السينما مدخل ظاهراتي … فجر كينونة السحر


 

سنتتبع ها هنا ترسيمة , خارطة طريق لساعة صفر الادراك البشري بازاء تلقي أول ظاهرة , وقبل ذلك نذهب الى غرفة تفكير داروين , الى مونتاجه الخاص لسردية النشوء والارتقاء .. هل بدأت العلاقة الاتصالية بين (الادراك – الظاهرة ) من حيث بدأ الانسان ؟ أم سبق ذلك الى اجياله التطورية التي تصل به عكسيا الى خلية الحياة الاولى في الطين ؟

يونج يفترض ان الحيوان – حتى ذو الخلية الواحدة – ينقل الى اجياله خبرات ثقافية . اي انه خزان خبرات . لكن الاستجابات الحيوانية التي يشترك بها مع البشر تقف عند جدلية الضرر والفائدة كما يقول جاستون باشلار في تصديه لموضوعة الماقبل علمي . المعرفة التي نفرد بها الانسان وينسلخ عن اسلافه اذن هي المعرفة الجمالية التي تنطوي على القدرة على الانبهار واللذة والتفكير . واذا كان السحر اول المعارف فان عصرا من الانبهار من التلذذ الجمالي للصورة قد جربه الانسان . وهنا نفترض ان الصدمة الجمالية لحواس الانسان انعطافة عقلية وشعورية في آن .وفي هذا العصر كان العالم الجميل الخطر المنذر المبشر . الاسئلة الجمالية المركبة لم تكن في عين الانسان ( البدائي ) الا سينما . فليس ثمة لقطة ثابتة للعالم . لكن هناك مشاهدة متصلة حثيثة للعالم . الوان السماء اضواء البراكين الالوان على الارض . كانت الاشياء جميعها تحتاج الى تسمية . العالم الفيزيقي بالنسبة للانسان الاول الذي اكتشف النار كان بالنسبة اليه عرض اول . لم يكن يملك اجابات او تفسيرات حيالها ومحاولة القراءة الجمالية المركبة للظاهرة امامه التي اعطت للوعي وظيفة بعد ان كان مشلولا معطلا تجعله مشاهدا سينمائيا بامتياز . في هذه المرحلة لم يكن الانسان منتجا للسحر با متلقيا حاذقا مستجيبا لظاهرته . التفتيش في الظاهرة والغوص في الظاهرة جعله عرضيا لجبروت الصورة والصوت امامه . لكنه هاهنا لم يكن منفصلا مناطقيا عن التجربة انه جزء منها انه ضحيتها على الدوام , وجزء من تدويرها وتكرارها , لذلك كان مبكرا له الاعتراف انه بتصاغره ( الخوف ) وتكابره ( القراءة الجمالية = التلذذ = التفكر ) حيال الظاهرة . باختلاف تمظهراتها :عواصف . سيول . براكين . شهب ونيازك . كسوف . خسوف الخ . كان النوع الطبيعي اكثر غزارة وتأثيثا واكتظاظا منه الان . والكوارث التي تفتحها الظواهر كانت أعتى باضعاف مما نشهده اليوم . لقد عقُل َ كوكبنا الان وهدأ. اما في تلك اللحظة فهو يعيش تبعات صيرورات التشكل الكوني , آنذاك كان الانسان مراسلا وحررا لتلك الوقائع . لكنه ومن اجل ان يستمر ويحتال على المخاطر أوجد الكهف . فكان أول نادي بشري ومشغل اتصالي أوجده المجموع. الكهف أوجد فصلا جديدا للانصات , للتأمل , لمشروع الصياغة الجمالية . لقد حقق العزل الذي وفره جدار الكهف عصرا للتجربة , جدار الكهف العازل هو قاطع المفيولا بين لقطتين . لقطة صاخبة مهددة , واخرى امينة عميقة , وهما واحدة في الاساس . هنا في جوف الامان الذي يمنحه الحجر In door, تشتغل اسئلة الخارج . وتنصهر الى جمال وفلسفة و دين . ثم تتبادل المفاهيم الادوار , الدين جمال والفلسفة دين والجمال فلسفة . فيحول بركان التامل حجر الاسئلة الى سيول من الاجابات , في دُربَة جمالية لمزدوج الصورة الصوت . بعدان كان يجري خارج الكهف Out door تفاعلية شعورية محرضة للعقل. ان الكهف هو اول صالة انتاجية للجماعات البشرية لاعادة فتح علب اشرطة عالم وديع مشاكس . لذلك لم يكن الانسان الاول رساما في الكهف , كما جرى الوصف التارخي السريع . الانسان هاهنا منتجا سينمائيا Filmmaker , موثقا سينمائيا . كان مدفوع الى صناعة اللقطة , الى إجتزائها من خاماتها , من رشزها الذهني .

يشترك الكهف بصالة السينما اليوم عندما ينتظر جدنا ذاك ن يرى شيئا على الجدار . هنا عتمة , والاصوات الجبارة والاهتزازات . والصمت الطويل في الخارج , يعصف إيقاعهُ برأسه لتستدعي خميرة الصور التي اختزنها المجموع . هنا نار تتلألأ , تقابل مصباح العارضة السينمائية غير الموجه , غير المنتظم ,تحرك في البقع الخلاقة / تضاريس الحجر / في نظام من الغليان العشوائي . هنا يستخرج الدخان المتصاعد المتحرك من ثآليل الحجر, وجها زخرفيا خلاقا من الكرافيت . هنا تبدأ اتصالية جديدة راجعة , من خلال استخراج النظم من العشوائيات هنا عملية ايجاد المتحرك في الساكن . هنا عملية استدعاء الحركة من كل الموارد , من الذهن ( علب الرشز ) , من الواقع خارج الكهف , في نظام من التعليق الذهني على الصورة . الانسان يفكر من خلال الصورة . في داخل الكهف , يبدو العالم بالنسبة الى الانسان , عمق مفتوح عاج بانصاف الاسئلة بعد تجربة كافية من الصدمات الجمالية القرائية ( المشاهدة ) لسلطتي العقل والعاطفة , ومازالت فلسفة الصورة لديه تنطوي على الحركة / الحياة . بل ان السينمائي الحديث وجد في صور الزيت في اوروبا ماقبل الكاميرا كانت تشتغل على الحركة الكامنة في ستاتيكية اللوحة . حركة اللون , الفرشات , الضوء , الموضوع , الانشاء .في ذلك الكهف كان الانسان معنيا بانتاج المشاهد المجتزاءة من كون مطلق , والقريبة الى حاجته . فقد تصور وصور ماكان يريده . ومعنى ذلك ثمة فلسفة , فلسفة الانتقاء . فلم يكن يشتغل على سبيل الهواية بعشوائية المستأنس بتدمير الانتظار المفتوح داخل الكهف . لم يكن الانسان البدائي في الكهف معنيا برسم تفصيلات على غرار مهمة الرسام . ان مايعنيه بشمولية هو التصويرعلى شاشة الكهف , هو كسر جبروت ذلك الحاجز باتجاه العالم الفيزيقي الامن . انه كان نوعا من الحلم التعويضي في ظرف تستنفر الطبيعة كل خطورتها . التصوير هنا نوع من الغريزة من البكاء من الصلاة من التفريغ الجمالي من استخراج الدهشة من وضع التحسس الكوني خارجي جبار مفتوح الى وضع التحسس الداخلي للتقابلات والمطابقات التي انتجتها يده ومخيلته . ها هنا تدور في راس الانسان السيناريوهات المختزنة لتضع خطة المشهد الذي يريد اعادة انتاجه . لذلك جاءت في رسومات الحضارات المتقدمة الاشورية في العراق القديم . ان الفنان معني بانتاج سلسلة رسوم باواصر سردية . بما يعني ان الانسان الاول كان معنيا بتصوير الحوادث المركبة الطويلة . ان صورة الجواميس على الكهوف هي توثيق دقيق لمشاهد تثبت منها الانسان في الواقع . كما يجري اليوم في الاعلام عندما خلد الانسان صورة شجرة القنبلة الذرية . ان التصوير على الجدران يرتبط بنوع من أرشفة اللحظة , الحدث , الفعل . انه هنا غير معني بانتاج حوادث العنف . عنف الطبيعة / الظاهرة . لانه لم ينسلخ عن تجربتها القائمة الان وقت التصوير . انه يبحث عن لحظة الامن والامنية القابعتين خلف مخاوف اللحظة . ان فتحة الكهف التي ولجت منها الجماعات أعطت للانسان الاول فكرة عن أول إطار تحديد للصورة المقتطعة عن العالم بحدود تجعل منه زاوية قراءة سينمائية بامتياز . ان خبرات السينمائي المعاصر الذي اخترع الة التصوير الثابتة , والعجينة الكيميائية الحساسة على لح الفيلم الفيلم والعدسة الراسمة للصورة في الصندوق المغلق لم يكن يحتاج الى وقت طويل ليتعلم ثقافة مابعد الكاميرا . لقد وجد في ارث التصوير منذ تجارب الرسم بالزيت لمختلف الاتجاهات في اوروبا الى الرسوم في الحضارات الاولى الى لحظة الكهف امتدادا معرفيا وأسّاً جماليا ثقافيا ضخما , جهزت السينمائي بالخبرة الموروثة المستودعة في لحم دماغه , وفي أرثه التصويري . الاثاريون استخلصوا التاريخ من الصورة , بما يعني انها وحدات سردية في سياق الحضارات . وجد الفنان السينمائي نفسه إذن مجهزا بإرثا هائلٍ لنظم الانشاء , والتصوير, والضوء , وهندسة الفراغ , والتوزيع , ودلالات اللون , وفلسفة الظل والضوء ونسيج الصورة , كل ذلك الفهم وسواه كان عمقا معرفيا وجماليا وفكريا بعمق عامود حياة الانسان على هذا الكوكب ..
مستويات الاتصال
تقابل الصورة هنا الظاهرة عند الفينومينولوجيين . ومن الطبيعي هنا استدعاء الفكر التاملي تلك النظرية التي صمدت في اثبات أس المعرفة المعنونة بالحدس وهو مجال التفسير والتاويل لتوليد اجوبة لاسئلة الحركة والتبدلات في الظاهرة ( الظل والضوء ) , ( الطقس والمناخ ) وتشكل مرحلة القراءة , عملية مواجهة لطاقة صورة حبلى بالمثيرات الحسية الصادمة المبهرة تختبيء خلفها قوانين ونظم . هنا تجتمع اللذة مع التفكير لدفع الصور الى خزان التجربة , الثقافة . وكان الانسان هنا يقابل خلقه الكاميرا التي صنعها . عندما تقوم الذاكرة بتخزين المواد المصورة ليتم اخراجها من جديد في منعكس مشهدي جديد مقابل للواقع المصور بالعين . فلقد اثبتت التشريحات للمخ البشري ان مقسم كما شريحة الفيلم متن للصورة ومتن اخر للصوت . الامر نفسه مع جهاز العرض والكاميرا.

لا تعليقات

اترك رد