في ذكرى كربلاء: الحسينُ قيمةٌ قبلَ أنْ يكونَ زينة..


 

على أي منهج، وبأية آلية وكيفية يفكر أبناء مجتمعاتنا، ويتصرفون سلوكياً؟.. أصلاً: هل يفكرون.. وهل هناك أسس للتفكير العقلاني في عالمنا العربي المدجج بأسلحة الدين الفتاكة؟ وهل يمتلك هؤلاء أدوات التفكير الجدي الموصل إلى النتائج الصحيحة والسليمة والعقلانية؟..

عندما أدقق في مناخات وآليات تشكل الوعي عند عموم الناس والمجتمعات عندنا، يبدو لي ثمة خلل بنيوي عميق في الوعي العام، أي فهم الناس وإدراكهم لذاتهم، وأحوالهم، ومقتضيات وجودهم ودورهم ومعنى حضورهم في الحياة ومشاركتهم في صنع المصائر الذاتية والموضوعية..

هذا الخلل في الوعي يقابله خوف وجودي وضعف في الإرادة الفاعلة القادرة على إحداث التغيير… وهنا تتعدد رؤى ونظريات تحليل أسباب هذا الترهل والضعف، وتلك الأزمة الحضاريَّة الَّتي تعيشها الأمَّة في حاضرها.. فالبعض يقول بأن ترك الدين تسبب بفصل الأمة عن تراثها وتاريخها، وبعض آخر يؤكد أن هيمنة الأجنبيّ بمختلف أشكاله وأنماطه على الأمة، وتحكمه بمقدراتها وطاقاتها هو سبب آخر..

ولكن إنْ كان لما تقدّم وجاهته وتقديره، فأنا أعتقد أن مرض الأمة كامن في داخلها، فالعقلية السائدة، وما أفرزته من مظاهر سلوكية تاريخية، يمكن عده مولداً دائماً للأزمات ولمظاهر التخلُّف العملي..

والواضح أن بؤرة الأزمات اليوم تنطلق من المناخ الاجتماعي والسياسي والديني السائد، وتأتي على رأسه مسألة تجيير الدين واستغلاله في لعبة السياسة، وتسعير الشعارات المذهبية، وتوظيفه في صراعات المصالح وتمكين النفوذ.. وهذا الاستخدام أو التجيير السياسي للدين أو الاستنفاع والتكسب منه يأتي على يد رموز الدين نفسه، وعلى أوسع النطاقات، بل أصبحت هذه القضية أشبه ما تكون بمذهب جديد له رموزه وأدعيائه …

إنه التكسب الرخيص من وراء حوادث وتحولات تاريخية مؤلمة، سبق أن حذر من استعمالاتها السياسية والطائفية، كثير من المفكرين والعلماء الكبار كمطهري وشريعتي والصدر وفضل الله وغيرهم.. ولعل حادثة الطف أو واقعة كربلاء التي قتل فيها الإمام الحسين وكوكبة من أهله على يد السلطات السياسية الأموية التي كانت قائمة آنذاك.. لعلها من أهم تلك الحوادث التاريخية، التي تجري عملية استثمارها واستغلالها وتحشيد الناس بصورة ومشهدية قطيعية فظيعة فيها.. حيث لاحظنا كيف فجرت كربلاء كثيراً من القضايا والأفكار الإنسانية والاجتماعية، ووجدنا مثلاً أن هناك من لا يزال –في القرن الواحد والعشرين- يطرح شعارات الثأر للحسين ولآل البيت الذين قتلوا واستشهدوا ورحلوا إلى الرفيق الأعلى منذ أكثر من 1375 عاماً.. ولكن الثأر ممن؟ ولماذا؟… ثم هل نحن بحاجة لتجفيف منابع التوتر والعصبية أم زيادة رقعتها ومساحتها؟..

إن من يريد الثأر من قتلة الحسين، ليس له سوى طريق واحد وهو: طريق الجهاد العلمي والمعرفي، والنضال السلمي ضد التخلف والفساد والطغيان.. وما عدا ذلك حقد وانقسام ودمار مجتمعي..

إننا نعتقد أن محبة الأئمة وأهل البيت تجري على ألسنة وسلوك السنة والشيعة على السواء.. والتشيع لهم، ليس ملحمة بكاء دائمة لا طائل منها.. والتشيع ليس دعوة تحريض على الفتنة والثأر والطائفية كما يريده البعض..

التشيع لآل البيت إحياءٌ لأمرهم باليسر والسلام وإفشاء ثقافة الإنسان.. “ثقافة-القيم” الإنسانية التي جسد الأئمة(ع) من خلالها فكرة العدل وقيمة التسامح وسلوكية الانفتاح حتى على مخالفيهم ومقاتليهم، والمنقلبين عليهم..

كانوا هم فعلياً: أئمة القلوب وغيرهم أئمة الأجساد..

هنا تكمن قيمة آل البيت، في كونهم رفضوا الظلم والظالمين من داخل بيئة الإسلام ومن خارجه.. من الموالين والمخالفين على السواء.. بل ورفضوا الحزبية والعصبية الدينية والسياسية..حتى أن الإمام علي بن الحسين زين العابدين كان يقول:

..”..العصبيّة الّتي يأثم عليها صاحبها أنْ يرى الرجلُ شرارَ قومِهِ خيراً مِن خيارِ قومٍ آخرين, وليس من العصبيّة أن يحبّ الرجل قومه، ولكن من العصبيّة أن يعين قومَه على الظلم”.

فأين نحن من هذا الرقي والسمو الأخلاقي الإنساني، فكرياً وسلوكياً في ظل هذا الواقع والمناخ العام السّوداوي الذي نقبع في داخله دونما قدرة أو إرادة جدية فاعلة على هتك أستاره وحجبه الواهية؟!!!

لهذا، لا تبكوا على الحسين بكاء التقاليد، ولا تذرفوا عليه دموع العادة والألفة مع الخطأ.. أصلاً هو لا يحتاج لمزيد من الدموع والدماء.. الحسين يريد العاطفة العاقلة التي يسير صاحبها على نهج وخط العدل والإنسانية..

..إن إصلاح منظومتنا الفكرية والتجديد في وعي حوادث التاريخية، وعدم توجيهها لضفة المصالح وإخضاعها لمنطق التحزبات الفئوية الضيقة.. أي العمل على إصلاح الحال-إصلاح الذات الدينية والمعرفية الثقافية- هو المدخل الضروري والقاعدة الأساس والأصل لإصلاح الفرع. لأن صلاح البدن من صلاح النفس و”الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”. وما نشهده في لحظتنا الراهنة من دعوات ثأرية واستقطابات طائفية وتناحرات مذهبية وانقسامات وتفرق وتشتت وتوترات فكرية وعملية –ومنها على سبيل المثال مرض التعصب والتطرف الديني الأعمى- يعود أساساً لجذور معرفية لاهوتية عقائدية (تم تسييسها)، قبل أن يكون لأسباب اجتماعية أو اقتصادية أو غيرها.

فـــــسلام على الحسين يوم ولد، ويوم استشهد، ويوم يبعث حياً…

لا تعليقات

اترك رد