مستقبل المملكة العربية السعودية ،،

 

Kingdom Coming
Saudi Arabia’s Economic Road Ahead
By : Nicholas Krohley and Luke Bencie
Foreign Affairs – October 12 , 2016

منذ احداث الحادي عشر من سبتمبر ظهرت على مستويات مختلفة في وسائل الاعلام ومنتجات مراكز التفكير والجامعات موجة من العداء للمملكة العربية السعودية ملفتة للنظر . هذه الموجة اخذت في بعض الأحيان قدراً من الحدة والعداء ملفتة للنظر اخذاً بالاعتبار ان المملكة هي حليف تقليدي للولايات المتحدة وان التحقيقات التي اجريت بصدد احداث سبتمبر لم تثبت وجود آية صلة مؤسسية او لمسؤولين على مستوى عالٍ بتلك الأحداث ، كما جاء الحدث الأخير والمتمثل بإصدار قانون “جاستا ” الامريكي ليضيف للنار حطباً رغم اعلان أعضاء كبار من الكونغرس الامريكي ممن صوتوا على القانون انه قانون لم يحظ بالقراءة الكافية وان الدافع لإقراره ، بعد مكوث دام سنتين في الكونغرس ، هي ظروف الحملة الانتخابية التي يمكن ان تظهر التصويت ضد القانون وكأنه اعتداء على حق المتضررين من أقارب وعوائل الضحايا .

مايهمني ليست المواقف الامريكية لأننا نفهمها ، ولكن ما لفت نظري هي الموجة التي انطلقت على السنة بعض ” محللي السياسة ” ممن يكتبون بالعربية ( بركاكة واضحة ) والذين اعتبروا قانون جاستا مقدمة ستقود حتماً ( وحتمياتهم في التحليل لا اخر لها )الى إفقار المملكة ثم إحالتها الى قبائل متنازعة او مناطق بتوجهات طائفية متناقضة ورسموا مستقبلا اسوداً لبلد اقل ما فيه انه عربي الارض واللسان والتاريخ ، وتحولت مقالات التحليل السياسي الى خطب عصماء جديرة بالالقاء في تجمع حماسي يعقد في طهران او في عاصمة عربية مما يفتخر ولايتي ان ايران تحتلها ، حيث لايتنبه الناس كثيراً لأخطاء النحو او التعبير فالمهم هو السياق الذي لابد ان يتضمن قدراً من الشتيمة بوسع ماتسمح به النوافذ التي يطلون منها . ولفت نظري ايضاً ان هذه اللغة المستخدمة قريبة في وتائرها ومضامينها من الصحافة الايرانية القريبة من المرشد والحرس الثوري الايرانيين ، مثل كيهان ، والتي ماتنفك منذ احداث اليمن تحديداً الى التذكير بان المملكة العربية السعودية لاتستحق اسم دولة فهي لملوم من القبائل والطوائف لايبقيها على حالها غير موارد النفط التي سَخَّر الباري عليها قانون جاستا الامريكي وما عادت القضية سوى قضية وقت .
لم يلحق بالعراق ضرر قد الضرر الذي ألحقتها به سياسات غير مدروسة تتسم بالانانية وقصر النظر مثل تلك التي اتبعتها المملكة العربية السعودية او خضوعاً لايليق من بعض أطراف أسرة الحكم فيها للارادة الأمريكية . هذه حقيقة ، ولكنها لن تعمي بصائرنا فنخلط بين نظام وخطاياه وبين وحدة شعب عربي وحقه في هويته العربية . في العراق نعرف اكثر من غيرنا معنى ضعف آية دولة في اقليم تجاورنا فيه قوى لا تخفي اطماعها فيه وفي غيره من الارض العربية ، ايران وتركيا وإسرائيل . ويكون حظنا النكد ان يسيء أشقاؤنا في المملكة العربية السعودية فهم واقع المنطقة هذا او ربما خضوعاً منهم لارادة اجنبية ، فيضحّوا بالعراق وقد كان الدرع الذي وقاهم على مدى عقود طويلة غوائل هذه القوى الطامعة ؛ دفع في ذلك ثمناً سيولاً من دماء ابناءه ومن قوت عياله ومن فرص تقدم نحو المستقبل .
باختصار فان بوصلة الانتماء العربي تشير الى اتجاه واحد : في آية مواجهة يكون احد طرفيها عربي ، نحن مع العربي دون سؤال .
في خضم موجة العداء التي نوهت عنها في المقدمة لفت نظري تحليل مختصر وشامل لواقع المملكة العربية السعودية وآفاق المستقبل وهو من اعدادً اثنين من كبار الخبراء بشؤون المتطقة العربية وقد نشر في مجلة فورين افيرز الامريكية الشهيرة التي يصدرها مجلس العلاقات الخارجية الامريكي رأيت ان في مشاركته الأصدقاء فائدة لايُستغنى عنها . التقرير لايتقدم صورة متفائلة او متشائمة ، بل يقدم تصوراً ذو طابع ستراتيجي عام مبني على خبرة الكاتبين بهذا النوع من الموضوعات في الشرق الأوسط ، كما ينتهي بنصيحة عامة لصانع القرار الامريكي بشان الموقف الذي ينبغي اتخاذه ازاء عملية تغيير شامل شرعت بها احدى اهم الدول في العالم الاسلامي .
لنتابعه ….
يبدو ان المملكة العربية السعودية تتجه نحو طريق جديد ؛ وما يحفز توجهها هذا هو التدهور الحاد في أسعار النفط وعلى مدى طويل . هذا التدهور في الأسعار أدى الى ظهور مشكلات عويصة فيما يتعلق بتأمين موارد كافية لموازنة البلاد بسبب اعتمادها على النفط كمورد أساس للموارد المالية ، وقد بلغ عجز الموازنة في العام ٢٠١٦ حوالى ٨٧ مليار دولار ؛ تصاحب هذه المشكلة قضية اخرى وهي نمو سكان المملكة بشكل سريع نسبياً حيث سيزداد عدد طالبي الوظائف بحوالي ستة ملايين طالب عمل خلال الخمس عشرة سنة القادمة ، لذا يمكن الاستنتاج بان النمو السكاني وليس تدني أسعار النفط فقط هو المحفز الأساس لمشروع التغيير الشامل الذي تبنته المملكة . هذا العامل يبدو من القوة بحيث لن تستطيع أسعار النفط ، حتى لو شهدت ارتفاعاً ملحوظاً ، ان تكون قادرة على استيعاب اثاره ؛ في المملكة تمثل الرواتب الحكومية مصدر الدخل الرئيسي لحوالي ٨٠٪‏ من الأسر فيها .
لقد بادرت الحكومة الى التصدي للمشكلة بعد تشخيصها والاعتراف بحقيقتها وتتمثل هذه المعالجة فيما اسمي برؤية ٢٠٣٠ وبرنامج التحول الوطني اللذان أعلنا بداية هذا العام . لقد أنيطت مهمة قيادة عملية التغيير الطموحة هذه بالأمير الشاب محمد بن سلمان ، ويفترض بهذه العملية ان تمثل عملية تحول شامل في الاقتصاد الوطني للبلاد خلال المستقبل المنظور .
هنالك عمليات تغيير جادة قد ظهرت بالفعل حيث تم اعتماد برنامج تقشفي شامل وتم تقليص الدعم الحكومي ، كما خفضت رواتب القطاع العام ؛ تجري كذلك دراسة برنامج محدود للضرائب ويتم العمل على إعطاء القطاع الخاص دفعات قوية . ان الهدف العام المعلن لبرنامج التغيير هو تحويل المملكة من اقتصاد رفاه قائم على النفط الى اقتصاد حيوي متنوع وقادر على المنافسة في مجالات واسعة النطاق من الاعمال ابتداءاً من القطاع المالي الى الصناعي والى السياحي . ان هذا النمو المنتظر للقطاع الخاص ليس من شانه ان يزيد من الدخل القومي والتنوع في القاعدة الاقتصادية ولكن ايضاً ، ولعل هذا هو الأهم من وجهة نظر اقتصادية – سياسية ، من شانه ان يوفر المزيد من فرص العمل لطالبي العمل بشكل واسع النطاق وأكثر من اي وقت مضى .
في هذا الوقت بالذات والذي تتعامل فيه السعودية مع مستقبلها فإنها تواجه سلسلة من المشاكل على المستوى الخارجي . هنالك حرب اليمن التي لاتبدو نهاية قريبة لها وهذه المشكلة في اليمن تزيد من تعقيدات العلاقات السعودية مع ايران والتي تشهد توترات على امتداد المنطقة ؛ هنالك الحرب السورية والصراع على الساحتين العراقية واللبنانية وتمتد آفاق هذا الصراع على النفوذ في المنطقة الى الميدان الدبلوماسي كما تتراجع العلاقات السعودية الامريكية .
في الداخل السعودي نفسه نجد ان المخاطر كبيرة ايضاً ؛ مايزال تنظيم القاعدة في الجزيرة العربية يشكل تهديداً كبيراً ويقوم مقاتلوا الحوثي بهجمات متكررة داخل البلاد . كذلك امتدت هجمات تنظيم الدولة الاسلامية الى المملكة من خلال سلسلة من الهجمات الانتحارية خلال شهر رمضان الماضي والتي استهدفت الأقلية الشيعية ؛ تشهد مدن المملكة ذات الغالبية الشيعية في شرقي البلاد اعمال عنف متقطعة وخاصة بعد اقدام السلطات على إعدام رجل الدين الشيعي نمر النمر مطلع هذا العام .
عندما ينظر المرء الى الصورة الشاملة لوضع المملكة في جوانبه الأمنية والاقتصادية فانه يمثل تحديداً جدياً بما فيه الكفاية . والواقع ان الموقف على قدر كبير من التعقيد خاصة وان الرابط بين الوضعين الاقتصادي والامني حتمي ولاينفصم وان ذلك لم يحظى بالاهتمام الكافي في السابق .
من الجانب الاخر فان هنالك أسباب للتفاؤل بشان الوضع الاقتصادي للبلاد . قد لاتؤدي رؤية ٢٠٣٠ الى تحقيق ماهو معلن من أهداف بالكامل ، ولكن البلاد صارت مهيئة لإجراء تغييرات اقتصادية جذرية وليست هنالك إشارة تدل على العودة الى الوراء ؛ هنالك ثلاثة عناصر قد اصبحت متوفرة : الموارد والضرورة الملحة ومَلَكَة الرؤية التي تجعل من اجراء التغييرات أمراً ممكناً . كما ان الحماسة الكبيرة التي يبثها ولي ولي العهد محمد بن سلمان وخاصة بين الشباب تحقق نجاحاً في حشد الرأي العام خلف الخطة .
التغييرات المنتظرة لن تشمل القطاع الاقتصادي لوحده ؛ الإصلاحات المنتظرة ستمتد الى النواحي الاجتماعية والثقافية وحتى السياسية . قد لا تكون هذه الإصلاحات ، والسياسية منها بوجه خاص ، على درجة كبيرة من الاستعجال او انها ستتم بشكل جذري كاسح ، ولكن تغييرات مؤكدة ستتم وستؤدي الى هزات تشمل المجتمع بأسره .
الستراتيجية المعتمدة لانطلاق المشروع ومسيرته ، هي إطلاق إشارة البدء بتشريع يصدر من قمة الهرم ومن شان ذلك ان يفعل آلية العمل بزخم عالً من القاعدة الى الأعلى ؛ ستتدفق على البلاد استثمارات اجنبية ومن شان ذلك توفير فرص عمل للسعوديين بالالاف . سيشهد وضع المرأة تحسناً كما ان الديناميات الاقتصادية ذات الطابع الدولي ستضع مستقبل السعودية ككل قيد المناقشة بطرق مختلفة وسيسهل ذلك اندماج الأجيال السعودية الشابة بالعالم الخارجي لان هذه العملية ستؤمن الفرصة نحو تفهم أفضل بين السعوديين وشركائهم الأجانب ؛ من المتوقع ان يثير ذلك تحفظات وانتقادات الدوائر الاجتماعية والدينية المحافظة لإدامة نفوذها .
ان العملية بمجملها ستقود الى موجة من اعادة التموضع وربما عدم الاستقرار ؛ بقدر ماتظهر قوى جديدة تحاول ابعاد نفسها عن الثقافة الدينية ذات الطابع الذي يقود الى العزلة فان قلة من الناس في المملكة سيضاعفون من توجهاتهم ذات الطابع التعبوي المحافظ والعنيف . سيكون هنالك صراع اجيال وتوترات اقليمية وطائفية اضافة الى توترات بين المدينة وبين المستوطنين في الارياف ؛ كل واحدة من هذه القضايا ستعبر عن نفسها بطرق مختلفة وهو امر يستدعي انتباه الحكومة .
ان الحالة السعودية ستقدم نموذجاً للدراسة في موضوع العلاقة بين التنمية الاقتصادية وأنماط التطرّف العنيف ؛ ستكون هنالك حاجة ، خلال عملية التحول الشامل ، الى ماهو اكثر من الوسائل التقليدية لمكافحة الاٍرهاب والتطرف ، لكن المملكة العربية السعودية لديها منظومات متقدمة من وسائل الاستعلام والمخابرات البشرية والتقنية مايجعلها قادرة على تحديد واستهداف التنظيمات المتطرفة واحباط الهجمات المسلحة ، كما ستكون للبرنامج السعودي الخاص بتقليص ثقافة التطرّف قيمة كبيرة ، لكن ذلك لن يكون كافياً لوحده .
ينبغي للملكة ان تطور برنامج استشعار خاص لقياس نوعية استجابة الاطياف الاجتماعية المختلفة لعملية التغيير السياسي والاجتماعي والاقتصادي . هذا يتطلب تطوير مؤشرات ذات طبيعة نوعية وموضوعية للتحليل الاجتماعي والمستقبلي . ان السعودية ليست كتلة صلبة من ناحية الثقافة الاجتماعية ولذلك فمن المتوقع ان تتفاوت المظاهر التي تتخذها الأحداث من مدينة لأخرى وربما من حي لآخر . في ضوء ذلك يتعين على الحكومة ان تتعامل مع الأوضاع المستجدة بمزيج من الحوار المفتوح والاستجابة وبوسائل الأرغام في حالات محددة عند الضرورة .
لتأمين توازن دقيق في كل ذلك لابد من تطوير اجهزة الاستخبارات واجهزة فرض القانون على أسس احترافية قادرة على العمل عن قرب مع الجمهور ومع مالكي القطاع الخاص القادرين على استشعار مايدور في عقول وقلوب الشباب السعودي بشكل خاص ، وفي ذات الوقت الإبقاء على درجة من الانسجام مع وجهات نظر ومصالح المؤسسة الدينية .
ان ما ستواجهه المملكة خلال عملية التغيير سيضع الكثير على المحك ويتطلب جهداً كبيراً ؛ الشعب السعودي يضم قطاع شباب واسع حيث تقل إعمار اكثر من نصف سكان البلاد عن ٢٥ عاماً لذا فان حشداً هائلاً من الأجيال الجديدة ستعيش البيئة الجديدة التي تتسم بالحراك والتغيير ، لذا يتعين على المتخصصين ان يبذلوا جهوداً استثنائية لاعادة تقييم قضية الهوية الثقافية للبلاد من جذورها ، ومن المؤكد ان جهداً كهذا سيواجه بمعارضة شديدة ؛ ان الفشل في هذا المجال سيقود البلاد الى الدخول في مرحلة اكثر خطورة وتهديدات اكبر مما تعرفه الان .
ان رؤية ٢٠٣٠ وبرنامج التحول الوطني يمثلان برنامج مغادرةٍ نهائي لاعودة فيه . ومن اجل تحقيق أهدافه الطموحة سيتعين على المملكة ان تمر عبر مراحل من التوتر وعدم الاستقرار وبقدر غير قليل من عدم اليقين في ماهو قادم ؛ يتعين هنا على الولايات المتحدة ان تقدم العون للسعودية في هذه المسيرة ولها ايضاً ان تزيد من ابتعادها عن المملكة ؛ لها ان ان تقدم العون لشعب يطمح للتحول الى ما تجسده رؤيا ٢٠٣٠ او ان تدير ظهرها وتكتفي بالأمنيات بالنجاح لاكر البلدان تأثيرا في العالم الاسلامي وهو يدخل مرحلة تحول حاسمة في تاريخه .

المقال السابقدوافع هلكورد قهار الشعرية وتنوع مصادره في دهوك
المقال التالىالزقنبوت
فائز ناجي عبدالرحمن السعدون من مواليد بغداد / الأعظمية ١٩٤٦.. درس العلوم السياسية في جامعة بغداد وتخرج فيها عام ١٩٦٧.. انخرط للعمل في السلك الدبلوماسي العراقي منذ منتصف السبعينات وعمل في البعثات الدبلوماسية العراقية في جنيف والاكوادور وجمهورية مالي وطهران وبوخارست ... تخصص في الشؤون الإيرانية منذ عا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد