العمود التاريخي للسينما العراقية .. قراءة تسجيلية

 

ملاحظة : سنحيل هنا القطع السياسي الى القطع الثقافي بما يمكننا تسميته بإتلاف المراحل وكأنها من ورق .
نصطدم بخطأ جسيم في القراءة ..نجم عنه اضطراب في الاعداد لبرنامج تقويمي عراقي ممكن يقوم على ذاكرة صحيحة وعقل ناقد محلل مجدد . اسقاط نظام صدام حسين , تبعه قطع شامل للتجربة العراقية . مع الماضي , مع الذاكرة , باراضيها الخضراء والبور . ورافق هذا القطع عمل freeze frame تاريخي وتجميد الراهن والحيلولة دون تحركه الى امام . أوقفت ماكنة العرض . وترسانات الاشرطة فيها فارغة ولامجال في غرفة العقل العراقي الا للجدل المدوّر والاشتغال الاديولوجي والتفعيل الماضوية السحيقة للاختلافات الدينية الشكلية , والحفر في الارض ,لاستخراج المعطلات لتفريغ ماتبقى من شحنات طاقة العقل العراقي المرهقة بضاغط الدكتاتور, وتعليقها على اشتغالات لغوية ومؤسسية وهي تركيبات اختزنتها ذاكرات امراء الطوائف ليُطلب منه اطفاءها من جديد , حتى ينتظر التهاب فتيل آخر . في لعبة يكون فيها الشعب الحارق والمحروق . واذا كان المسرح العراقي قد اطل من ثقوب تلك الكواليس في اوج التهابات الشارع مقطوع الرأس . فإن السينما العراقية قدرها كما في عقود الدكتاتوية أن تتكيس مثل أميبا شحت عليها ظروف الحياة .
السينما العراقية لها رواد ومحاولين وحالمين . أشعل الظامئون .حلما للشباب الظامئين بالسينما الروائية بطابعها المتاثر بالبلاشفة . وأضاءت أهوار قاسم حول , يوتوبيا وثيقة الحياة والكتابة بالكاميرا لأجيال من الشباب الذين هزموا الليل باحلام صناعة الفيلم . استوردت مختبرات صناعة السينما ليكتفي بلد ميزانه التجاري ايجابي بصناعة السينما . لكن حرب الثمانينيات التي وثقت بعضها السينما العراقية . لم تكن وفية للسينما العراقية . أغلقت الدولة دائرة السينما . وحُّولوا صنّعها الى دائرة التلفزيون . واختفى الشريط السليلوزي من الاسواق العراقية مع مطلع الثمانينيات حتى تلك التي يستعملها الهواة . بدعوى ان شركة كودافيلم واكفا لها مكتب مسجل في اسرائيل . وسجيت السينما العراقية في اقبية موت طويل ونسيت الاجيال أن ثمة شريط سيليلوزي مثقب مطلي بالجيلاتين الحساس . يتاثر بضوء غالق كاميرا تدعى الكاميرا السينمائية . ويُحمّض ويّطبع .كانت الاجيال الثلاثة منذ سني الحرب الثمانينية الاولى هم اجيال الشريط المغناطيسي . والرؤوس المغناطيسية التي تتسخ بالاكاسيد وكاميرات التيوب اليوماتك التي تترك عدساتها ذيولا ضوئية على شاشة العرض الزجاجية السميكة . ثم توالت المعجزات لتحذف اجيالا من انظمة التصوير . وكان كلما يلغى نظام يحول الارشيف الى النظام الذي يليه . تو انج . ون انج . يوماتك .بيتاكام . كان العراقيون واعني بهم صنّاع الصورة باحثين عن سحر الكواليتي . وهم جلّهم أبناء مملكة السيليلوز التي طوتها الدولة مثل ممالك الاهوار . ولم تكتف الدولة بتدمير مملكة السينما الناشئة , حتى بدأت تمارس ساديتها على الجثة في القبر . الكذب . والبروبكاندا هما المحرك لاستعمال مابقي من امكانات الصورة لتغذية رغباته . أجبر المخرج قاسم حول على مغادرة البلاد في مرحلة المونتاج , حيث يخشى الدكتاتوريون غرف المونتاج , كان ذلك في الفيلم الروائي ( بيوت في ذلك الزقاق ) , واوعزت الدولة للمخرج محمد شكري جميل مونتاجه بالنهاية التي يريدها النظام , هذا الفيلم أشعر النظام : أن السينما هي أخطر قطاع ثقافي من الممكن ان يزعزع أركان نظام سياسي , لذلك كانت ديموقراطية المسرح محمودة النتائج , فهي ديموقراطية امتصاص , وتفريغ شحنات . اما السينما فقد اصطدمت في اوروبا منذ بداية النشوء مع ستالين وهتلر وما ازدهارها في اميركا الا نتيجة من نتائج النفي الدكتاتوري الاوربي عقب الحرب الكونية الثانية .
في بغداد المدمرة . التي تعيث بها الكلاب السائبة والعاهرات والجنود المفلسين والمتسولين , كان شارع حيفا موضوعا لفيلم . واذا كان راس الدولة يتدخل في الثيمات التي يريدها . فان مدير دائرة السينما كان هو الفتى الاول فيها . كانت استئثارات داخل استئثارات .. وكانت الرجل المودع لحياته . مؤلف واحد . مدير واحد . وهو نفسه الممثل الواحد , رئيس دولة واحد . اختزالات داخل اختزالات . كانت مملكة بعد زوال , فارغة الا من المدراء . ترسم كوميدياها بنفسها , وكان افضل فصل كوميدي عاشته دائرة السينما والمسرح التي هي بلا سينما . ان تطلب منها قيادة الدفاع الجوي استشارات في تطوير انظمة الرقابة الجوية لما يعتقد ان لموظفي الدائرة خبرة في الكاميرات والعدسات وجرى العمل في مبادلة كذب علمية معروفة في وقتها ,. كان أحد المدراء المتعاقبين يكتب على هويته : الصفة : مدير السينما العراقية , وليس مدير دائرة السينما . تاريخ السينما العراقية منذ تجارب الجابي . والحارس , أودعت في غرف مؤسسة تحمل العنوان مرتين مرة على يافطتها ومرة في هوية المدير .
كلية ومعهد للفنون الجميلة في بغداد اللذان يحتفظان كل منهما بقسم اكاديمي لتعليم السينما, بدءا بالتراجع . انقطاع معرفي .. تحجر وتأكسد منهجي .. انهيار وتفريغ للبنى التحتية .. كانت الاوعية والمضامين وطرق التركيب والتحضير . كلها تلفزيونية . كانت السينما بفهمها المقطوع ليست الا يوتوبيا تقع خارج التجربة . واخبار يتداوله المقطوعون / المعزولون . عن عالم التجارب والمعرفة . نعم هنا بعض ممن يمسك بتلابيب حافات الفهم . لكن السينما ان لم تكن صناعة , فماذا يمكن ان تكون ؟
كان الامل معقود بسقوط المرحلة باكملها حيث لم يكن ينتظر العراقيون خبزا او اشباعا في مظاهر العقائد , كما يروج القادمون من الزعماء .. ان ماروجوا اليه هو لبضاعتهم حسب . فحماة الطوائف , وحماة حقوق الطوائف مقسِّين لاموحِدين , والقسمة بلاء , نتائجهُ القاتلة , أبلغُ من نتائج القاتل السابق , الذي هو الا قناع , يتدلى من خيط واحد . فقد حصدت الطوائف العراقية من زعمائها, من مشاهد القتل والترويع , مالم تراه في زمن القائد المقتول , فالشعب العاقل لايريد ان يتصارع في سلة أزبال مع قناع أهمله التاريخ فيه , ولا يريد ان يمد رأسه في سلال تدوير أزبال التاريخ المفعمة بأمونيا عنف البيت العربي من خزاعة , الى انقسام قريش . وكأن العراق وشعبه , الجمل الذي يجتر صراعات عرب الجزيرة الذين غسلوا ذاكرتهم المعاصرة باكسير البترول , واجتازوا رمال صحاريهم بسيارات الدفع الرباعي , ففي الخليج يجري الحديث عن دبي المنورة , بؤرة مولات العالم . وفي العراق الجديد , ينقب الساسة في جزيرة خارج حدود دولتهم عن عظام لقاتل ومقتول , فتُنتَج الدراما ليكون القاتل عراقي والمقتول أخاه . قالت إمرأة من الجنوب وبلهجتها الدارجة ( لو باقين على بنيان قبل , أحسن ) العراقيون يسعون لنيل الحرية . و التمكين من وسائل التعبير عن هذه الحرية . والثقافةُ , وبضمنها السينما , اعظم تلك الوسائل . أن وحش السينما , مثل طائر الفينيق , يخرج من رماد الدكتاتوريات , لكن فصول العشر سنوات الاولى من التغيير تشبه قرونا من المعاناة . نُصِبت في العراق ( في زمن اراده العراقيون مفصلا موحدا لانطلاق الارادة ,) العشرات من مكائن انتاج الرعب والترويع , وامتصت بقعة هذا البلد مختلف وسائل الاجهاز على الحياة. كان المواطن يدفع حياته ثمنا للخروج الى الشارع . فيما يتقاضى السياسي لذلك , رواتب خرافية. في هذه المرحلة التي اصبح العراق فيها آتونا عالميا لتجارة وصناعة وزراعة الموت . بات موطنا للقبعات المرسلة ( الأس أنجيات ) S.N.GS . وانتشرت انظمة تصوير D.V.CAM . إزدهرت صناعة الاعلام . دربت الBBC, وشركات تدريب أخرى الالوف من الشباب في عمان لتغذية سوق الاعلام , وحاجة مكاتب الفضائيات الى مصورين ومراسلين ومونتيرية . شراهة الاعلام المفتوحة لجحيم هذا البلد , زودت الشباب عرضيا بالآلة , وماداموا هم شهود التجربة . ومادام عصر الدجتال قد أناب عن السيليلوز جزئيا . ومادام بامكان السينمائي ان يتنفس الصورة من شريط مغناطيسي , ومادام هنا سوق للحدث , فإن الشباب الحالمين بالسينما في عراق ما بعد 2003 سبقوا المؤسسة في التفكير بالانتاج. المؤسسة التابعة الى وزارة فارغة مشطورة بمشرط طائفي .المؤسسة الحلم , التي يمشي على رفاتها الساسة المتصارعون بالناس ,بأفكار ٍ من ورقٍ مهتريء , وكأننا أمام مشاهد اللامعقول التي جابه بها المسرح الفرنسي واقعاً منطقه الطبيعي اللامنطق . . حيث تتحول الحياة في هذا البلد الى بانوراما ماضوية , لملاحم انتهت في التاريخ . ففي رؤوس زعماء الطوائف حاضر يقطعونه عن عقدة الماضي القريب ويوصلونه قسراً بكل عقد الماضي البعيد . حاضر لايعبأ بالغد لانه ملفوف متكور , ففي بغداد ( التغيير ) خلفية بانورامية لملاحم الدماء والوقائع واتفاقيات الصلح المنقوضة . العراق انتقل من بلد يقاتل دفاعا عن العروبة , الى بلد منفّذ لفتن الأزمان السحيقة . فالذين جاؤوا ليسوا بناة بلدان , وانما حفاروا ازمنة ,مهماتهم التفتيش في المنعطفات السحيقة عن عقد ماضوية , وسحبها من لحم التاريخ ,عظمة عظمة . في ليالي سقوط الطغات المتكررين على بغداد , تُستباحُ بغداد . فكانت موحشة الا من مشاهد الدمار والجثث والكلاب السائبة . في هذا الوقت كانت احلام محمد الدراجي وهو يلاحق مجانين بغداد الفارين من المصحات الحكومية بكاميرا وثقت المشاهد اللاسعة حيث أبخرة الكوكب المحترق وصورة الموت الذي يواجه عدسة المجانين الحالمين بصناعة فيلم . كان الشباب السينمائيون العراقيون من صنف عراقيوا الخارج يعدون هجماتهم من خارج الحدود , بتمويلات مهدتها شركات انتاج اوربية . لكن في عراق الداخل العشرات من محمد الدراجي وعدي رشيد وعامر علوان ,لكنهم لم يلاقوا العالم . لم يلاقوا اللحظة المتحررة المنفلتة من عقال الماضي . لكن في مدن الشمال . ومن حسن حظ هذا البلد شعب من قومية أخرى .ففي الشمال الكوردي لم تجري أية تمثلات ماضوية . نعم هناك تيارات اسلاموية . عاشت تجربة الحكم . لكن الهدف في المدن الثلاث , دهوك واربيل وسليمانية , هو الوطن والقومية . في مدن كردستان لم يزاول الشعب تلك اللعبة الغبية . لم يستعر الكوردي اي دور , لالقاتل , ولا لمقتول . ولم يكونوا حاضنة لأحد , والتجربة العراقية الواحدة لقوميتين عربية وكوردية اثبتت للتاريخ ان العراقيين العرب عالجوا ويعالجون قضاياهم السياسية والحضارية بالمعايير العشائرية . الثأر , أزمات الثقة , التوتر النفسي , الخوف من المستقبل , حتى الميليشيات المتصارعة في هذا الجزء, تاخذ طابعا عشائريا , رمز القوة , والغزوة , والاهزوجة .
الروح الوطنية البيور , الصافية لم توجد بعد في العراق العربي . الروح الوطنية تحتاج الى دربة مدنية تتخلص فيها من الابنية والمؤسسات البدائية الوسيطة . لا روح وطنية فيها الولاء لجهة او لأحد . لاروح وطنية صافية الى جوار الفساد الشامل في ادارة المال والسياسة . في العراق العربي جيش يحمي الشعب من نفسه على نفسه . المحمي عنه هو الشعب المسالم الذي بلا مؤثرات والمحمي منه هو المدجج بتوقيتات واسلحة قادة يشتركون في بناء الدولة . وكأن في العراق طواحين هواء أعد شعبه لمحاربة اذرعتها . اما في مدن الشمال المتصالحة مع نفسها في القومية والوطن فلايوجد في تقاطعات مدنها جندي واحد . في ذلك المكان من العراق . يزول خط الحزن والتوتر . هناك حيث يوجد للثقافة متسع , لايتسع لها العراق العربي الذي لايقبل قادته الجدد , حراكا للثقافة المتساوقة مع مفهوم العلمانية . وكأن برامج الصراع مع العلمانية في المدن الممتدة جنوب اربيل الى البصرة قد أطاحت بالثقافة . الجميع هنا في حيرة . تمدّن . أم إسلام سياسي يفقه في الاسلام أكثر مما يفقه في السياسة ؟
في مدن كردستان مساحة الكفر والايمان بالله لاتتقاطعان الا في مفهوم المواطنة وكأنها التقوى الوسط الموحدة للجميع . في تلك البقعة التي سبقت تكونها السياسي العراق باسره . كانت قد سبقت العراق العربي بصناعة اول فيلم عراقي كوردي طويل هو ( جيان ) , ومعناه بالعربية ( حياة ) وكانت حلبجة . اول منطقة عراقية يطأها فريق عملي سينمائي وكان رائدها المخرج جانو روزبياني مؤسس شركة ايفيني فيلمز . جانو هو ابن هوليود التقى المخرج يوسف شاهين عقب 2003 وجرى الحديث في صالة احدى المهرجانات عن كيفية اعادة تاهيل السينما العراقية واعادة بناء القواعد لها , اجاب شاهين , يجب البدء بالشباب , استفاد جانو من هذه النصيحة واقام على مدى عامين ورشتين سينمائيتين انظم اليها الشباب المتدربون من العرب والاكراد . في الدورة الاولى كان المدرب المخرج الكردي مهدي اوميد خريج الاتحاد السوفياتي السابق . وفي الثانية استدعى اليها مدربون من اميركا واوربا . ولهذين الورشتين اللتين تبعهما مهرجانين غذته نتاجات المتدربون , فضل الريادة , ريادة البناء طالما ان كلية ومعهد فنون الجميلة في بغداد لم يجري على مناهجها وبناها التحتية اي تغيير في زمن التغيير . يتشدق البعض ممن انتج باموال اوربية انه لاتوجد سينما عراقية . لكننا نقول ان تجارب المخرجين الكورد والعرب مضاف لها افلام الشباب هي السينما العراقية التي تسعى لبناء قاعدة صناعة جديدة , لكنها بحاجة الى نظام مشاركة معلوماتي قوي الى الغاء الذوات الانفصالية والانانيات . ليبتعد السينمائيون العراقيون عن مفهوم ان السينما في العراق يدحرجها رجل او رجلين . اي مجرب واي حالم واي محاول واي حافر بالصخر . واي معلم في هذا البلد للسينما ومروج لها يسهم في دحرجتها

المقال السابقوجاءت كندة بسبعة عشر رأساً
المقال التالىحوار المصالح .. وجني المنافع
فائز ناصر الكنعاني سيناريست عراقي انتج له العديد من المسلسلات العراقية واخرج له عدد من المخرجين منهم بسام الوردي , نبيل يوسف . د طارق الجبوري و جمال عبد جاسم وعزام صالح ومخرج سينمائي اخرج العديد من الافلام السينمائية القصيرة منها ( احلام الجواميس .....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد