“القانون مطاط” قالها صدام وتطبقها المحكمة العليا


 

وسط زحام التصريحات الخانق وتقمص أدوار عدة، بين مطمئن ومهدئ ومتوجِّس ومبشر ونذير، يستمر ساستنا ومسؤولونا بدأب لايحده وازع، وسعي لايمنعه مانع، بإطلاق العنان في الرجم بالغيب والإدلاء بالتكهنات والإعراب عن جملة احتمالات وافتراضات، يتضارب حابل صدقها بنابل كذبها، بما سيسفر عنه وضع البلد السياسي في القادم من الأيام، مستغلين انشغال المواطن والتفات أنظاره الى ما آلت اليه أوضاع بلده الأمنية، ولاسيما التداعيات التي وقفت على أعتاب محافظة نينوى، والتي أوقفت معها العراقيين على قدم وساق، تعتريهم شكوك وظنون، في مصيرهم الذي باتت حروفه خالية من النقط، لايستبينون منها مستجدات ما يطرأ عليهم من تحسن (ان شاء الله) او تدهور (لاسمح الله). وبين مؤمل بقرب انقشاع شبح داعش، وثانٍ يحذر من طول جثومه على صدور العراقيين، وثالث يرجح نشوء تنظيم أقسى منه في حال خروجه من العراق، يردد العراقيون بيت امرئ القيس:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلِ
بصبح وما الإصباح منك بأمثل
وعلى هذا المنوال يستمر الحال تاركا وراءه عبئا ثقيلا ينوء به كاهل العراقيين في حاضرهم، وإذا كانت شهرزاد قد نفضت مافي جعبتها من قصص لشهريار في ألف ليلة وليلة من الزمان، فإن العراقيين غدا ستطول عنهم الأحاديث، وتؤلف في مآسيهم روايات وقصص لاتحتويها مجلدات، وسيسلم الرواة أجيالا من الرواة تخلفهم، يسردون عجائب أحداث وغرائب أفعال ندر حدوث نظيرها في الأمم عبر التأريخ.

وإنه لمن الغريب أن القائمين على حكم العراق والسائرين به الى الهاوية يتبادلون الأدوار، سواء بالتعاقب أم بالتتالي أم بالتوالي! أو عن طريق التحاصص أو الاستحقاق الانتخابي، دون اتعاظ بعضهم من بعض! بل أن اللاحق منهم عادة ما يرمي كرة التقصير والفشل في شباك السابق، ليخرج هو -كما يظن- كالشعرة من العجين.

وعلى ذكر السابقين، أذكر مقولة للمقبور -أو المرحوم أو الراحل أو الشهيد أو … فليسمّه من يسمّه بما يشاء- صدام حسين يوم قال: “نحن نتعامل مع القانون كالمطاط، نطوعه لمقتضيات حاجتنا الآنية”، ويبدو أن الرجل كان على حق، إذ مافتئ ساسة مابعد حقبته، يحذون حذوه -حذو النعل بالنعل- في التلاعب بالدستور ومط القانون كيفما تتطلب مصلحتهم -لامصلحة البلاد ولاالعباد- فعلى سبيل المثال لاالحصر، قررت المحكمة الاتحادية العليا قبل عام وشهرين قرار إلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية، يومها رفع العراقيون جميعا قبعاتهم لمحكمتهم الناطقة باسم القانون، كون هذه الخطوة تعود بالنفع لهم، ولكن مثلنا؛ “يافرحة الماتمّت” مازال ساري المفعول، إذ انبطحت المحكمة العليا قبل أيام قلائل مستذكرة مقولة صدام أعلاه، وحادت عن قرارها فتعاملت بمطاطية وروح رياضية انبطاحية مع القانون. وعلى ما يبدو أن الخواطر والمجاملات علت على القانون الذي أضحى يعلى عليه في بلاد مسلة حمورابي، فرجحت كفة مثلنا؛ “حِب عمك حِب خالك” على كفة قرار المحكمة الاتحادية العليا، لاسيما وأن الأخيرة أمست كما قال مثلنا؛ “الأسد من يكبر…!” والمعنى في قلب القارئ.

لا تعليقات

اترك رد