التأمل الفذ

 
الصدى التآمل الفذ
لوحة للفنانة حنان الشندي

عندما تستبد بنا، نحن الذين على الهامش السياسي كوننا مثقفين بين قوسين، لحظات العزلة العظيمة، وتحاصرنا جيوش الظلام المتراخية في راحتها كخفافيش معلقة في سماء الحرية الجديدة بالمقلوب، نهرب إلى الأمام؛ إذ ليس نحن سوى مشروع للهرب الدائم نحو المجهول. ربما يبدو المجهول أكثر راحة من هذه الكوابيس اليومية التي تساوي في رداءتها رداءة الكحول الذي نتناوله يوميا وفي كل مساء لطرد آخر خفاش معلق بالمقلوب في سماء أرواحنا الكئيبة. لا أقول سماءنا الساقطة على الأرض كالأحلام الميتة. لأن السماء الصافية لم تعد صافية بحق كما كانت سابقا، كما في العهد الملكي في ظل حكم الملك فيصل الأول والملك غازي والملك الشاب القتيل فيصل الثاني، بنكهة التاريخ الجميل، ودعابات رئيس الوزراء الماكر نوري السعيد، ولا حتى كما كانت في العصر الجمهوري الأول أيام الزعيم الوطني المرحوم عبد الكريم قاسم.

هكذا نتحول تدريجيا إلى “مشاريع ثقافية محذوفة مسبقا” كما ممالك زائلة ورائحة إمبراطوريات قديمة. نصوصنا المكتوبة تحولت إلى محطات غريبة في الزمن المفقود. هياكل من مجد مجهول في أراضٍ ودول بعيدة وغريبة. دول من ثلج ومن لغات فاقدة طعم اللذة والفرح. تنهش أرواحنا ذكريات قديمة لها طعم العفونة من أرض السواد. وصمتٌ مطبق يفوق مستوى السكون، أو يفوق صمت الموت ذاته.

ومن العجيب أن ينصفنا الدهر أحيانا ببعض المعجزات؛ فسقوط دكتاتور من واقعنا اليومي يُعد بمثابة تحقيق حلم أشبه بالمعجزة. إذ كان ينوي قتلنا بالمجان لكنه سقط بالمزبلة، بينما نحن الأبرياء لا زلنا نرفع رؤوسنا عاليا حتى الموت الشريف. هكذا تنصفنا الحياة بعض الأحيان إنصافا معنويا لا تعادله كل الأثمان المدفوعة بالدولار. الحياة كريمة بعض الشيء، ونقبل بكل حذافير هذا الكرم القليل، اللذيذ طالما لم يخدش سر الحرية الكامن في أعماقنا الدفينة.

خيانة الطباع الشخصية الأصيلة عند الفرد البشري لنفسه هي أكبر الخيانات في التاريخ الإنساني. كل فرد يقدم على خيانة روحه وشخصه وتاريخه هو مشروع دائم لخيانة الآخرين من أهل وأقارب وأصدقاء وشعب ووطن.

قال بدر شاكر السياب ذات قصيدة:

“أن يخون “الإنسان…” معناه أن يكون..

فكيف يكون؟”

واليوم، حيث صار سوق الكلام بالمجان؛ لا أحد يشتري الكلام الثمين، بل هناك أسواق كثيرة تبيع الكلام الرخيص. هل ينفع الكلام الرخيص؟ ربما ينفع من يتاجرون بالبضائع الرخيصة والمبادئ الرخيصة، لكن الكلام الثمين يبقى بعيدا عن المنال. لا يتغلب الصوت الرديء على الصوت الأصيل. تبقى الأصوات الحرة هي الأمل الوحيد للمعاناة الهامدة كالجمرات تحت الرماد.

في “روثكو كامبل” أي “معبد روثكو” التأملي الروحاني في مدينة هيوستن، يمنحك الزمن الراكض نحو المجهول الفرصة الثمينة للتأمل الذاتي حتى بلوغ  الأعماق الدفينة من الروح التائهة في خضم هموم الحياة ومباهجها الطارئة. تنطلق بصمت في الرحلة القصيرة الغامضة لتصل إلى تلك النقطة الجوهرية في معنى الحياة “نقطة الارتكاز”.

على ماذا يرتكز جوهر الفرد؟ تتأمل تلك الألوان الكابية وذلك الموج المصحوب بموسيقى خافتة وضوء طبيعي ينهمر من ثقوب كأنها حُفرت بالسماء، أو بآفاق الوهم في طاقة الخيال. لتجد ثقل الكون يرتكز على نقطة واحدة لا غير بالنسبة للفرد هي نقطة “الصفاء”. الصفاء الروحي هو أقرب نقطة للخلود. وهي مرتبة لا يبلغها البشر العاديين بسهولة. التأمل حالة من حالات الرقي الإنساني. التأمل ينجب الأنبياء وينتج الشعراء والعلماء.

 

لا تعليقات

اترك رد