الخواجة عبد القادر …وعودة للزمن الجميل


 

بداية لايختلف اثنان على ان العمل الجيد والشئ الجميل لابد ان يجذب اليه الانظار، فما بالنا فى خضم هذا الكم الهائل من المسلسلات والبرامج التى تعج بها شاشات التليفزيون وهذا السباق الغريب بقصص وسيناريوهات قد تكون مكررة وقد تكون مقتبسه وقد تكون دون فائدة ، اللهم الا قلة كانت ذات هدف ومضمون وبُعد اجتماعى وواقعية بعض الشئ، وقبل ان اخوض فى هذا المضمار اريد ان اؤكد باننى اننى عندما اتابع بعض مايعرض اتابعه بعين الناقد الذى يبحث عن الابداع والجمال فى كل شئ يتضمنه العمل الدرامى وما وراء الكواليس التكنيكية والفنية ، وكثيراً ما اُسر عندما التقى مع الفنان المبدع يحيى الفخرانى فى اعماله التى اتيقن من تميزها الفائق بحسى الفنى وحسن اخيتياراته الدائمة لسيناريوهات اعماله ، فعبر عدة سنوات متتالية استطاع هذا الفنان المُقل فى اعماله ان يخطف قلوبنا ويؤثر وجداننا بتلك الاعمال المتلاحقة والتى كان آخرها ” الخواجة عبد القادر ” الذى قلما ان يعرض او يعاد عرضه الا ويتابعه الجميع كما لو كانوا يشاهدونه لاول مره ،هذا العمل المتفرد فى كل جوانبة الابداعية ، من تأليف وسيناريو الى انتاج ثم اخراج وتمثيل وموسيقى واختيار للادوار والاضاءة والمناظر والمواقع ، فالسيناريو المحكم لعبد الرحيم كمال، جعلنا نغوص فى بحار الشخصيات ونتعايش معها ونتمسك بالعمل حتى النهاية وربما يكون مافعله المؤلف من ربط الاحداث بطريقة الفلاش باك وسرد القصة عن طريق الشيخ كمال مع المزج بين الماضى والحاضر هو ماجعل العمل متسلسل برباط يجعل المتلقى ملتزماً به من البداية حتى النهاية فإذا ماغابت عنه حلقات البداية لايستطيع المتابعة باستنباط الاحداث او بالسياق ومااكثر الحلقات التى استطاع فيها المؤلف والمخرج معاً الربط بين الماضى والحاضر فى آن واحد ومع هذا العمل الفائق الجودة والذى ابرز بالتجربة الإخراجية الواعدة لشادى الفخرانى، مرورا بالموسيقى التصويرية الموحية للمبدع الرائع جدا عمر خيرت، والتى كانت تحمل جملة الحلاج ( والله ما طلعت شمس ولاغربت الاوحبك مقرون بانفاسى ) بتاغم الايقاع مع الكمان فى تناسق وسياق يخطف الالباب والعقول ،وليس بهذا بجديد على عبقرية عمر خيرت الذى كان له السبق في إعادة توزيع الأغاني التي لحنها محمد عبد الوهاب مثل: أنت عمري، وامتى الزمان يسمح، ووضعهم في البومي وهابيات 1 و 2 والذى تجاوز بفنه وموسيقاه حدود المحليه ، كذلك الأداء المتميز لتلك الكوكبة الكبيرة من الفنانين، وهو ما أعاد اكتشاف بعضهم، وعلى رأسهم أحمد فؤاد سليم وصلاح رشوان ومحمود الجندى، وسماح السعيد فى دور شهوية. كذا الفنانة السورية سلافة معمار التى جسدت دورها باقتدار بالغ رغم اختلاف اللهجة ..وتلك الشخصية المركبة الغنية فى مجملها النفسى ،بسمات النعومه والقوة والالتزام والدلع والعقلانية والشرود ..الخ ،

ان هذا المسلسل الرائع الذى مضى على انتاجة سنوات استطاع وبحق وبكل عناصره الابداعية وكما ذكرت معالجة التطرف والجهل والطمع والتفكك الاسرى درامياً بواقعية شديدة تتناول احداثاً تتشابه فى مجملها مع واقعنا الحالى وتلقى بظلالها على المستقبل وتؤكد على جمال وحلاوة الاسلام عندما لايشوبه الجهل والتسلط والانانية وعندما يتخلى عن شوائب التعصب وحب الدنيا بشهواتها وملذاتها ويشير الى مواطن ودرجات النفس الانسانية من مرحلة اللوم الى الاطمئنان

لقد استطاع الكاتب ان يجعل مدخله للمعالجة الدرامية اسلام (الخواجة هربرت واعتناقه الاسلام على يد احد الاولياء المتصوفة بالسودان )… مع الاشارة الى منهج التصوف فى شخص الحسين بن منصور الحلاج وهو من ائمة التصوف فى القرن الرابع الهجرى ويكنى أبا مغيث . وقيل : أبا عبد الله . نشأ بواسط . وقيل بتستر ، وخالط جماعة من الصوفية منهم سهل التستري والجنيد هذا العاشق الذى تفرد بحبه فزهد عن الدنيا وخلع نفسه من دنائاتها ولاذ بالحب الالهى حتى ملك عليه الوجد نفسه فأتلفها ، و لأن البوح بالوجد معصية قتلوه كأي عاشق آخر لظنهم به انه قد أشرك فتسبب عشقة وحبه ونزوحه فى قتله فكان شهيدا للعشق الالهى لم يدرك درجته الا القله وتتسلسل الاحداث لتظهر لنا تأثر الخواجة هربرت بالاسلام السمح الوسطى المتجرد من التشدد والتعصب والبعيد عن الاغراض الدنياوية الزائلة ، والتزامة بالصلاة والعبادة والذكر الدائم ودخول الحب قلبه ليتحول من انسان مستهتر سكير كاره للحياة بعد موت اعز احبابه كما كان يعتقد، الى شخص مرهف الاحساس رقيق المشاعر محب للصدق والامانه والخير للجميع ليأخذه الوجد والصفاء النفسى بعد ذلك الى أبعد المسافات بالرؤيا الصادقة والاعمال الالهية التى تعين الاشخاص على الخير ليصل الى مراتب الولاية بالاحسان والصدق والرضا . فى غمرة احداث متلاحقة تكشف طمع الانسان وجشعه فى شخص عبد الظاهر صاحب المحجر الذى يعمل به الخواجة عبدالقادر والذى يتوارثه ابناءة واحفاده .وتتوالى الاحداث التى تحمل بين حين واخر من قاع الدنيا باطماعها الى قمه الروحانيات التى ترقى بالوجدان فمن خلال الكرامات الالهية فى شخص الشيخ السودانى عبدالقادر من جهه ..والخواجة عبد القادر من جهة اخرى التى مايزال ينكرها البعض يؤكد الكاتب عدة عناصر وامور اهمها حديث النبى الكريم صلى الله عليه وسلم أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : { إن الله تعالى قال : من عادى لي وليّاً فقد آذنته بالحرب ، وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، ولئن سألني لأعـطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه.[رواه البخاري:6502
ولان هذا حق فقد شاهدنا دعاة الاسلام وهم ينتون ويحاولون هدم ضريح الخواجة عبد القادر وما واجههم من كرامات لصاحب المقام جعلتهم يتعجبون ويندهشون وهم لايدركون الحقيقة التى تصدقها قلوبهم وترفضها عقولهم !!…هكذا نجحت كل عناصر المسلسل الفنية ليخرج لنا يحيى الفخرانى وشادى وجميع المشاركين به بابداع يجعلنا ننتظرهم فى نجاحات اخرى

لا تعليقات

اترك رد