د. عبد الحسين شعبان: اوراق خيرية المنصور وشجرة يوسف شاهين


 

تستعيد خيرية المنصور في أوراقها صورة الزمن الذي مضى، لكنها لا تريد له أن يمضي، إنها مسكونة به، بل هو حاضر فيها، ومتغلغل في كل تفاصيل حياتها التي تنبض فنّاً وإبداعاً وجمالاً. لم يكتشفها يوسف شاهين “جو” كما تسمّيه وكما يناديه أصدقاؤه، بل أنها اكتشفت نفسها معه، وتروي تفاصيل إنسانية وانفعالية حياتية تتدفق بها ذاكرتها للمكان والزمان، مثل نبع فيّاض.

لعل “الأحلام هي الحقيقة الوحيدة” كما كان يردد المخرج الإيطالي فريدريكو فيلليني، وقد ترك لنا أحلاماً كثيرة موزّعة بين أفلامه، كتراث غني للعقل والخيال في آن، وكانت الأحلام هاجساً دائماً لخيرية المنصور في رحلتها مع الفن السابع، بل عنواناً لحياتها كلّها.

عندما زار يوسف شاهين العراق كانت خيرية المنصور لا تزال خريجة حديثة من أكاديمية الفنون الجميلة، لكنها امتلكت الجرأة لتتحدث معه عن فيلم العصفور وعن مدرسته السينمائية النقدية الوضعية، ذات الملمح الانساني، العابر للطائفية والتعصب، والذي جعل فيها مصر الطيبة، المقهورة، الرافضة “بهيّة” الزمان. شعر الفنان الكبير وهو يقضي يوماً كاملاً في الصحراء، أنه أمام شابة واعدة، فخاطب المخرج توفيق صالح:عايز البنت دي تشتغل معاي مساعدة! وهكذا جاءت إلى قاهرة ” المعز”.

انخرطت خيرية المنصور في مدرسة يوسف شاهين تلك التي جمعت الصراع البصري (الصورة) والحركي، (الراقص) والصوتي (الموسيقا) والديالوغي(الحواري) كلها في هارموني جدلي متناسق ومتعدّد ومتنوّع، كما هي الحياة ذاتها، ولعل هذا مثل روح كتابها ” شرنقة شاهين الحريرية المعرفية” الذي حاولت تعشيق دجلة والفرات مع النيل العظيم، في رحلة ممتعة لقامة شامخة وشجرة باسقة، هي أقرب إلى حكاية درامية، بل إنها سينما الحياة بكل عنفوانها وصخبها، وفي كل ذلك فضاء حرّ في الصدق والمعرفة وحب الحياة والفن.

وإذا كان اليونان القدماء (الإغريق) هم من صنّف الفنون الستة المعتبرة عندهم وهي : العمارة والموسيقا والرسم والنحت والشعر والرقص، فإن من استخدم مصطلح الفن السابع هو الناقد الفرنسي- الإيطالي الأصل ريتشيوتو كانودو، الذي وجد فيه تكثيفاً للكورال السداسي، وهو ما عبّرت عنه خيرية المنصور: السينما تتويج لجميع فنون الحياة وأحلامها!

عبد الحسين شعبان
كاتب ومفكر

2 تعليقات

  1. مبدعة دون شك – تلك المخلوقة الانسانية بمعنى الكلمة الحيوية التي تتشبث بها بشكل تلقائي كما الماء ، انها العراقية الأكاديمية المخرجة المبدعة الكبيرة ( خيرية المنصور ) التي تتنكب هموم المجتمع والبلاد ، وتحاول ان تصنع صورة زاهية للحركة في الطريق بشكل عذب وروحاني – واذا كانت هذه المبدعة تتمسك وتستعيد عبر ” اوراقها صورة الزمن الذي مضى ” فهذا لأنها موضوعية مثل ذلك النحات الذي صبر وتأمل وأكمل منحوتته الزاهية ، بطريقة تجلّى فيها التعب والعمل النبيل . فمن مثل هكذا مبدعات تنهض الفكرة السديدة ، ومنهنَّ يسمو الابداع والعطاء – ولهذه المبدعة الكبيرة دوما مقام التبجل والثناء.

  2. أهلا بكم جميعا،
    ما شاء الله فن وثقافة وإبداع وهمة وإرادة كبيرة لدى الدكتورة خيرية المنصور

اترك رد