بعيدا ..عن الطفولة


 

تنبهت الأم في أحد أحياء مدينة الرمادي الى ان صراخ اطفالها الذي كانوا يلعبون في الخارج مع اولاد الجيران هدأ الى حد ما ، فأقلقها الأمر وأطلت من نافذة المطبخ لتراقب الوضع دون ان تشعرهم بذلك ..صدمها المشهد الذي رأته فقد كان اطفالها يمثلون عملية اعدام عائلة من قبل مجموعة من الأرهابيين …هذا مافهمته من حوارهم ومن توسلات ابنتها ان يرحموها ويرحموا ” ابنها الصغير ” الذي يقوم بدوره شقيقها الأصغر ، ومن معاملة ” الأرهابيين “الذين يقوم بدورهم ثلاثة من ابناء الجيران وقد تلثموا بخرق ملونة …هرعت الأم لنجدة اطفالها ..ليس من الأرهابيين بل من اكمال المشهد الذي سينتهي بقتل الأبرياء لامحالة …انزعج الأطفال من تدخل الأم وعرقلتها لمنهاج فترة اللعب المخصصة لهم فحاولت ان توضح لهم خطورة تمثيل مثل هذه المشاهد وبأنهم مجرد أطفال ويجب ان يمارسوا العابا بريئة وممتعة فقط …لكن مااجمع عليه الاطفال اثار حيرتها فهم على قناعة بان مايفعلونه ليس خارجا عن المألوف فهم يشهدون العنف ويشاهدونه باستمرا ر ان لم يكن على ارض الواقع فعبر شاشات التلفزيون ومواقع التواصل الاجتماعي التي تعرض قصصا تسعد الكبار لأعجابهم بعملية القضاء على الأرهابيين او ترعبهم بعرض عمليات قطع الرؤوس والتعذيب وتنفيذ الأعدامات بينما تنسج عقول الصغار منها حكايات تخرجهم من عالم البراءة مرغمين …قررت الأم ان تجنبهم مشاهدة أي برنامج يتحدث عن الارهاب لكنها لم تعد واثقة ابدا من احتفاظهم ببراءتهم مستقبلا …

فضلا عن التشرب بثقافة العنف ، يواجه الاطفال النازحون واهاليهم بعد عودتهم الى مناطقهم المحررة متاعبا عدة منها عدم تمكنهم من مواصلة الدراسة لهذا العام بسبب تدمير اغلب المدارس خلال الحرب مع داعش وهو مايؤلم الاهالي كثيرا لأنهم اضاعوا عاما دراسيا خلال النزوح ، وبعد استقرارهم في محافظات واماكن اخرى واستقبال اطفالهم في مدارسها ، صار عليهم ان يضيعوا عاما آخر في العودة ، كما ان المناطق المحررة مازالت بحاجة الى خدمات اساسية سيما مع اقتراب فصل الشتاء ..
ويعجز غالبية الاطفال النازحين عن رؤية صورة غد مشرق بالنسبة لهم فما حدث معهم من رؤية اعمال عنف وقتل يومية بعد دخول داعش الى مناطقهم سيكون له آثار بعيدة المدى على سلوكيات ونفسية جيل من المراهقين ..وكانت جمعية علماء النفس العراقيين قد قامت بدراسة قبل سنوات تبين منها ان نسبة 92% من الاطفال العراقيين يعانون من مشاكل نفسية شاملة بسبب الخوف وانعدام الأمن ..كم ستكون النسبة اذن بعد دخول داعش ونزوح العوائل وتعرضها لظروف قاهرة اغتالت أمانها واستقرارها وهو ماانعكس على الاطفال وجعلهم عرضة لمختلف المشاعرالتي تتنافى كليا مع ملامح الطفولة وعوالمها البريئة الجميلة …

ومع حلول المدارس التي تقرر المصير المستقبلي للاطفال في كل انحاء العالم ، يحرم العديد من الاطفال العراقيين من الدراسة بسبب عدم توفر مدارس صالحة لهم .. وحتى يتم اعمارتلك المدارس ، يمضي الاطفال اوقات فراغهم في ممارسة العاب قد تتناول العنف موضوعا لها او يتابعون برامجا تبعدهم كثيرا عن عالم الطفولة ومايحتاجونه من علوم ومعارف ..

لا تعليقات

اترك رد