا الاستاذ عماد مجيد المولى على جمال ما كتبت ، ودام قلمك متألقاً.

اترك رد