ليبيا.. نحو الانقسام أم الاستقرار؟

 

ليبيا كغيرها من دول المنطقة تأثرت بردات فعل موجة الانتفاضات العربية التي بدأت في عام 2011، لكنها كانت سباقة في رسم خريطة جديدة للصراع السياسي والعسكري الذي ظهر على السطح ووصل صداه إلى الداخل الأوروبي الذي انتفض لحماية حدوده البحرية، ناهيك على تأثير الأزمة على دول الجوار على رأسهم مصر وتونس، ما جعل القضية الليبية محط اجتماعات ونقاشات دولية وإقليمية من قبل الفاعلين الدوليين والمحليين.
وهنا يصعب أن أرجع بالقارئ إلى بداية الانتفاضة الليبية في 17 فبراير 2011، فقد طرأ على البلاد عديدا من الأزمات، لكن دعني أبدأ الحديث عن البداية الحقيقية لأزمة ليبيا، وما تبعها من حالة ضبابية شديدة للمشهد، وصولا إلى رؤية للخروج من النفق المظلم والوصول إلى دولة مؤسسية لاتؤرق جارتها العربية أو الأوروبية.

في السادس من شهر نوفمبر 2014، كانت البداية الحقيقية لحالة الانقسام وتعقد الأزمة الليبية، وهو تاريخ قرار الدائرة الدستورية في المحكمة العليا ببطلان انتخابات مجلس النواب الليبي، ومن ثم عودة المؤتمر الطني العام السابق إلى المشهد كجهة تشريعية، ومنذ هذا اليوم والصراع محتدم وعلى أشده، ولا زال النزاع حول الشرعية بين البرلمان المنعقد في مدينة طبرق (مدينة ساحلية في الشرق وتبعد عن العاصمة طرابلس 1500 كيلو) وبين المؤتمر المنعقد في طرابلس(العاصمة) حديث الساعة.
أزمة “ثنائيات”

الصراع هنا لم يقف عند حدود السياسة والمحاكم، لكن صوت “الكلاشينكوف” وصدى الدبابات تحدث أيضا، وظهرت بقوة أزمة “الثنائيات”، فأصبح في البلاد: جهتين تشريعيتين: البرلمان “المنحل” والمؤتمر “المنقضي مدته”، وبعدها أصبح هناك حكومتين: حكومة في الشرق “تابعة للبرلمان”، وأخرى في الغرب “تابعة للمؤتمر”، وحتى المؤسسة العسكرية انقسمت إلى رئئاستي أركان، إحداها في الغرب يقودها اللواء عبد السلام جادالله، واخرى في الشرق تولى قيادتها في البداية اللواء خليفة حفتر.
وتبع الانقسام المؤسسي انقسام شعبي، وأصبح الداخل الليبي في حالة صراع لم يخفت، وبدات المعارك التي كادت أن تصل إلى حرب أهلية مكتملة الأركان، وضاعت هيبة الدولة، وترقب المجتمع الدولي –كعادته- من سينتصر حتى يدعمه، وعندما طالت الحرب لجأ الجميع إلى هدنة “حوارية” من أجل التفاوض على تقسيم الغنائم، وهنا بدأ ماراثون الحوار الوطني الذي تولت بعثة الأمم المتحدة رعايته.

في قفزة كبيرة وسريعة انتقل بك عزيزي اقارئ إلى مدينة الصخيرات المغربية وتحديدا في يوم 17 ديسمبر 2015، وهو يوم توقيع أطراف النزاع الليبي والفاعليين الحقيقيين على اتفاق سياسي يلزم الجميع بالهدوء وضبط النفس ويحدد شكل الدولة ومؤسساتها ومنها حكومة وفاق وطني ترأسها بعد مداولات عدة المهندس فائز السراج، ليشكل بعدها مجلس رئاسي ومجلس أعلى للدولة.

واحتفل الليبيون، ساسة وعامة، بالاتفاق، واعتبروه بداية نقطة النور في نفق الصراع القاتم، لكن يبدو أنه كان مجرد “استراحة محارب”، ومناورة لالتقاط الأنفاس لتعود أصوات الرصاص لتسيطر على المشهد، ويظهر تنظيم الدولة “داعش” ويعلن الخلافة في مدينة درنة، ويذبح عمال مصريين، وهنا بدأت الأزمة تنتقل إقليميا إلى مصر.

بعد الاتفاق السياسي ومخرجاته من حكومة وفاق ومجلس أعلى للدولة وبلديات منتخبة، ظهرت ليبيا كدولة مؤسسات وبدأ العالم يتحدث عن عودة العلاقات والسفارات، وعن صفقات النفط (في هذا التوقيت كان تصدير النفط متوقف لسيطرة مجموعة مسلحة بقيادة إبراهيم الجضران على الهلال النفطي ومنع تصدره)، واستبشر الأوروبيون بحالة الهدوء، وبدأ دعم الحكومة دوليا، ومن ثم يمكننا تسمية هذه الفترة (17 ديسمبر 2015 حتى 14 أكتوبر 2016) مرحلة وجود ليبيا الدولة على الخريطة الاقليمية والدولية.
لكن سرعان، وكالعادة، أن تظهر أزمة جديدة لتقضي على أحلام الموقعين على الاتفاق ومعهم الأوروبيين ودول الجوار، بعدما أعلن المؤتمر الوطني العام السابق عودته إلى ممارسة مهامه، وإبطال الاتفاق السياسي، وطرد مجلس الدولة من مقاره في طرابلس وإعلانه عن تشكيل حكومة جديدة ورفضه لحكومة السراج ومخرجات الاتفاق برمته، لتعود ليبيا الثورة إلى نقطة الصفر وتبدأ رحلتها مع أزمات سياسية وعسكرية جديدة..
ويظل الرهان الأوحد بعد جولات وصولات مكوكية لكل أطراف النزاع، الحل في أيدي الليبيين وفقط، مع مراعاة البعد القبلي والمناطقي وبرؤية مختصر (أزمة ليبيا تحل في قعدة عرب لكبار القبائل، ومن ثم تنتقل الحلول إلى أروقة السياسيين والذين هم أبناء هذه القبائل وهي من تسيرهم وتتحكم في قراراتهم)، ووقتها يمكن للمجتمع الدولي والفاعليين الاقليميين استكمال الطريق.

المقال السابقالزقنبوت
المقال التالىهل بدأت طبول الحرب العالمية تقرع في الموصل ؟؟؟
كاتب صحفي مصري، وباحث سياسي مهتم بقضايا الشرق الأوسط وعلاقتها بالفاعلين الدوليين، دراسات عليا في المفاوضات الدولية، كلية اقتصاد وعلوم سياسية، جامعة القاهرة، متخصص في الشؤون العربية والدولية، له عدة دراسات حول ملف المغرب العربي وخاصة الملف الليبي، رئيس لجنة العلاقات الدولية بالنقابة العامة للعاملين ب....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد