دمُ الكرستالِ للشاعر د. سعد ياسين يوسف ودلالات اللون والشكل

 

– أحياناً – لا تغرينا عناوين بعض القصائد لسبب او لآخر ، لكن – هناك – منها ما يحفزنا على التقرب منها ومحاكاتها ، بل محاولة سبر اغوارها والكشف عما فيها ، لكي نتعرف على ما تخبّئه في بواطنها ، كونها تمثل شحنة متناسقة في انبعاثات متراصة دلالياً ، لما لها من تفخيم الوقع وتوثيقه نصياً ، تركيبة ( دم الكرستال ) تثير فينا سؤالاً : هل لدلالة اللون والشكل أثر في الاثارة – نفسياً – لدينا ؟ أم أنه مجرد عنونة عابرة لا غير ، استطاع من خلالها الشاعر تسويق مفهومة الجذب التناسقي المؤطر بحيثيات التداخلات الهرمية فينا ؟ .
( دم الكرستال ) إحدى قصائد الشاعر الدكتور ( سعد ياسين يوسف ) ، ضمن مجموعته الشعرية ( أشجار خريف موحش ) عنونتها لها الاثر المتكامل في رسم الصورة اللونية الشكلية ، بتفصيلاتها الدلالية ، فالـ ( دم ) لون الاحمر القاني يحمل السمة الذكورية و ( الكرستال ) بلورة زجاجيه شفافة تحمل سمة التنبؤ بالمستقبل ورؤية الطالع ، وهي اسم علم مؤنث لاتيني الاصل ، هذا التجانس والتجاذب ما بين اللون والشكل ، اصبح تركيباً دالاً بحد ذاته ، لأنه جسّم انعكاس الرؤية المتشابكة داخليا ً .
نقرأ فيها :
لا تُطفئوا الضوء َ
لا تُغلقوا النوافذَ
لا تُسدلوا الستائرَ
لا تُسكتوا الفواختَ
لا تُمسكوا الدموع َ
لا تُقفلوا الأبوابَ
هذه اللاءات التي اطلقها الشاعر تباعاً شكلت هرمية منسجمة مع ما بعدها كونها تحمل زفير ضغط نفسي متراكب ، لأنها صرخة ضاجّة بالرفض والتمرّد العلني ، كون ( لا ) الناهية ، مادة انفجار الذات التي لا تستطيع تحمل ما يدور حولها دون ان تبث ارساليات التغيير للنمط الحياتي الرتيب .
فالشاعر امتلك القدرة التنسيقية ما بين الافعال والأسماء التي ارتبطت ذاتياً بحرف النهي ( لا ) : ( تُطفئوا الضوء / تُغلقوا النوافذَ / تُسدلوا الستائرَ / تُسكتوا الفواختَ / تُمسكوا الدموع َ/ تُقفلوا الأبوابَ ) هذه التراكيب حملت بعداً دالاً التحرر من القيود والأصفاد ، وعدم العبودية ، بل ان الذات المتحررة قادرة / فاعلة في تمزيق الشتات والضياع والخنوع ، فهي اذن / ذات أفق رحب ، لا حدود له .
دمُ الكرستالِ على الرصيف ِ.
بهِ من لونِنا …
عيون
به من جرحِنا …
عيون
بهِ الطفولةُ والحضارة ُ
بهِ التماعاتُ القرون ِ
بهِ الضوءُ الذي خبا
بهِ استفاقتْ سبعُ آلافٍ
من الوجعِ المرصعِ بالحجارة ِ
– هنا – وقف الشاعر ملوّحاً للآخرين ، للذين لم يروا ذاك البصيص المنبثق من دهاليز العتمة .. مما يحمله هو ، فـ ( دم الكرستال ) هو : ( عيون اللون / عيون الجراح / عيون الطفولة والحضارة / عيون التماعات القرون / عيون الضوء / عيون سبع آلاف / عيون الوجع … ) انها قراءة لما يخفيه الحاضر / الان ، في غيابات المستقبل / الغد .. هذا التوصيف المكثف في الدلالة الضاجّة ، تقول إليزابيث درو : ( إنَّ المبنى في ذاته لا قيمةَ له دون المعنى ، وإنَّ الاثْنين لا ينفصلان ، إنَّما الشعر استعمال خاصٌّ لِلغة ، ولكن قيمة أيِّ استعمال للغة هي أن تقولَ شيئا ً، لأنَّ اللغة وسيلة الاتِّصال بين الناس !) .
قبل اشتعالِ الماسِ
قبل أن يُفيقَ لحنٌ تائه ٌ .
لا تُسدلوا الستائرَ
لا تُغلقوا الشرفاتِ
دمُ الماس ِارتقاءُ الأرضِ للسماء .
لا تُوجعوا الحقيقةَ البكرَ
لا تجلدوا الظنونَ
بعد التكثيف التوصيفي الذي استخدمه الشاعر الدكتور ( سعد ياسين يوسف ) ، والذي حاول من خلاله ان يهيئ المستلزمات الضرورية ، للاستمرار في لملمة نقاط الثورة الداخلية / التي تشكل لنا عوامل اساسية في بثّ ارساليات ارتدادية ذات ابعاد عمودية .. ها هو ذا / تعتمل لديه محفزات معنى النص الدلالي ، لان فيه سمة الخروج عما هو مألوف في اطلاق شفرات ذلك الدّويّ الغائي ، من خلال الرجوع الى ( لائه الناهية ) التي شكّلت حضوراً ايجابياً / فاعلاً في تفعيل النتاج المرتقب :
( لا تُسدلوا الستائرَ / لا تُغلقوا الشرفاتِ / لا تُوجعوا الحقيقةَ البكرَ / لا تجلدوا الظنونَ ) انها تراكمات تجربة ادراكية حيّة ناضجة ، الهدف منها الازاحات المباشرة التي ترفض التغليف المموّه والمبطّن بشوائب اسقاطيات .
الدم ُ…
كانَ منارة ً
على الرصيفِ
… … …
جنونٌ … كلُ هذا
جنونٌ
ما زال الشاعر يلقي بظلال ما هو مستباح اشارة الى ( الدم ) برؤية اكثر دلالية كونه اخذ حيزاً مكانياً واسعاً ، وفضاء دالا ً على التمحور السؤالاتي الذي يثير فينا وجع ورغبة في الجنون المطلق .
يا أيها الماضون
رملُ التواريخ ِ
يا زبدَ الحروبِ ،
وافتراس َالياسمينِ
دمي هذا
استُبيحَ على الرصيف ِ
ينتظرُ القيامة َ
دعوة الشاعر ورغبته في استخدام النداء الضاجّ : (يا أيها الماضون / يا زبدَ الحروبِ ) حراك ذاتي مخبوء بسيمائية النصّ الباعث للمكوّن الحركي ، كل ذا / هو مذكرة رفض ، للمطالبة الحيّة ، في الحفاظ على ( دمي هذا ) التعريف البياني لماهية اقتفاء الاثر ، انه السرد الذي حاول – من خلاله – الشاعر اضفاء نمطٍ ابداعي خاصّ في توصيل معنى التوصيف الدلالي بصورة مباشرة .
يا أيها الماضون :
غداً ستعرفونَ
كيفَ الشمسُ
تُشرقُ
من هذا الرصيفِ .
وتصعدُ في دمي
شظاياهُ …
غمامة ٌ .. تُمطرُكم ألوانُها
… … …
تبدأُ الحياة ُ
تدورُ دورتَها
التي .. أوقفَها المحال ُ.
التقنية في بناء القصيدة التي استخدمها الشاعر الدكتور ( سعد ياسين يوسف ) من خلال اعادة بعض التراكيب وتكرارها ، لم يك محض صدفة ، وإنما كان ردة فعل الحدث النفسي الضاغط بقوة التفاعل الكينوني ، ليضع التوضيح التام في معرفة الطالع الذي اشرنا اليه آنفاً : ( غداً ستعرفونَ … كيفَ الشمسُ … تُشرقُ .. من هذا الرصيفِ . ) انها لغة التوحّد الحقيقي ما بين الحرية والدم المستباح ، المكون الرئيسي للحياة الكريمة التي ننشدها جميعاً ، كونها تمثل لنا غاية ، هو يتنازع مع ما حوله مكوناً صورة من التفاعل التقادمي المميز بدورة متكاملة لا حدّ لها .
بذا / كان الشاعر الدكتور ( سعد ياسين يوسف ) بما يمتلكه من ادوات فنية ايحائية ، ان يسقط ما عليه من حمولات متخمة من الضغط التوليفي ، ليضعه امامنا بصورته الحيّة ، كي نعيد النظر بهذا الامر – مرة أخرى – .

شارك
المقال السابقترنُمٌ أبكمٌ
المقال التالىدستورنا وقوانينه!!

حامد عبدالحسين حميدي .. شاعر وناقد عراقي من مواليد 1969 العراق – العمارة . حاصل الجامعة المستنصرية – كلية الاداب – قسم اللغة العربية ، تخرج فيها 1992/ 1993. يعمل مدرساً للغة العربية . عضو اتحاد الادباء والكتاب في العراق / المركز العام . عضو اتحاد الادباء والكتاب في ميسان . عضو....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد