عُزلة المُثقف العَرَبي


 

تُمثل العزلة في كثير من جوانبها مفيدة وممتعة للغاية قد تجلب لك الابداع أو على الأقل قد تدفع عنك الجهل والتخلف قليلاً، فالجهل كالفتنة يُستحسن الابتعاد عنها قليلاً, _ أنا شخصياً كثيراً _ ما اعتزل فأجد اللذة في عزلتي _, فقد عزلتني الحرب الاهلية والصراع الطائفي في بلادي قرابة العام في منزلي, منعتني من التعارف على وجوه الناس العاديين ممن يُقيمون حولي, لكنها عرفتني على عشرات بل مئات المفكرين العرب والأجانب عن طريق مؤلفاتهم وكتاباتهم ونتاجاتهم التي عوضت عن وجوه العامة من الناس الأخرين.

فأول اصدقائي الذي تعرفت عليهم في عزلتي هو غارسيا غابريل ماركيز في مؤلفة (مائه عام من العزلة)، كانت عزلتي عزلة “ماركيزية” بحته .. أضافت لي الكثير من حياتي لكنها في النهاية أخذت الأكثر ما في حياتي.

فيما لا يعني ذلك إنْ غياب المثقف عن المجتمع إيجابي بطبيعتهُ، لا له مردودهُ السلبي الكبير, وما يحدث في بلداننا العربية هي نتاج حتمي لحجب دور المثقف في السلطة او ممارسة العمل السياسي أو تسجيل الحضور ميدانياً على مقربة من الأحداث الدائرة, فإذا لم يكن المثقف قائداً وزعيماً كنيلسون مانديلا, كلينين, كابراهام لينكولن, كتشي جيفارا, فمن سيقود العالم أ رعيان الأرض ام سُرّاق الدين وحرامية الدجاج والخضار ام من يكون؟

ما يشهده العالم العربي اليوم من بؤس وشقاء وتخلف وانحطاط هو ناتج عن غياب دور المثقف في صنع القرار السياسي وتوجيه الأمة وتخطيطها البشري الأصلح لها, لكن من هو ذلك المثقف الذي نعول عليه لحلحة كُل مشاغل وهموم الدنيا ونجعل منه شماعة نعلق عليها أمال الأمة وتجلياتها ومستقبلها أو نعتقد بهِ كـ “بطل مُنتظر”؟

فهل هناك مثقف حقيقي اصلاً .. ومن يكون ذلك المثقف العربي، وما هي هويتهُ، وصفتهِ، مميزاتهِ، انا اشك في ذلك تماماً .. لكني لا أنفي غياب ذلك المثقف .. لكن اين سنجده في ظل التزاحم والتراكم التاريخي الذي خلف لنا مجتمع مُعاق فكرياً، وخلافياً، ومصحات جنون ومشافٍ وسجون ومعتقلات ومقابر يفوق سُكانها سكن أحياء الوطن العربي!!

لا تعليقات

اترك رد