مقاربتي النقدية للقصة


 
(لوحة للفنان كامل حسين)

العنوان: حوارٌ
المتن: ” على طاولةٍ واحدةٍ جلسا، تعالتِ الأصواتُ، كلٌّ يجذبُ الحبلَ لغاربهِ، هذا يتوَعّدُ…وذاكَ يهدِّدُ… ومنْ بعيدٍ ترقبُهما بلهفةٍ؛ عينا الذِّئبِ. ”
القاصة: رغدة العلي

لا مشاحة في أن القصة القصيرة جدا هي ذلك المكون الأدبي الحديث المتماشي مع الحداثة اليوم، بما ترفده من مستجدات على جميع المستويات وعلى مختلف الأصعدة.. وذلك لتميزها كفن إبداعي سردي قصير الحجم، على المستوى التركيبي.. لكنه طافح بالمعاني على المستوى الدلالي..

والقصة القصيرة جدا التي أمامنا على مشرحة التحليل والتأويل، هي خطاب سردي منفتح على استلهام مكوناته وبنياته العميقة من الثقافة والفكر والتاريخ والسينما.. وكل ما يمكنه الاستعانة به، ليكوّن ذاته باعتباره نصا إبداعيا، له مقصديته التواصلية وأثره البالغ في المتلقي… وأول ما يرتكز عليه النص القصصي القصير جدا العنوان / العتبة إذ يعدّ مدخلا أساسيا مثيرا لفضول المتلقي…

فإذا تأملنا في كلمة (حِوَارٌ) نجد أنها مصدر على وزن فِعال (بكسر الفاء وفتح العين) فحاور من حوار ومحاورة، وهذه صيغ مشتقة من الفعل المزيد (حاور) على وزن فاعل الدال على المشاركة التي تتطلب وجود فاعليْن اثنيْن بالضرورة لكي يتحقق الحوار..

هذا على المستوى اللفظي القريب أو البنية السطحية للعتبة، أما على مستوى البنية الدلالية العميقة.. فإننا نتصور بالتأكيد أننا أمام فاعلين، أحدهما متكلم والآخر مستمع، والعكس صحيح.. وبينهما رسالة لغوية تواصلية، أنتجت (حوارا).. هذه الكلمة المعلّقة على واجهة النص / القصة.. جاءت هنا نكرة بدون تعريف الأداة (أل) وبدون تعريف (إضافي) لها، مما جعلها تمنح النص انفتاحا واسعا ومنفتحا في ذات الآن على تأويل المتلقي لمكامن بنية هذه القصة القصيرة جدا بقراءات متعددة وممكنة..

وهنا ألاحظ حسب تقديري أن القاص قد استفاد من توظيف الكتابة السينمائية أو ما يعرف ب (السيناريو أو المَشاهد أو اللقطة السينمائية) في هذا النص.. حيث تضمن النص كل ما يحتاجه المخرج من (أكسوسورات..) لتأثيث الفضاء الذي ستجرى فيه أحداث القصة.. لذا نجد أن القاص بدأ بوضع المتلقي وكأنه يتابع مشهدا مسرحيا أو سينمائيا..

1) فعلى مستوى المكان المؤثث ب (طاولة واحدة..) والطاولة تستدعي بالضرورة ما سكت عنه النص أو السارد (اختزالا وتكثيفا).. وأعني بذلك الكرسيين يحددهما بالضرورة فعل (جلسا) الذي يشير إلى المثنى المذكر لوجود شخصين / فاعلين..
2) على مستوى الزمان الذي يعتبر العاكس لمجريات الأحداث المحددة بالصوت في الفعل (تعالت الأصوات) بفعل النقاش الحاد الصادر عن الشخصين المحتملين…
3) على مستوى الحركية للبطلين المفترضين في النص وهما يتحاوران (كلٌّ يجذبُ الحبلَ لغاربهِ،) هذه الحركية الصادرة عن توثر المتحاورين، حيث كلٌّ منهما يريد أن يكون هو الأقوى، أو هو الأغلب.. وهنا استلهم السارد تعبيره على هذا المعطى القصصي، الحكمة العربية المشهورة (ترك الحبل على الغارب) وهو مثال يُضرَب لمن تكره معاشرته تقول: دعه يذهب حيث يشاء كما جاء في (كتاب مجمع الأمثال للميداني) …
4) على مستوى الحوار المتضمن في النص من خلال تعبير القاص على الثنائية المفترضة بين وجود شخصين وذلك بوجود فعل (جلسا / للمثنى) والفعل المشار إليه باسم الإشارة الدال على هذا المعطى كذلك (هذا يتوعد، وذاك يهدد..) وفيه إشارة إلى الصراع وعدم التفاهم بين الإثنين.. وهنا يكمن اللغز الخفي للحوار، وما وراء الحوار حيث أن المتحاورين الجالسين على طاولة واحد يرمز إلى أن هناك شيئا مشتركا يجمع بينهما، كل يدعي لنفسه أوفي نفسه، أنه الأحق به، أو أنه على الطريق الصحيح، وفيه دلالة على عدم تفاهم العرب في رسم خريطة الوحدة، ضد التعدد، ويستنتج ذلك من خلال ما يصاحب وجودهما من مراقبتهما وبلهفة شديدة (عينا الذئب) التي توحي وترمز إلى العدو الذي يترصدهما من بعيد، (فالعينان تشيران إلى الحراسة الشديدة، والذئب يرمز إلى العدو أيا كان..) وذلك على خلفية الخلاف الذي سيأجج المكان، ويحول الحوار إلى صراع… وهنا قد أفلحت القاصة في توظيف سيميائية الدلالة بما ترفده من إيحاءات وإشارات وعلامات تقود القارئ إلى فك خيوط النص والغوص في بنياته العميقة…
…………….

هذا وقد تبين لنا من خلال هذه المقاربة النقدية التأويلية للقصة القصيرة جدا (حوار) على أن الساردة قد وفقت في توظيف آليات القص الناجح بامتياز..

المقال السابقنحتاج الى لغة انسانية
المقال التالىثلاث بيشمركات وسبعون دويلة
ذ.عبد المجيد بطالي.. شاعر وقاص وفنان تشكيلي وناقد مغربي من مواليد 1958 بمدينة الدار البيضاء. حاصل على الباكالوريا سنة 1982. حاصل على الإجازة في اللغة العربية وآدابها / كلية الآداب والعلوم الإنسانية / جامعة الحسن الثاني / عين الشق / الدار البيضاء 1986. حظيت مجموعة من قصائده بالنشر الرقمي في مواقع إل....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد