المعاناة الإنسانية لأهلنا في الموصل


 

ما يجري في العراق ، منذ الإحتلال حتى اليوم، هو في الواقع نوع من أنواع التطهير العرقي و الإبادة الجماعية، بأشكال مختلفة و متنوعة، لعدد محدد و معروف من مكونات المجتمع العراقي، و ما يجري هناك يتم بشكل مخطط و منظم و مبرمج، تحت إشراف مباشر من إيران و قواتها و ميليشياتها و أذرعها و قادتها في العراق، و بأيدي عراقية طائفية خبيثة، و تحت أنظار و غض طرف أو موافقة و إتفاق من العديد من دول العالم الكبرى و العالم الغربي بشكل عام ..

و تحت هذه الأغطية، و تلك الشعارات، دمرت العديد من المدن العراقية و هجر ساكنيها، و قتل الآلاف و أحرقت و دمرت مئات من البيوت و الأراضي، لدينا الرمادي و الفلوجة، ديالى و تكريت، و غيرها، و كما يبدو الآن جاء دور مدينة ام الرماح، الموصل الحدباء، ثاني أكبر المدن العراقية، و تحت غطاء ما يسمونه تحريرها من داعش، بدأت العمليات العسكرية قبل يومين، و الله أعلم كم ستستمر، على الرغم من أن الجيش العراقي أعلن أنه يتقدم بشكل سريع و بشكل يتفوق على المبرمج و المخطط، و ما علينا إلا الإنتظار كالعادة لنتعرف على حجم الخسائر، و النتائج المتحققة، و حجم الدمار و المعاناة الإنسانية التي نتوقع أن تكون كبيرة جدا، بالأحرى ليس نحن من نتوقع بل الجهات المختصة و المنظمات المعنية في الأمم المتحدة هي التي أعلنت ذلك ..

واحدة من المؤشرات التي تمكننا من تخيل و تصور الأحداث و حجم المعانة، تصريح رسمي لمسؤولي الإغاثة و الأمم المتحدة، أنهم هيئوا خيم و مواقع لإستيعاب ما لا يزيد عن ٦٠٠٠٠ شخص من اللاجئين و المهجرين، بينما يتوقعون أن يصل العدد الحقيقي لهم إلى مليون شخص ، و هو ما يعادل ثلثي العدد الكلي المتبقي لسكان الموصل تقريبا، و هؤلاء ما عدا الخسائر البشرية من قتلى و جرحى ..

علما أن تقديرات الخبراء المختصين لعدد ما يسمونه بداعش ب ٥٠٠٠ إلى ١٠٠٠٠ شخص مسلح فقط، يقابله جيش جرار من عشرات الآلاف من المسلحين و الميليشيات الإيرانية و العراقية مدعومة بقوات جوية و أرضية أمريكية و غربية متنوعة، و لكم أن تتصوروا طبيعة هذا الصراع غير المتكافئ و نتيجته و آثاره و حجم ضحاياه من المدنيين بشكل خاص ..
و في تصريح لوزارة الخارجية الروسية بشأن الأوضاع في الموصل أبان الهجوم عليها، أن الموصل تواجه اليوم أزمة و ربما كارثة إنسانية نتيجة حجم العمليات العسكرية المتوقعة، مع وجود حوالي المليون و النصف من سكانها محاصرين في الداخل و ما بين القوات العديدة المتصارعة هناك ..

و في نفس السياق، صرحت ماريا زاخاروفا، المتحدثة بأسم وزارة الخارجية الروسية يوم أمس الثلاثاء، أن الموصل ستكون ” أرضا محروقة “ ، و أضافت أننا نقترب من حصول كارثة حقيقية في الموصل، و تساءلت إن كان أحد من المسؤولين في العراق أو الجهات المتحاربة أو المنظمات الدولية قد تساءل و ناقش، أين سيتجه النازحون، و بأي أعداد و من سيستطيع إستضافتهم، في الوقت التي ستكون فيها الأرض محروقة هناك، و نحن نعرف من الذي أحرقها، حسب قول زاخاروفا ..

و أضافت، من سيأخذ على عاتقه مسؤولية السكان المدنيين الذين سينجون، ممن سيرغبون بمغادرة تلك الأماكن أو يجبرون على المغادرة، أين يمكن إستضافتهم، و من سيتمكن من إيوائهم و إطعامهم و تقديم العلاج لهم، هل أخذ أحد ذلك بنظر الإعتبار، طبعا الجواب كلا ..؟؟!!

و في تقرير لمكتب المنسق العام للأوضاع الإنسانية في العراق التابع للأمم المتحدة، صدر مع بداية العمليات العسكرية في الموصل، يشير أن المكتب قد رفع من مستوى حالة الطوارئ في العراق إلى الدرجة الثالثة، و بين المكتب أنه يشعر بالقلق العميق إزاء إشتداد القتال و العواقب الإنسانية المحتملة لسكان الموصل المحاصرين هناك ..

و بين المكتب، أنه كان هناك توقع و إستعداد بشكل ما لهذه المعارك منذ أكثر من ستة أشهر، و تشير تقديراته إمكانية تضرر ما بين ١.٢ – ١.٥ مليون شخص نتيجة هذه العمليات، و أن المدنيين هناك يواجهون العديد من التهديدات منها تبادل إطلاق النار و هجمات القناصة و العبوات الناسفة و المتفجرات من مخلفات الحرب، كما أن هناك مخاطر و توقعات و خشية من إخراج عشرات الآلاف من السكان بالقوة، أو محاصرتهم بين خطوط القتال، أو وقوعهم في حصار طويل أو أن يتم إستخدامهم كدروع بشرية ..

كما أكد المكتب أن هناك إحتمالات كبيرة لهروب عدد مهم من سكان المدينة المحاصرة، و يتوقع أن ينزح ما يقارب من ٢٠٠ ألف نسمة خلال الأسابيع الأولى من العمليات، التي توقعت لها قيادة العمليات و قيادة الجانب الأمريكي منها، أن تستغرق حوالي الأشهر الثلاثة على الأقل، لكن مكتب التنسيق يشير إلي أسوأ السيناريوات المتوقعة و هو هجرة و تشريد ما يقارب المليون، و أن يحتاج حوالي ٧٠٠ ألف منهم إلى مأوى طوارئ، إضافة إلى ضرورة توفير طرق آمنة لهروب السكان المدنيين ..

و لنا أن نتوقع حجم هذه المأساة خاصة و نحن مقبلون على موسم الشتاء و الأمطار و الثلوج، و بكافة الأحوال لا نتوقع أن تكون الإستعدادات و لا الخدمات المقدمة أفضل من المآسي و الكوارث التي حاقت بأبناء الرمادي و الفلوجة و ديالى و تكريت و غيرها، التي واجهت نفس المصير خلال السنوات الماضية ..

طبعا كل هذه البرامج و التوقعات لا تدخل في حساباتها حملات الدهم و الإعتقالات و الإغتيالات التي يتوقعها كثيرون، خاصة من جانب قوات الأمن و الميليشيات العراقية الطائفية التي لا زالت تصر على دخولها للمدينة المحاصرة و مشاركتها هذه المعارك بالرغم من التطمينات من الجانبين العراقي و الأمريكي و التأكيدات على منعهم من ذلك ..

و يضيف تقرير مكتب التنسيق، أنه في كافة الأحوال، سيكون من الضروري للمدنيين الفارين من الموصل عبور خطوط الصراع للوصول إلى نقطة التجمع المحددة، و بعد الوصول إلى هناك سيتم نقلهم إلى مواقع التدقيق الأمني و بعده إلى المخيمات و مواقع الطوارئ المحددة، و أنه في كل مرحلة من هذه التحركات ستحتاج الأسر الضعيفة المهجرة إلى المستوى الأول من المساعدات الضرورية الفورية المنقذة للحياة بما في ذلك المأوى و الغذاء و الرعاية الصحية و المياه و الصرف الصحي و النظافة الصحية ..

و يتوقع أن تكون هناك شحة و نقص كبير في توفير المواد و الإحتياجات و الخدمات الضرورية، خاصة و أن الظروف المحيطة لن تكون تحت السيطرة التامة، إضافة إلى إحتمال معاناة الكثير من المهجرين لحالات ضعف شديد أو صدمات نفسية حادة أو جروح و إصابات كبيرة مما يصعب من مهمة التعامل مع الموقف ..

و يبين التقرير معلومات صادمة عن حالة ” اللاجاهزية ” و النقص المتوقع في توفير الإحتياجات و الخدمات، و هذا ما يقربنا إلى حالة الفوضى بل و الكارثة المتوقعة التي أشارت إليها الناطقة الروسية، حيث يشير إلى أنه بتاريخ ١٦/١٠/٢٠١٦، تم تأكيد و تحديد ٢٧ مخيما و موقعا للطوارئ ، و يتوفر حاليا ما مجموعه ١٠٠١٤ مساحة سكنية لما يقارب من ٦٠٠٠٠ شخص ، فقط لا غير، و ” من المقرر ” تهيئة ٤١٧٤٤ قطعة أرض أخرى لحوالي ربع مليون مهجر و نازح متوقع آخر، أو إنها ” قد ” تكون قيد الإنشاء الآن، و قد تم تحديد ثلاثة مخيمات في الجنوب و الجنوب الغربي من الموصل كمواقع ذات أولوية لمواجهة الموجة الأولى من النزوح ..

تصوروا، لا زلنا نتكلم بلغة التوقع و ال ” قد “، و العمليات قد بدأت الآن و هي مستمرة لثلاثة أشهر كما يتمناها القادة هناك ..

و أمام ما يقارب من المليون مهجر يتوقع نزوحهم خلال هذه العمليات، يشير تقرير مكتب التنسيق إلى أن المساعدات الجاهزة الآن للتوزيع من خلال نقاط التوزيع و مواقع التخزين، هي فقط لا غير، عبارة عن، ٥٩٨٠٠ خيمة، و حصص غذائية جاهزة للأكل لمدة ثلاثة أيام فقط لعدد ٢٢٠٠٠٠ أسرة فقط، ، ٤٢١٠٠ مجموعة من الأدوات المنزلية الضرورية، و ٣٥٠٠٠ مجموعة من لوازم فصل الشتاء، و ٢٤٠ طن من الأدوية، و ٤٢٥٠٠ مجموعة من مستلزمات النظافة الأسرية ..

للأسف هذه الأرقام و المعلومات تدلنا فعلا إلى كارثة متوقعة، إنسانية و بشرية، على مختلف الأصعدة، هذا في حالة تطور الأمور بشكل طبيعي و حسب المخطط و التوقعات، لكنه و كأي حرب و ظروف طارئة يتوقع أن تكون كثيرا من الأمور، و مع الأسف الشديد مرة أخرى، خارج التوقعات و خلافا للمخطط و المبرمج ..

و كما يقال أول الغيث قطرة، فقد أشارت التقارير الإخبارية أن مئات من المهجرين و النازحين من الموصل إضطروا لدخول الحدود السورية هربا من القتال و الصراع، و لا يعرف كيف سيكون مصيرهم هناك في الوقت التي تعاني سوريا نفسها و في كثير من مدنها من قتال داخلي و حرب برية و جوية ..

كما أشارت أحدى التقارير الصحفية العراقية إلى أنه في حالات كثيرة لوحظ تقصد توجيه الضربات الجوية أو العسكرية البرية إلى تجمعات المدنيين و الخدمات المتنوعة المقدمة لهم، و أنه لا يتم مراعاة توفير ممرات آمنة للمدنيين تساعدهم على الهرب و النزوح من مناطق القتال، و أن الضربات الجوية تتم بشكل عشوائي شبه مقصود لإلحاق مزيد من الخسائر بالمدنيين ..

حيث أشار أحد التقارير إلى أن طائرات التحالف قد قصفت المركز الصحي في منطقة حمام العليل، و يشير تقرير آخر لقصف أح الجسور المدنية في المدينة، مما أدى إلى حصول خسائر بين المدنيين، و هذا ما دعا رئيس الوزراء العراقي العبادي لأن يظهر في مؤتمر صحفي لينفي عنه و عن الجيش العراقي و التحالف مثل هذه التهم، و يؤكد حرصهم على توجيه الضربات الجوية بدقة إلى أهدافها، و حرصهم على توفير ممرات آمنة لنزوح و هروب المدنيين إلى مناطق أكثر أمنا، علما أن أحد الأفلام التي يتم تداولها على صفحات التواصل الإجتماعي الآن تبين تقصد القادة العسكريين توجيه الضربات الجوية و إبادة الموجودين حتى لو كانوا من ألاطفال ..

أخيرا، قلوبنا تقطر و تنزف دما ألما، عيوننا تدمع حزنا، و جباهنا تتعرق خجلا و أسى، و نحن نتابع ما يجري في العراق منذ الإحتلال و حتى اليوم، و في العديد من المدن، و ما يجري اليوم في أم الربيعين، و نرفع دعاءنا لله تعالى أن يحفظ الموصل و أهلها الطيبين، و أن يحميهم و يحفظهم، و أن يبعدهم عن كل شر و مكروه، و أن يدحر الفاسدين و الظالمين و المجرمين و أن ينزل عليهم جام غضبه و سخطه، إنه سميع مجيب ..

لا تعليقات

اترك رد