العدم ليس اللاشيء

 

كثيرا ما نستعمل كلمة العدم دون معرفة حقيقية لأبعادها اللغوية والعلمية، ظنا منا أنها تعني الفراغ الهائل أو اللامكان واللازمان، وأنها تصف حالة نفسية أو فكرية أو حسية ذات واقع ظلامي لا وضوح فيه.
لعلنا لا ندرك أن للكلمة بعدها العلمي والفلسفي والأدبي.

فمن الناحية العلمية أثبت العلم أنه لا يوجد مكان في الكون لا يوجد فيه شيء، حيث ظن البعض أنه الفراغ بين الذرات وذهب البعض إلى نفي مطلق لوجود العدم لأننا لا ندرك حجم ما يحيط بنا، فنحن كوكب سابح له قوانينه الخاصة، مع هذا نستعمل كلمة العدم التي هي لا تصف أمرا حقيقيا بل أمرا يمكن أن نسميه نقصا في المعرفة، فالأمور موجودة وتحدث ونحن ندرك بعضها والبعض الآخر لم يبلغه وعينا.

العدم في الأطراف الواسعة من الفضاء لا يمثل “اللا شيء” والعقل يؤكد لنا أن هذه الفرغات ليست العدم، إنما يوجد شيءٌ هناك لم نصل إليه بعد،في أطراف المجرّات، يوجد المئات أو الآلاف من الجُزيئات في كل مترٍ مُكعب.
يرى الفيزيائي” لورنس كراوس” أن مقولة “ الكون من العدم” تعني حقاً “الكون من الإمكانية”. هذا يعني أننا إذا جمعنا كل الكتل والطاقة في الكون وكل أقواس الجاذبية وكل شيء آخر سيكون المَجموع النهائي مساوياً للصفر،لذلك من الممكن أن نقول أن الكون جاء من العدم حقاً، وبالتالي “العدم” هو كل شيء نراه أمامنا “

أما في المفهوم الفلسفي لكلمة “العدم” فقد نشأت فلسفة عرفت “بالعدمية” نسبة لكلمة “العدم” Nihilism هي موقف فلسفي يقول: “أن العالم كله بما في ذلك وجود الإنسان،عديم القيمة وخالٍ من أي مضمون أو معنى حقيقي“. هي فلسفة ملحدة لأنها لا تثق بشيء ولا تنفي أو تؤكد شيء ولكن هذه الفلسفة كان لها تأثيرها في الأدب فظهر مذهب أدبي فلسفي بحث في الوجود وأسبابه وتبنى فكرة العدمية في انتاجه الأدبي، محاولا أن يثبت أن العدم هو الوجه الآخر للوجود، بل هو نهاية الوجود، وبه نعرف حقيقة الحياة بعيداً عن النظرة المثالية. ومن أشهر كتاب العدمية في مجال الأدب الروائي الروسي الشهير ”ديستوفسكي” صاحب الرواية الشهيرة “الجريمة والعقاب “،كما يُعد الشاعر والناقد “جوتفريد بن” من أبرز العدميين الذين وضحوا معنى العدمية كمذهب أدبي، إذ قال: “بأن العدمية ليست مجرد بث اليأس والخضوع في نفوس الناس بل مواجهة شجاعة وصريحة لحقائق الوجود“.

في الحقيقة طرحي لهذا الموضوع ليس قادما من العدم، بل لأن الحياة ابنة المتناقضات حيث أن الإنسان ينظر إلى كأس الماء غير الممتلئ بحسب رؤيته لا بحسب حقيقته، لا يمكننا أن نفسر الكون تفسيرا سوداويا كما دأب العدميون على فعل ذلك بل أن نرى الكون كما هو ليس جميلا مطلقا ولا قبيحا مطلقا، هو الإثنين معا، المشكلة الفعلية تكمن في أننا كائنات بعيدة عن الكمال وترغب في أن تحقق الكمال، فتخفق حينا وتنجح حينا آخر، فينقسم العالم الى عالم حقيقي وآخر خيالي وحديثا الى عالم وسطي أوجده الإنسان هو العالم الافتراضي، يبحث فيه عن السلام.
لعل كلمة عدم هي فراغ أسود ضبابي نختبئ خلفه خوفا من حقيقة ندركها ولكننا نطمرها في دواخلنا، لأن الحياة ترتبط بدورة زمنية لا ترحم ولا تكترث بشغفنا بها فهي لها قانونها الذي اختصره المثل الفرنسي “إنها الحياة، c’est la vie”

لا تعليقات

اترك رد