الكف المقبوضة لا تُصافح

 

يصعب علينا أن نمد يدنا لنصافح اليد المقبوضة، المصافحة تحتاج لكف مبسوطة تحمل الرغبة للسلام وتفوح من بين خيطانها رائحة الدفء ويشع منها ضوء السلام!
السلام ليس مجرد صورة لحمامة تحمل غصن زيتون، وليس مجرد كلمات نطلقها ومن ثم تتبعثر كذرات عائمة في الفضاء.
المصافحة ليست مجرد أصابع تتشابك فيما بينها؛ لكنها إحساس صادق ومشاعر جياشة تصبو للوصول إلى حالة الأمان والطمأنينة للعيش المشترك في مكان واحد من المفترض أنه يتسع للجميع!
كل اللقاءات الكبيرة التي حدثت وتحدث ما بين اللحظة واللحظة ما بين الأطراف المتنازعة تنتهي بالفشل لأن الرغبة والدافع للسلام غير موجودة في الأجندة المدونة مسبقاً من قبل الطرفين.
اليد القابضة على ذاتها تحبس عنها الهواء وتضغط على شرايين الدم حتى يكاد تتفجر عروق الكف وهذا الاحتباس وعدم بسط اليد وفتحها هو الذي جعل الدم يسيل عزيراً في شوارع الأوطان كلها. كيف لليد الأخرى التي تقف بمواجهة اليد المقبوضة لها أن تصافحها وهل هناك من إنسان يرضى لكبريائه أن يصافح يد منغلقة ومكتوفة الرغبة للمبادرة والسلام؟
قبل أن تذهب الأطراف المتنازعة للجلوس على طاولات الحوار عليها ألا تنسى أن تأخذ معها الرغبة الصادقة معها؛ لأن السفر بدونها لا معنى له وسوف تكون اللقاءات تحصيل حاصل والانتهاء من حيث البدء والعودة إلى الصراع ونزف الدم بغزارة أكبر؛ فكلما تأخر وصول السلام ارتفعت حرارة النزاعات وانحراف مؤشر الكراهية والتناحر إلى الأعلى.
هذه الكف المقبوضة على صغر حجمها هي التي فعلت تلك الحروب وهي التي أطالت عمر القتل وخلقت الفوضى في البلاد، هذا الكبرياء الكاذب والمكابرة هي التي أحرقت الحقول وهدّمت البيوت وشردت الناس وجوّعت الملايين؛ فقط لترضي رغبتها السادية وتلذذها بلون الدم!
هذه اليد المكتوفة عن المبادرة والاعتراف بالخطيئة ومصافحة الكف الأخرى هي من تنهي الحرب وهي من تشعل الأرض بالموت والقهر. هذا العناد والتزمت بالرأي كفيل بأن يجعل من النساء ثكالى أكثر ويزيد من عدد اللاجئين والمشردين ويجعل من بلادنا عرضة لدخول المجانين والمصابين بأمراض نفسية وأخلاقية ليفرغوا في بلادنا حالاتهم المرضية ونزعاتهم الدموية من تقطيع البشر إلى أشلاء وتهجير السكان من بيوتهم ونشر حالة الفزع والخوف وتفريغ الأوطان من سكانها الأصليين
كل ما في الأمر هو أن توجد رغبة طافحة بالحب وصدق المسعى للمصافحة وإنهاء الخصومة فيما بينهم ووقف إراقة الدم. لماذا تبخلون أن تفتحوا الكف المقبوضة وتتصافحوا؟ متى تفهمون أنكم مجرد دمى تحرككم أصابع غريبة من الخارج لتظلوا في حرب طاحنة وتستمروا في قتل شعوبكم؛ فقط ليصففوا لكم ويسخرون من عقولكم أنكم تقتلون شعوبكم وتحرقون أوطانكم وهم يأتون ليأخذوا الغنائم وينسفوا تاريخكم وتاريخ أجدادكم ويحتلوا بلادكم وتجعلون من شعوبكم عبيداً.
لم يا أهل القرار الحاسم لا يتنازل أحد منكم عن عناده إكراماً للإنسان ومن أجل الإنسان؟ أما يكفي ما اخذتموه من حصة الوطن أما يكفي ما عشتم به من نعيم وفنادق باذخة من كثرة الاجتماعات واللقاءات الكاذبة والمرسوم بدايتها ونهايتها وما أنتم سوى ممثلين كل واحد منكم يؤدي دوره ومن ثم ينتهي إما بدخول نجم جديد وأما أن تتحولوا إلى كومبارس تؤدون ادواركم من وراء الكواليس!
افتحوا أكفكم المقبوضة وتصافحوا لأجل الطفولة ولأجل آخر ما تبقى للأمهات من نبض ودموع

المقال السابقثلاث بيشمركات وسبعون دويلة
المقال التالىملاحظات علي دفتر الغباء
الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح. الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصيدة توأمة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد