أطفال المسلمين أم محرقة اليهود


 

في متابعة سريعة لكل ما يجري من أحداث عسكرية وسياسية على الساحة العربية والإسلامية ، نجد أن الكثير من المجندين في الجيوش العربية والإسلامية النظامية وغير النظامية ومن قوى المعارضة يستخدمون الصبية لا كدروع إنسانية فقط ضد الهجمات المعاكسة بل كقوى فاعلة تحمل السلاح بجميع أنواعه لكنها لا ترتدي خوذاً ولا دروعاً بل يُنظر إليهم كمادة قتالية فاعلة لسرعة حركتها ولإجورها الزهيدة وقلة تكلفتها والتي بضمنها نوع وكمية الألبسة والأطعمة ، كما أنهم يُستخدموا لشدة طاعتهم وخوفهم من القادة العسكريين أو التنظيم المعارض .

إن من يحدق في وجوه هؤلاء الصبية لا يجد فيهم رجالاً مقاتلين بل أطفالاً ذوي نظرات خائفة تقول للكامرة ولمن ورائها إن كنت نبيلاً بما يكفي فساعدني ، وإن كنت قوياً بما يكفي فإنتشلني . لكن ما يحيط بهؤلاء هو أتربة متصاعدة ودخان وليس هناك من يسمع ويرى . إن الإعلام العربي يلهث وراء الأخبار السريعة والمثيرة وليس لديه الوقت للدخول بالتفصيلات ، وهو يعلم من له الحق ومن عليه لكنه لا يستطيع أن يضع الحلول ، فما تحت الإعلام العربي بناء هش وليس صلد وتكفي نفخة واحدة من حاكم أو مسؤول لكي يتهاوى على بعضه .

إن الغريب في الأمر أن الكثير من القوى المعارضة في العالم العربي والإسلامي ترفع شعارات قيمية براقة لكنها تهرب من تطبيقها وتجعلها ضبابية على أرض الواقع ، ولم يعد واضحاً من له الحق ومن عليه ، الجيش الأفغاني مثلاِ أم المعارضة ، الجيش السوداني أم المعارضة ، الجيش السوري أم المعارضة ، الجيش العراقي أم معارضوه ، فكل يرفع أعظم القيم وأنبلها لكن رجل الشارع يرى العكس دائماً ، فالكل متشابه في عدوانيته وقسوته ، والكل لا يفضح عدد قتلاه ويبحث عن قتلى معارضيه ، وتحتوي صحارينا الجثث المترامية وعجباً أنك تجد أن الكثير منهم لا زالوا صبية بين ١٤ – ١٦ ، والأعجب أيضاً أن الكل كافر برأي الآخر ، والكل يبحث في شوارع بغداد ودمشق وصنعاء وبنغازي عن صبية تائهين متضورين يُلوّح لهم بالخبز والحلوى وأحاديث كاذبة باطنها مر وظاهرها حلو ، فتدمع عيون هؤلاء الصبية والكثير منهم أيتام ليهرولوا وراء الأحذية العسكرية الثقيلة .

إن الكثير من الأطفال والصبية يخرجون من تحت الأنقاض مصابين بالرعب والخبل من قسوة البالغين . تستخدمهم وسائل الإعلام التابعة للقوى المتقاتلة فيتهم بعضهم بعضاً ويشوه صور بعضهم بعضاً بصور هؤلاء الأطفال يتقاذفونهم يميناً ويساراً لغرض الفوز الإعلامي ولكسب الرأي العام المحلي والعالمي ، أما من يقترب من هؤلاء الأطفال فسيسمعهم يشتمون الكل لأنهم يسلبون منه الحياة والفرح الطفولي والذهاب اليومي إلى المدرسة واللعب تحت أشجار النخيل والزيتون وأغصان الياسمين .

لم تكن محرقة اليهود لأغراض عرقية أو دينية فحسب بل كانت أيضاً لأغراض سياسية وأقتصادية جعلها هتلر حلاً لأزماته . لكن محرقة الأطفال العرب والمسلمين لا هدف لها ولا واعز ولا فائدة منها فهذه الشريحة من شرائح المجتمع غير مهيئة لا للهدم ولا للبناء لأنها بذاتها في طور البناء ولم تكتمل بعد قدراتها الجسدية والعقلية ، فهي محتاجة لمن يمدها بنسغ الحياة بالغذاء الصحي وبالتعليم وبالقدوة وبالتغذية الروحية والإنسانية المستمرة ، أما عملية تحويل هذا الطفل إلى رجل من خلال وضعه في المصانع العسكرية فهي جريمة إنسانية فهو مقتول قبل أن يكون قاتلاً ، وهو من يموت على قارعة الطريق في أحياء حلب أو بغداد أو الموصل أو صنعاء . وفي هذه الحال نحن أمة لا تستحق أن يولد لها طفل ، وما دام هؤلاء هم ليسوا نور الأمة وإمتدادها ومستقبلها ، وقد حكمت هذه الأمة على نفسها أن تكون بلا مستقبل حين تضع أطفالها في المحرقة ليُضيئ فنارها وهو لن يضيئ حتماً إلا قليلا .

لا تعليقات

اترك رد