مشــاهد لمسـرح بائد غير قابلة للتصدير …


 

في زمن ولى ، كان اللهاث فيه على أشده من اجل تأمين لقمة العيش.. اقيمت مقهى شعبية لصق جدار مسرح سميت باسمه. المسرح يقدم عروضا مسرحية على مدى طويل من الليالي التي باتت بديلا عن الليالي الحمراء في الكابريهات التي أغلقتها الحكومة آنذاك استنادا لزعمها بانتهاج حملة إيمانية

كانت المقهى تغلق أبوابها عند الظهيرة ، لتحتضن خلف الأبواب فريق عمل من روادها كي يجري تمارين يومية على عرض مسرحي يتطلع إلى ليال (محسنة ) ، لتوفرها على وعي ( رصين ) رغم انه يهدف إلى تقاطع أهدافه مع المسرح الجاد ، ذلك لأن كاتب النص المسرحي أديب يحترم قلمه والمخرج المرشح له إسهامات في المسرح الجاد دعته لاختيار ممثلة عملت لديه في أكثر من عرض في هذا الصنف ( الجاد ) بعد أن أغراها بالتنصل عن بطولة المسرحيات الجادة التي تستدعي اشهرا لانتظار بدء التمرينات واشهرا أخرى في خوض تلك التمرينات وصولا إلى عرض لم يدم أكثر من ليلتين مع جمهور لا يتسع لأكثر من نخبة ومكافأة لم تسد حاجتها لدهان وجه واحمر شفاه

لن يحول إحكام غلق الأبواب دون نفاذ عين زائغة راحت تراقب التمرين الذي يجري على قدم وساق وتتنبأ بفشل عرض المسرحية في حالة تقديمها على وفق ذلك التمرين .. لا لشيء إلاّ لأن أ يا من العاملين في تمثيل المسرحية لا يجيد صناعة القفشات والفرفشات

ذو العين الزائغة كان محقا .. فلا شيء ( أثمن ) من القفشات والفرفشات التي لا يقوى المخرج على صناعتها لابتلائه بسلطة الجاد ، رغم انه راح يغير في النص لكي يبعده عن التعبيرات المثقفة والمشتقة من لغة المؤلف القصصية وصولا إلى مفردات شعبية متداولة ، لكنها لم تنقذ العرض من الجدية التي اتاحت للمتلقي حالة من التذمر والاحتجاج فراح يزعق مطالبا بتغيير اللوحات ” المشاهد ” التي اكتظ العرض بها عند افتتاحه والمرسومة بطريقة تخلو مما ذكرناه من عالم القفشات والفرفشات
حين وردت إشارة من متلق نابه إلى إذن مدير المسرح الذي كان يدير العرض من خلف الكواليس.. تحول العرض بكل مقوماته إلى مجرد وصلات غنائية راقصة تراجعت عندها البطلة “زميلة المخرج ” إلى الخلف لكي تتيح الفرصة الذهبية للممثلات الثانويات في إبراز قدرات أجسادهن الممشوقة وأصواتهن المبحوحة ، لتقترن سواهي هؤلاء الممثلات بدواهي المنتج الذي صافحهن مباركا لعابه الذي سال أمام شباك التذاكر

لقد نجحن بالفعل في إنقاذ ما يمكن إنقاذه بابتكار حالات من الترفيه عبر لوحــــات من” الهز” كسرت إيقاع مشاهد التمثيل الجادة التي تتقاطع تماما مع مواصفات ” التجاري ”

لكن المنتج لم يأبه باحتجاج البطلة على مسخ دورها ” المحترم ” في المسرحية وسـرقة مشاهدها ” الرصينة ” في عز الظهيرة ، وبامتعاض المخرج الذي اختفى أثناء العرض بين الجمهور دون أن يعلم به احد ، بعد تجرعه الندم على الليالي التي سهر فيها متخيلا بنية عرض كوميدي يقاطع سذاجة المتلقي ويرتفع بذائقته إلى حالة من السمو ، فما كان عليه غير أن يخطو بتخاذل مغادرا القاعة قبل ” هزة الختام ” التي أكدت بأن الندم كان على نشاز لا يستدعي فيه إعادة الكرة مرة أخرى حتى لو انتظر سنوات فرصته القادمة في المسرح الجاد ، ذلك المسرح الذي تحولت عروضه اليوم إلى عروض للظهيرة لا يتلقاها غير الشجعان المتجاوزين مخاطر العبوات الناسفة والمفخخات عند تجوالهم في شوارع بغداد وصولا لتلقي عروض يعد جمهورها على أصابع اليد
بينما تسلل فرسان المسرح التجاري بفرفشاتهم وقفشاتهم إلى شاشات الفضائيات المستحدثة مستهدفين التواصل في تخريب الذوق العام ، مثلما فر البعض منهم خارج الحدود محاولين استعادة ” أمجادهم” على مسارح عربية لا يسيئون فيها إلى رونق مسرحنا فقط إنما يعبثون بسمعة بلدهم .. العراق
رحم الله صديقي المخرج السينمائي الذي يعتد بإنجازه الروائي والتسجيلي على السواء .. يوما ما ، في مقاومته الحصار أقام قرب بيته “جنبرا ” لبيع الموطا 0 ربما مات قهرا في منفاه لأنه لم يتمكن من إقامة مثل ذلك ” الجنبر ”
لقد كان صديقي في موته كما في حياته 00 شريفا

المقال السابقالمعاناة الإنسانية لأهلنا في الموصل
المقال التالىالموصل اخر المعارك
عبد الحسين ماهود مؤلف ومخرج وناقد مسرحي يكتب سيناريو الفيلم التسجيلي والروائي القصير والطويل.. يكتب القصة والقصيدة الشعرية. صدرت له سبعة كتب عن دور نشر مختلفة وتتضمن نصوصه المسرحية والسينمائية. فاز بالعديد من جوائز الابداع في التاليف المسرحي والسينمائي والاخراج المسرحي....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد