الأفكار الجيدة تأتي دائما متأخرة

 

معلوم أن اليد الواحدة لاتصفق، ومعلوم أيضا ما للتكاتف والتآزر من تأثير إيجابي، يعود بالنفع والفائدة على من يتخذون من اتحادهم خط شروع، ينطلقون منه لمواجهة مجتمع يتكالب فيه الأصدقاء قبل الأعداء، على أي مسعى للنجاح هنا، او خطوة للأمام هناك، ومثل هؤلاء كثيرون بين ظهرانينا، وهم الذين قال عنهم القرآن؛ “الذين في قلوبهم مرض” إذ أنهم لايرون في خير يعم الناس إلا الشقاء والبؤس، فيما هم يبتشرون للمصائب إن نزلت، ويبتهجون إذا الشر حل، ويهللون لقدومه أينما نزل، ومن سوء حظ البشرية أن هؤلاء لاينزعون ثوبهم هذا ولا يستبدلونه، بل أنهم يتمادون في عدائهم للخير وأهل الخير، وقد جاء في تتمة الآية؛ “فزدناهم مرضا”. فهم كما يقول مثلنا؛ (البزون تكيف على عمى أهلهه) او كما أنشد صاحب الأبوذية:

آنه ام المصايب وآنه ابيهه
وهي دوما تبيني وآنه ابيهه
خل تغرك يصاحب وآنه بيهه
إذا غركت سرور يصير بيه

نعم، فهناك الكثير الكثير ممن يتمنى لسفينة العراق الغرق، وهناك الأكثر منهم ممن يعرقل سيرها بما يقدر عليه من سبيل، وما يمتلكه من وسيلة.

قبل أيام قلائل التقى عراقيان لكل منهما ثقله في الوسطين السياسي والاجتماعي، بعد أن كان كل ظن العراقيين أنهما لن يلتقيا أبدا، بل راحت ظنون أغلبهم الى أن الاثنين خصمان يستحيل الصلح بينهما، إنهما قيس الخزعلي ومقتدى الصدر. وهما غنيان عن التعريف، لاسيما وقد ذاع صيتهما كونهما يشكلان رأسين في التشكيلات التي برزت بعد عام 2003، والتي تولت مهمة مقاومة جيش الاحتلال، وبعد عام 2011 دخلا -ولاسيما الخزعلي- معترك الحياة السياسية، وازداد تأثيرهما بشكل مباشر بعد اجتياح التنظيم الإرهابي “داعش” محافظة نينوى في حزيران 2014، ومنذ أيام قلائل رابضت التشكيلات التابعة لهما على مشارفها لاستكمال تحريرها.

أعود أدراجي بالحديث عن عنوان مقالي هذا، فقد انتقيته من بين أمثالنا الدارجة، بعد أن وجدت فيه ضالتي ومقصدي وغايتي، فيما أردت الخوض فيه حول لقاء الخزعلي والصدر، حتى خلت أنه يغنيني عن كتابة متن المقال، وكفاني بعنوانه معبرا وشارحا ما أعنيه بالتفصيل، غير أني وددت استدراك أمر وقفت عنده وقوف الشاعر بشر العابد الذي قال:

أتت وحياض الموت بيني وبينها
وجادت بوصل حيث لاينفع الوصل

فقد مرت على العراقيين أيام عجاف تجاوز عدها عقدا من السنين، تلقّوا بدايتها بفرحة يحذوها أمل كبير بعيش كريم، حيث زال طاغية دكتاتوري قمعي دموي، وآل الحال الى حكم ديمقراطي تعددي، ودولة فيدرالية كما قالوا عنها، إلا أن ما مر به العراقيون طيلة تلك الأعوام -مع وجود هاتين الشخصيتين المؤثرتين- لم يكن بمستوى الطموح المؤمل من تغيير عام 2003، بل على العكس، فقد انزلق العراق الى أدراك ومهاوٍ مروعة، وانزلق حينها العراقيون الى حيث لايحسد عليه مخلوق، وكلنا يذكر مفردات الأحداث اليومية والوقائع التي دارت بعد ذاك العام، حيث جال شبح الموت في شوارع مدن العراق وأزقتها، بل أنه دخل بيوتها عنوة، وأزهق أرواحا لم تجنِ ذنبا سوى أنها تحمل هوية عراقية.

وكما بدأت مقالي هذا بمثل عراقي، أنهيه أيضا بمثل ثانٍ ظل يجول في ذهني مذ رأيت لقاء الشيخ والسيد، يقول المثل؛ “آنه واخوي على ابن عمي وآنه وابن عمي عالغريب”..! فإذا كان الخزعلي والسيد أولاد عم، فمن ياترى الغريب؟

لا تعليقات

اترك رد