نحتاج الى لغة انسانية


 

يقول الكاتب احمد قويدر في مقال له موجود على الشبكة بعنوان هل أفادت الأديان الإنسانية أم أضرت بها ؟” : عجيب أمر البشر ! كل واحد يعتقد أنه صاحب الحقيقة المطلقة في هذا العالم ، وغيره في ضلال مبين . هل هي الفطرة التي يولد عليها الإنسان ، أم أنها الأفكار التي يلقنها له المجتمع الذي ينشأ فيه ؟ ..” لذا بعيداً عن التطاحن الديني، باعتبار اي الاديان اكثر انسانية من الاخرى، واي الانبياء اكثر علماً وقربا من الله من الاخر، واي الرسالات كانت الاهم وايها الاخيرة وايها القومية وذات نطاق جغرافي اثني محدد وايها عالمية، بعيداً عن كل ذلك، فان الانبياء والرسل والالهة والكتب المقدسة والمصلحون والمقولات والمأثورات والقيم التي تركها هولاء -رغم يقين المؤمنين بهم بانهم بذلوا جهدهم في تحقيق العدل الانساني – الا انها كلها باءت بالفشل الذريع، بل وحسب اعتقادي انها ادت الى الكوراث التي نعيشها الان، من دمار حقيقي لكل البنى التحتية الاسرية والاقتصادية والمعيشية والسياسية والانسانية.. وهي نفسها السبب في ظهور النزعات الانسانية الحديثة التي تنادي بعزل كل ما متعلق بالله والاديان عن الحياة البشرية ” الانسان ” وترك الانسان يقرر من خلال اخلاقياته التي فرضتها طبيعة حياته عليه ان يعيش حياته، وقد اتضح هذا الامر من خلال البيان الذي اعلنه التنظيمات المشتركة في الاتحاد الانساني والاخلاقي العالمي IHEU)) حول مفهوم الانسانية ” الإنسانية هي طريقة حياة (life stance) ديموقراطية و أخلاقية و التي تؤكد على أن البشر لهم الحق و عليهم المسؤولية أن يعطوا شكلا و معنى لحياتهم الخاصة. هي تعتمد على بناء مجتمع أكثر إنسانية من خلال أخلاقيات مؤسسة على الإنسان و قيم طبيعية اُخرى بروح المنطق و البحث الحر من خلال قدرات الإنسان. هي لا تؤمن بإله واحد و لا تقبل الرؤى فائقة الطبيعة للحقيقة…” ، ان هذا المنطق الذي يعتبره اصحاب الاديان الحاداً على الرغم من معرفتهم ان المذهب الانساني في الاساس مبني على رفض ما تفرضه الاديان، الا ان هذا المنطق ليس وليد لحظة غضب، او حالة شاردة، او حتى كارثة واحدة ، او هرطقة دينية – زندقة – انما هو وليد تفكير واقعي عملي علمي بالواقع العياني الذي يعيشه الانسان على الخراب الارضي، والذي يرى في كل لحظة تاريخية عابرة مأساة تتكرر بالوان واشكال ووسائل مغايرة لكنها في الاصل تخدم الهدف نفسه وهو الابادة الانسانية، وفرض ايديولوجيات تضع لغة الانسان ولون بشرته بل حتى الحدود الجغرافية التي يعيش فيها هي المعيار الذي يمكن من خلاله الحكم عليه بالصعود او البقاء في الهاوية.
على هذا فان القول ” بان الإنسانية لا تُختصر في مجموعة مواصفات وتعابير إرتجالية قد يراها كل إنسان من وجهة نظره على أنها الإنسانية ،وإنما هي مفهوم ينبغي بناؤه على فلسفة إنسانية لها أسس منطقية تبدأ من مفهوم الكلمة وما يتصل به من معنى لغوي واشتقاقات ، لتتبّع الدلالات البعيدة فيها وقراءة الشيفرا التاريخية والحضارية والأخلاقية في التراث الإنساني الذي تعتبر الرسالات النبوية في منطقة الشرق الأوسط أول مصادره في التاريخ البشري ..”، قد اصبحت مقولة باطلة بنظر الكثيرين ممن يرون ان الاحداث التي تعصف بالبشرية تبرهن يوما بعد يوم انها” البشرية ” غير مؤهلة لحمل اية رسالات او اية قيم او حتى انها غير مؤهلة لأن تمنع عن نفسها السقوط والانحلال والانحدار ضمن تلك الموروثات، لذا فان اية مقولة تجعل من الاديان مصدر قيم انسانية لايمكن قبولها لكونها الاديان نفسها هي التي اورثت هذا الشرخ اللاانساني بين البشرية نفسها، بحيث اصبحت كل واحدة منها تنادي انها وحدها على الحق وغيرها باطل، فتحولت البشرية من قطعان خراف متناحرة على الرزق الى قطيع ذئاب باحث عن الزعامة والسيادة.. مبتعدة يوما بعد يوم عن اي ممر قد يؤدي ولو بالصدفة الى خلق الانسجام بينها وبين المقاهيم البلاغية اللغوية التي تنادي بها، وليس هناك اتعس من شعوب واقوام بنت وجودها على وهم الماضي من خلال الصياغات البلاغية التي تستخدمها كغطاء وهمي لخيباتها التي تتناسل من وجودها القبلي او الاثني او القومي او حتى الديني.

ان غياب الانسجام المنطقي بين الوجود البشري وكل منطلقاته فرض على الواقع ولادة جديدة تمثلت في انحياز او تمرد العقول الانسانية على الموجود السبقي الفرضي المؤدي الى التناحر، والتوجه الى حلقات ودوائر انتمائية فلسفية بنت مبادئه وا اسسها على المنطلقات والدلالات التي تمجد الخيار الانساني الفلسفي والذي يؤدي بالتالي الى فهم انساني شمولي قابل للتطبيق وللممارسة في الحياة العلمية والعملية من اجل تحقيق الهدف من وجود المنطق اساساً.. فحين نجد ان الخيارات المتاحة للبشرية ضمن دوائر الافكار والاديان لاتسمح لهم بالتحرك الا من خلال معادلة الكسب( التبشيري الدعوي) او التفرقة – فرق تسد – فان الخيارات الانسانية الاخرى الخارجة من وراء تلك الاغطية والدوائر تعطي انطباعات اكثر قبولا لاسيما فيما يتعلق بالعمل الانساني الجماعي والذي يؤكد يوما بعد يوم انه الخيار الامثل للخروج بمعضلة فقدان اللغة الانسانية التي تفرضها الاديان والجغرفيات الاثنية واللونية والاقتصادية، فالرؤية المشتركة لايمكن ان تكون وليدة هذه الاديان حتى لو انها خرجت للاعلام ظاهريا وادعت نسيان النعرات والطموح السيادي، لكن وجود فئات تؤمن بالعمل الانساني وفق منطق التسيد الاخلاقي الانساني الساعي لتحقيق وجوده ضمن آليات التواجد داخل الدوائر التي فرضت عليه تجعله يؤمن بالعمل المشترك لكسب ولتحقيق ما يصبوا الانسان اليه من وجوده على الخراب الارضي، وهذا بالتالي يخلق المفهوم الانساني المتمرد على منطق اللغة الانسانية المفقودة، بحيث الانسانية تكون في الاساس الانتماء الى الانسان، فيكون كل انسان هو أنا، وفي الوقت نفسه يرى كل انسان اخر بانه أنا بالنسبة اليه، ولعل من يعلق على كلمة الانا هذه ويعتقد بانها نابعة من الانانية الوجودية، الا ان بروز منطق ال” أنا” ضمن سياقات هذا العمل الانساني ضرورة كما يقول المفكر الايراني علي شريعتي، لانه حين نُقّر ال ” أنا” لايعني ذلك اننا ننفصل عن الكون، فال” أنا ” هنا تعني مجموعة ما يمتلكه ” انا” من الذخائر الانسانية، وانا نفسي يعني مقدار محتوياتي وخصوصياتي بحيث اذا سلبت مني هذه الملكات فلا اكون شيء او ليس لي اعتبار وال ” انا” لكل شخص تعني ما يملكه الشخص وما لايملكه، وان نفسنا تعني مجموعة ما نملكه نحن اي تلك الاشياء التي تجعل لنا وزنا وتشخصياً عن الاخرين، وعلى هذا الاساس نخلق من أنا ممراً لتحقيق الكثير من الأنا ضمن منظومة وجودية قائمة ومتحررة من السطحيات التي تسيء فهم استخدام الموروثات الرسالاتية لكسب مصالحها الشخصية على حساب الوجود البشري الانساني، وهذا ما قد يثمر ويفتح ممرات مشتركة للخروج من ازمة فقدان اللغة الانسانية، بل من ازمة فقدان البشر لانسانيتهم تحت غطاء تحقيق مصالح الله على الخراب الارضي بالطبع ضمن ادعاءات الاديان.

لانه لايمكن ان يؤمن انساني بان من ما ورد في الكتب المقدسة وما يقوم به اصحاب الشأن الديني في جميع الاديان هو امر الزامي لانهم يرون كيف ان تلك النصوص باعتقادهم جرفت البشرية الى الهاوية والحضيض بحيث اصبح من الصعب تدارك الانسان واخراجه من تلك الهاوية ، فان الانسان حين يجد نصا مقدساً يفرض الفوقية والدونية فانه بلاشك سيكون من الاعتيادي الكفر به دون الرجوع الى معطيات الكفر نفسه، يقول الكاتب اسرائيل شاحاك ان هناك نص في التلمود محذوف بداعي الخجل، يأمر كل يهودي أن يتلو كلما مر بالقرب من المدافن، تلاوة مباركة اذا كانت المدافن يهودية، واطلاق اللعنة على امهات الموتى اذا كانت المدافن غير يهودية، ويجري في الواقع تلقين تلامذة المدراس لهذا الامر التلمودي.. وفي المقابل سنجد ان المجامع المسكونية التي كانت تعقد لتصحيح العقيدة والبت في الهرطقات في العالم المسيحي تحولت شيئاً فشيئاً الى مجامع ارهابية تفرض السلاح على المؤمنين يقول جان فلوري، في كتابه الحرب المقدسة الجهاد… انه في مجمع أرل المنعقد عام 314، اقر الشرع الكنسي في البند (3) ” بالنسبة الى هولاء الذين ينزعون اسلحتهم في اوقات السلم، تم القرار بان يبعدوا عن جماعة الايمان..، وعزز ذلك في مجمع نيقيا 325، حيث اكد الشرع الكنسي في البند (12) ان مثل هذه التخاذلات يقضي بعشر سنوات من عقاب التوبة على جميع من حسبوا من المستحسن ان يهجروا صفوف الجيش.. وليس بمخفي عن احد كيف ان ايات السيف في الاسلام أُحتُكِرت من قبل بعض الفئات والجماعات الارهابية التي تفرض الان ضريبة على الامان والسلام في العالم باجمعه بحيث لم يعد المرء يأمن على نفسه السفر براً او بحراً او سماءً.

ان ما تفرضه هذه الوقائع وهذه الاحداث وتلك المقولات هي نفسها التي دعت الجماعة الانسانية الى تبني ما هي عليه الان، ولااعتقد بانه يحق لاحد الشك في القيم الانسانية التي تنادي بها طالما هي قيم لاتضع الفروقات الدينية او الانتمائية الاثنية العرقية او اللونية لكونها في الاساس اتت كثمرة للعمل الفكري العلمي العملي المشترك بين الجماعات البشرية التي انتهكت الرغبات الرسالاتية وجوديتها وفرضت عليها الدخول ضمن منظومات ادعائية ظاهراتية تعمل انسانيا في العلن وتخدم اهدافها الرسالاتية في الخفاء دون الاهتمام بالمكنون الانساني للانسانية في العمل المشترك المحقق للغاية الانسانية.

لا تعليقات

اترك رد