بين الرّمز والبلاغة


 

جزء من دراسة مطوّلة حول ” الرّمزيّة في الأدب العربي الحديث”

ارتبط الرّمز بالبلاغة رغم أنّه لم يحظ بالاهتمام نفسه الذي حظيت به بقيّة أقسامها وقد جُعِل من ضمن الكناية غالبا ، وهو رأي قال به القدماء مثل الجاحظ الذي اعتبره شأن الإشارة من أدوات البيان الخمس (البيان والتّبيين ج /1 ص 76-79) . ولعلّ عبد القاهر الجرجاني (ت 471هـ ) أبرز من اهتم به وخاصّة ما تعلّق بالمعنى وهو غايته، ودقّق في تحديد قيمة الأداء الموحي رغم جمعه بين الكناية والتعريض والرّمز والإشارة في نسق فنّيّ واحد ، وذلك في معرض قوله في إثبات الصّفة في الكناية : ” هذا فن من القول دقيق المسلك ، لطيف المأخذ، وهو أنا نراهم كما يصنعون في نفس الصّفة بأن يذهبوا بها مذهب الكناية والتّعريض ، كذلك يذهبون في إثبات الصّفة هذا المذهب ، وإذا فعلوا ذلك ، بدت هناك محاسن تملأ الطّرف ، ودقائق تعجز الوصف … وكما أنّ الصّفة إذا لم تأتك مصرّحا بذكرها ، مكشوفا عن وجهها، ولكن مدلولا عليها بغيرها ، وكان ذلك أفخم لشأنها ، وألطف لمكانها ، كذلك إثباتك الصّفة للشّيء تثبيتا له إذا لم تلقه إلى السّامع صريحا وجئت إليه من جانب التّعريض والكناية والرّمز والإشارة ، كان له من الفضل والمزيّة أو من الحسن والرّونق ما لا يقلّ قليله ، ولا يجهل موضع الفضيلة فيه ” ( دلالئل الإعجاز في علم المعاني ص 199 ) لقد ارتبط الرّمز بالكناية كما ارتبط بكل من التشبيه والاستعارة وكذا الأمر بالنّسبة إلى المجاز عند بعض البلاغيين . ولكن الرّمز ليس تشبيها ولا استعارة لأنّ الشاعر قد عبر وجسّد حقيقة فعليّة يكون معهما الشّعر أداة للتّعريف بالحقائق التي تعبّر عن سطح الوجدان . وقد استهجن منظّروا الشّعر الرّمزي التّشبيهَ كوسيلة فنّيّة في الشّعر، حين اعتبروه مجرّد أداة نثريّة مقحمة في الشّعر باعتبارها تنزع عن الأشياء صفة الذّهول . ومن ثمّة تمنع التّجربة من التّوحّد وبلوغ مستوى الكُلّيّة ، لتتخطّى آماد الرّؤيا ويتشبّه لهم فيه وثن العقل . وهو ليس استعارة مهما سمت عن التشبيه ومهما تنوّعت في ذاتها رغم محاولة العديد من البلاغيين والنّقّاد إيجاد صلة وتوافق ولكن برأيي لم يقنعوا بصحّة ما ذهبوا إليه مثل “مصطفى ناصف” في كتابه “الصّورة الأدبيّة ” حين ذهب إلى اختلاف الاستعارة عن الرّمز بقوله ” قد يصاحب الاستعارة حالة رمزيّة دون أن تكون مع ذلك رمزا ” بهذا أكّد على إمكانيّة اختلاط الاستعارة بالرّمز وهو رأي مردود عليه . فلا يمكن البتّة أن نلحظ هذا التوافق لأسباب بسيطة ومعلومة : أوّلها أن الرّمز لا تواكبه القرينة في أي شكل من أشكالها . ثم إنّ الاستعارة قد تكون غنيّة من حيث الإيحاء ولكنّه ليس بمقدار الرّمز الذي هو سمته الأساسيّة. بهذا فالمشابهة التي هي جوهر الاستعارة قد تفقده القيمة الإيحائيّة المشروطة فيه. وهو ما حدّده “وبستر” حين أكّد على أنّ الرّمز ينهض ” على علاقة باطنيّة وثيقة تربطه بالمرموز ، وهي علاقة أعمق من مجرّد التّداعي أو الاصطلاح أو التّشابه الظاهري ” .. كذلك هو ليس كناية ، لأنّها في الغالب تفيد من الواقع تلك الدّلالات الخاصّة به واللّصيقة بمعناه في العرف المتفق عليه بالواقع وجملة الدّلائل الحسّيّة، لينساب المعنى في ضرب من التّدرّج والنّمو في رهافته الشّعوريّة ، فيسمو كل معنى لاحق على سابقه ويفيء عليه عبر أحوال حسّيّة تدلّل بذاتها عن معناها . فالكناية تفيد من الواقع الحسّي. بهذا نختلف مع كل من يعتبر الكناية رمزا أو الرمز كناية يقول “إيليا الحاوي” في كتابه “الرّمزيّة والسرياليّة ” : ” الرّمزيّة كانت حالة عليا من الاشراق والاستشراق الفنّي ، تتمّ في في لحظات خارقة ، يتمكّن عبرها الشّاعر من الحلول في قلب الحقيقة ذاتها ونقلها من اهاب حسّي مُبتَكَر .” بهذا الإيضاح فالرّمز حالة تدركها النّفس ، لعلها لحظة أشبه ما تكون بنبوءة شعريّة تتصل بالغيب النّفسي والوجودي أكثر من اتصالها بالواقع والعقل ..
يتبع ….

لا تعليقات

اترك رد