الغضبة العقلية في وفاة شيمون بيريز

 

من لا يرى الحقيقة والواقع فهو كاذب بلا شك او يجامل ، ومن لا يفهم تحولات التاريخ والأمم والشعوب من العدم الى التفوق فهو ما يزال يعيش في الماضي ويخاف من المستقبل ومربوط بسذاجات الأولياء والمقدسين وبائعي الأديان.

قدم لنا السيد احمد الحناكي في الأسبوع المنصرم مقال “الغضبة المضرية” ردا على مقالي في موقع الصدى بعنوان “في رثاء وهجاء شيمون بيريز”. وقد شرحت فيه تداعيات وفاة الرئيس الاسرائيلي واسباب فشلنا نحن العرب والمسلمين في التفوق على اسرائيل وكان من اهم الاسباب التى شرحتها بالتفصيل هي الكراهية الدينية وما يحمله الدين الاسلامي من دعوات خاصة لكراهية اليهود والنصاري. فعلينا كخلاصة تاريخية اذا ما اردنا التفوق على اسرائيل ان ننتقل من الكراهية الى العمل والبحث والعلمانية حتى يمكننا بالتالي مواجهة اسرائيل وهي المتفوقة علميا وعسكريا وديمقراطيا، اما اذا بقينا هكذا نحمل نصوص الدين في مواجهة الآخر المختلف، فلا يعدو ذلك كونه عن استعباط وخداع للشعوب وبيع الاوهام للفلسطينيين اولا وللمسلمين ثانيا وللعالم ثالثا.

ربما يغيب عن بال السيد الحناكي اننا مازلنا وبعد 68 عاما نحلم برمي اليهود في البحر، وتخدعنا شعارات تحرير القدس العربية ويوم القدس الايراني ومأكولات القدس وملابس القدس، ولكننا لم نفهم ابدا مبادئ الفلسفة التى أقرت “أن العدالة المطلقة وهم لن يتحقق على أرض الواقع، وأن العدالة الممكنة الوحيدة هي حق الأقوى في تسيير حياة الأضعف وفق منظوره. هذا ما قاله المعلم الأول أرسطو وتبعه أفلاطون وفي العصر الحديث ماركس وكارل بوبر وآخرون”.

يا سيدى الكريم انزع عنك رداء القداسة الدينية، فلا مقدس اليوم سوى الانسان ولا اهتمام وتنمية وبناء الا للإنسان، اما حواديث آخر الزمان وشجر الفرقد وسيادة العدل المطلق وخروج المهدي المنتظر، سواء السني او الشيعي، فما هي الا حواديث جداتنا وكتبنا الدينية قبل ان ننام على وقع هزائمنا ونكباتنا وفشلنا وتخلفنا،

فنستمع ونستمتع لمثل هذه الأحاديث بكل شغف وايمان وتقوى لأننا لا نملك غيرها معينا لنا في انتكاساتنا امام تفوق اليهود والنصارى وانتصاراتهم بدون ان يكون للدين اي تأثير في تفوقهم، بل انتبهوا بأن الانسان هو مكمن القوة والطاقة والمستقبل، وهو مالم يفهمه الفلسطينيون ولا العرب ولا المسلمون طوال فترة تاريخهم القديم والحديث.

لقد انتهت الحروب العربية – الاسرائيلية منذ زمن بعيد وانتهى معها عصر قديم واصبحنا نعيش الآن وفق قوانين اخرى ومعطيات تفرض علينا التعامل معها وفقا لشروط ومعاهدات يلتزم بها الكل ومشرعة وفق الامم المتحدة وبمراقبتها، وقد آن الأوان بان يكون لنا وقفة اخرى حول آلية الصراع مع الدولة الاسرائيلية، وان نستفيد من وقتنا وتعاطف الكيانات الاوروبية والولايات المتحدة الاميركية حول جديتهم بالخلاص من هذا الملف وفتح قنوات التواصل والحوار بمباركة الشعوب ورضاها، وخصوصا بعد تقديم مبادرة الملك عبدالله في عام 2002 والتى تهدف الي إنشاء دولة فلسطينية معترف بها دوليًا على حدود 1967 وعودة اللاجئين وانسحاب من هضبة الجولان المحتلة، مقابل اعتراف وتطبيع العلاقات بين الدول العربية مع إسرائيل. فلماذا لا تضغط الشعوب العربية على حكامها للقيام بالخطوات التاريخية في السلام بدلا من مطالباتهم بتطبيق الشريعة ورجم النساء والقاء المثليين من عل وتسليح الشباب للجهاد العبثي وتدمير الاوطان، ولماذا لا تفهم الشعوب العربية والاسلامية بأن حكامهم ليسوا صادقين ابدا في التوصل الي حل سلمي يرضي كل الأطراف بين الفلسطينيين والاسرائيليين لانه وبكل سهولة تعتبر قضية فلسطين البيضة التى تبيض لهم كراسي الحكم والمال بدون اى تعب او جهد.

اسرائيل دولة وشيمون بيريز رجل سياسي، له اخطاء وعثرات وإخفاقات، ولكنه بالمقابل كان حريصا على دولته وتفوقها، وهو ما نفتقده نحن في مجتمعاتنا، نحن نذكر مجازر الآخرين وحروبهم ولكننا لا نذكر الي اين وصلوا بعد ذلك والي ماذا تحولوا وكيف صنعوا مجتمعاتهم ولماذا اخذوا جوائز نوبل للسلام ، بينما نحن

مازلنا نعيش ونذكر ونحفظ مجازر الخلفاء ومذابح الأمويين والعباسيين والعثمانيين، نحلم ان ترجع وأن تسود الخلافة حتى ننتصر على اعداءنا بالدين فقط ونتناسى مذابح صفين والجمل والصحابة وغزو اوروبا والهند وغيرها من الغزوات التى طالت شعوبا مسالمة ، ثم ماذا، ماذا فعلنا بعد ذلك وكيف صنعنا مجتمعاتنا اليوم وكيف اهتمينا بالانسان والحريات والمساواة، وهل فعلا بنينا دولا مدنية عادلة، أم مجتمعات عقلانية متطورة، أم انظمة حكم ديمقراطية ليبرالية نفتخر بها أمام العالم..لا شيء بالحقيقة من هذا قد حصل او اقترب من الحدوث، ولا شيء من احلامنا او دعاؤنا قد تحقق او قارب على الحدوث. لماذا؟. لأننا أمة لا تعمل ولا ترى المستقبل ولا تدرك او تأخذ بأسباب التقدم لاننا الي اليوم متعلقين بالماضي والكراهية والانتقام والثأر، أننا أمة تحكم على العلاقات الدولية والاتفاقيات السياسية بتحالفات الرسول مع اعدائه، أمة تنظر الي الآخر المختلف كعدو دائم وليس بشرا مثلنا يمرون بظروف القوة والهزيمة ويرغبون بالنهوض والانتصار، أمة ترى الانتصار في الحجاب وتقصير الثياب والمسواك ورجم النساء ولا تراه في العلم والفلسفة والأخلاق والفنون.

اننا نحتاج قبل ان نكون ندا مع اسرائيل ان نفهم التاريخ وان نرى الواقع وأن نحترم تطور الامم والشعوب ورغبتهم بالحياة. فهل تدرك يا عزيزي الحناكي قبل ان تكونوا ملكيين اكثر من الملك، وفلسطينيين اكثر من الفلسطينيين ان الجانب الفلسطيني يسعى الي السلام مع الاسرائيليين كحقيقة وواقع من منطلق أممي، بدءا من اتفاقية كامب ديفيد ووصولا الي اتفاقية اوسلو واتفاق غزة واتفاق وادي عربة واتفاقية طابا (اوسلو2) واتفاقية واي ريفر. وأن المحاولات السرية تعقد على قدم وساق بين الفلسطينيين والعرب مع بعض السياسيين الاسرائيليين للتوصل الي التطبيع الكامل، عالاقل اقتصاديا، في الفترة الحالية ووصولا الي التطبيع الكامل في المستقبل. فلا تزايدوا على جراح غيركم ولا تطعمونهم شعارات لم تقدم سوى النرجسية والدجل والاحلام. فهل من الافضل أن يتم فرض الشروط علينا أم نمتلك ولو بعض الكرامة والعزة والقوة لنفاوض بكل اصرار وتحدي أمام العالم كله بدون

خوف، بل بمواجهة كاملة على ان نرمي كراهيتنا وفشلنا وراء ظهورنا وننطلق كي نفاوض دولة استطاعت ان تثبت قوتها وتفوقها ورغبتها بالسلام المشترك.

ان الدول تنتصر وتقوم قائمتها بسلاح الثقافة والعلم والصناعة متسلحة بالعقل والمنطق وحجة القانون وشرعية الحضارة، وتنتهي هذه الدول اذا علمت شعوبها الكسل والخداع، واوهمتهم بالانتصار على اسرائيل من داخل الفنادق الفخمة. ومتى ما تنازلت الدول والشعوب عن العلم ووأدت باب الحضارة فسرعان ما تنتقل إلى ابواب التخلف والرجعية بمرتبة الشرف، وتنتهي بمزبلة التاريخ مع امم قد بادت.

ان التاريخ الذي لا نريد ان نفهمه ولا ان نستوعبه، قد قدم لنا نماذج عديدة من دول استطاعت النهوض بعد هزيمتها مثل اليابان وألمانيا، وقدم لنا دول لم تستطع ان تنهض بعد هزيمتها بل ناكفت الواقع ورفضت الإقرار بالهزيمة فكابرت حتى تضخمت فسادا وانحطاطا مثل دولنا العربية، فمن تقدم اليوم هم هؤلاء الذين اعترفوا بهزائمهم، ومن تخلف اليوم ايضا هؤلاء الذين مازالوا يعيشون طوباوية انتصاراتهم الوهمية.

2 تعليقات

  1. Avatar د. هالة الخطيب

    أحسنت يا دكتور. مقالة رائعة.

  2. Avatar عبدالعزيز القناعي

    شكرا لك دكتورة على قراءة المقال
    دمت بود
    عبدالعزيز

اترك رد