الشيخ الفاسق


 

على الرغم من كونه ريفيا ابا عن جد .ولم يعش في المدينة لشهر كامل بشكل متواصل بل تعرف عليها عبر زيارات متباعدة ، لكنها اسرته بسعتها وبتفاصيلها المختلفة …. ولكن اكثرما جذبه فيها خماراتها ومواخيرها ونسائها المتبرجات … فقد اهتدى لمسالكها وزواغيرها واسرارها بسرعة عجيبة كأنه ذو موهبة في ذلك … تعلم دون أي معلم ولا لمثال احتذى به فلم يسبقه احد من معارفه أو من عشيرته أومنطقته لكنه كما يقولون كان فاسدا من البيضة وما سهل له ذلك كونه شيخا لعشيرة كبيرة تتسع اراضيها لعشرات الالاف من الفلاحين الذي كانوا يعانون من صنوف الاستعباد والاستغلال والفقر والجهل .. و كانوا يشكلون قيمة اجتماعية وبشرية واقتصادية يحسب لها حساب وتثير الذعر في العشائر المجاورة وفي تلك المنطقة، وكانوا في معظمهم ملتزمين التزاما وثيقا بالتعاليم الدينية والاعراف القبلية والتقاليد الريفية ولم يعرفوا الكثير من المفردات المتعلقة باللهو واللعب والعبث المديني ..وبقدر براءتهم وبساطتهم كان هو داعرا وفاسقا ومنحلا بشكل لا يصدق بل لحد لا يمكن تخيله خصوصا بالمقارنة مع اخلاق الريف المتسمة بالبراءة والبساطة..كان لا يترك ليلة دون ممارسة العهر و القصف ومعاقرة الشراب مع ندمان اشبه (بالعبيد) وكان لديه الكثير من الجواري والخلاسيات وجوقة من المطربين والمطربات وضاربي الطبول والدفوف … والذي كان يوفر لهم عيشة رغيدة وادعة ورفاهية لم يألفها الفلاحون ..كانوا اشبه بتنابلة السلطان يحيون من عرق الفلاحين دون ان يعملوا شيء سوى الترويح عن الشيخ الداعر.. فقد اوقف لهم الكثير من الاقطاعيات وخصص لهم رواتب ما يجعلهم يعيشون بهناء دون ان يخسروا قطرة عرق واحدة ….بل كل الذي عليهم ان يقضوا الليل حتى الصباح لمؤانسة ومنادمة الشيخ بالاغاني والطرف والتهتك .. والنوم كل النهار حتى المغرب …فاذا ما جن الليل هرعوا ثانية الى بيت خلوة الشيخ نساءا ورجالا واعدوا لوازم السهرة من شرب يتبضعونه من المدينة القريبة كل اسبوع واكل وحلوى ومزات وما تشتهي نفس الشيخ ونداماه …وقد ضرب شيخهم المثل الاعلى في فسقه ومجونه وحبه للشرب والطرب، فقد اجبرته العادات والاعراف في سنة ما في الذهاب الى مكة و رضخ عن دون قناعة بل على مضض.. وبعد الحاح متواصل من( المومن) المله ..الذي كان يزن على اذنه بان احترامه سيتبخر اذا لم يذهب الى مكة وهو في هذا العمر …فكانت حسب قوله (كانت تلك الايام اثقل ايامه) ولما عاد من الحج تلقته حاشيته بالاهازيج الخاصة بالمناسبة والتي تشيد بزيارة مكة والمدينة وثواب الحج …مثل (ياهله بحجينه زار مكه والمدينة ) او (اهلا بالحجي الجايب ريحة مكه وياه) فاعترضهم غاضبا على اهازيجهم التي لم تعجبه وهو كان في اشد درجات الحنين لساعات القصف واللهو والغناء …فهزج بكل جوارحه
بيج…. بزيارتي فاسد وادور جارتي.

..ودعاهم للرقص على انغام هذه الاهزوجة المبتذلة وان ينسوا مكة والمدينة

كان شيخا قوي البنية اسمر وسيما كلما اعجبته امراة يتوهج وتفور رغائبه ويقرر بأن يحصل عليها بأي طريقة وأي ثمن ولا يهمه ان استدعى الامر ان يتزوجها ليومين اوثلاثة ويطلقها بعد ذلك، ولكنه كان يحتفظ بذات الصوت الجميل فتنضم الى جيش ندمائه ومطربيه وضاربي طبوله . كان لا يتزحزح عن امتلاك من تروق له بأي ثمن سواء ..فمع الهزيع الاول من الليل وبعد ان ينفض ديوانه وعلى الاغلب يقوم من مجلسه ويهرع مبكرا الى مكان خلوته …يجدهم قد سبقوه ويجد الخلوة عامرة بالندامى والمطربات والراقصات اللواتي تشيع عطورهن الرخيصة في الاجواء وتشحن الاجساد بالرغبة والحرارة… وملابسهن المزركشة اللماعة التي ترتسم فوقها نداءات المتعة و احلام الليل.. وتبدد بلمعانها واشاراتها ما يحمل الليل من عتمة وسكون…. وهو السيد الكبير الآمر الناهي المتحكم الفرد هارون زمانه وسيد ومالك جميع من حوله بل ربما كان اشد هارونية من هارون نفسه لانه متحلل من أي التزام او شعور بالمسؤلية وماعليه سوى ان يخوض في بحر ملذاته الذي لا ينضب وليس له ضفاف…..فعلى ايقاع الطبول وسحر الغناء وارتجاج الصدور العامرة وهز المؤخرات البضة وقرع الكؤوس يمضي الليل فليس ثمة توقيت اخر سوى هذا ….فهو قد ورث كل شيء الارض القوة الرجال النساء…ولا يفكر بأي تهديد فهؤلاء الفلاحون تربوا على فكرة العمل في ارض الشيخ بطاعة عمياء وتسليمه في نهاية الموسم كل ريع ارضهم مقابل القليل الذي يأخذوه…فهؤلاء الاقطاع الذي يستحوذون على الاف الهكتارات من الاراضي الزراعية بسبب التقسيم الذي اوجدته سلطات الاحتلال البريطانية التي اطلقت ايدي الاقطاعين بشكل مطلق وتركت لهم حرية التصرف في فرض الرسوم وتضمين الاراضي للفلاحين حسب ما تمليه مصالحهم دون ادنى اعتراض او واعز من ضمير، ومن يعصي ذلك فهناك السجون والغرامات والضرب المبرح بل القتل احيانا لمن تسول نفسه التفكير في تغيير مثل هذا الواقع …وازاء كل هذا ادمن الكثير من الفلاحين العبودية واستسلموا لعسف واستبداد الشيوخ مفسرين ذلك بالقدر.. ولم يفكروا بالانقلاب عليهم او الاحتجاج بسبب تواتر القمع والتدجين… لذل اطمئن هذا الشيخ والكثير من امثاله الى اية ردود فعل تقلب موازينهم …لذا انخرط ودون أي تحسب بالفساد وغط به من رأسه الى قدميه …ففي كل ليلة يعقد جلسات السمر والسهر دون ان يتلمس أي خطر من فلاحيه….وتنصرم ساعات الليل وسط قصف ومرح وغناء ورقص …الكل يغني ويرقص ويحتسي الخمر حتى النساء وهذا على غير العادة …فقد اسس هذا الشيخ منظومة جديدة محكمة للانس واللهو .وكان وفيا لها ومياوما عليها اكثر من أي شيء آخر في الحياة …وبسبب من هذه الحياة البوهمية المتهتكة كان الشيخ متقلب المزاج ولا يقر على قرار ..يصدر الاوامر كيفما شاء ووقت ما يشاء دون ضوابط واصول و نداماه يعرفون هذا فيحسبون الحساب لبعض الامور ..ومن اشد صور تقلب مزاجه وتبدل سلوكه .فكان حين يستبد به السكر وتتصاعد الحميا …يأمر كل فتياته بالرقص وبطرق مختلفة ..ويأمر جماعة الطبول واالدفوف بعدم التوقف ..وحسب ما يحكم مزاجه وحين يصل ذروة الابتهاج والانشراح ففي بعض المرات يدعوا الندامى وضاربي الطبلة والدفوف بان يضاجعوا جواريه ماعدا الخاصات به..وتكون حفلة عهر جماعية وهو ينظر بشبق وشهوة ويأمرهم بان يتفننوا في ادائهم وهو يشاهد الجموع العارية المنشغلة باذكاء نار الشهوة والحب لديه…وفي احيان اخرى كان يفعل العكس تماما .ويعاقب كل من تحرش باحدى جواريه بل يعمد حين ترتفع حمى الرغبة وتتفتق الشهوة. اثر تلك الرقصات الخليعة ..يطلب من نداماه بان يكشفوا عوراتهم …وكل من ضبطه منتصبا ينزل عليه اشد العقوبات واقساها ….و للشيخ كانت عدة جوار ممنوعات على غيره ظاهرا…. لكن المواعيد السرية كانت تجري على غير دراية منه وبكثرة ..وكانت هناك واحدة اثيرة لديه جدا وهي اجمل ما تكون النساء.. فاتنة وشهية ومثيرة…. وكان يحبها ويمنع عنها أي رجل او اتصال برجل… يراقبها بشدة ويفرغ عليها كل اهتمامه . كانت جاريته الخاصة فهي اضافة الى جمالها كانت ذات صوت جميل يعشقه ، في احد الايام وهو يدقق النظر فيها وجد ان بطنها قد تكورت وارتفعت بشكل بين … وهو قد اخذ كل احتياطاته معها كي لا تحمل منه فقد تعدى عدد اولاده العشرين ومنهم من نساء قد نسي اسماؤهن ..فناداها وادخلها في مكان خاص وراح يقررها ..وبعد تهديد ووعيد وضرب وتلويح بخنجره الذي بحجم سيف …اعترفت له بان الذي في بطنها هو ابن حميد ……وحميد هذا هو احسن مطربيه صوتا واشدهم جمالا واقربهم الى قلبه …لكنه حين توصل الى حقيقة ان هذا المطرب يخونه مع اقرب واجمل نسائه ..شعر بانه على حافة الجنون ..وان انفعاله لو اطلق له العنان سيغرق قريته والقرى المجاورة …جلبوا له الشاب مكتوفا وبعد ان ضربه ضربا مبرحا اسقط فيه جزءا من لحمه ..طلب سلسلة وعمودا فربطه بالسلسلة على العمود لثلاثة ايام في الشمس والعراء وبعدها فك قيوده الحديدية وربطه بحبلين طويلين من الجنب الغليظ وقال لهم لنذهب الى دجلة وكانت دجلة حينها لا يقف امام تدفقها شيء ..فتيارها الجاري قوي بشكل يكسح أي شيء امامه .. ويحمل السفن الكبيرة التي تذهب محملة بالبضائع من البصرة الى بغداد فهي الطريق الوحيد منذ مئات السنين ، والسيارات القليلة التي دخلت العراق لم تغير من هذا الواقع ولم تكسر من فحولة النهر ….ذهب بالرجل المتهم وحتى قبل ان يعترف بذنبه ، وحاشيته يجرونه جرا الى دجلة فهو في الحقيقة نصف ميت بعد الضرب الوحشي وثلاثة ايام في الشمس والعراء ..ووضع حبل في يده اليمنى وقال لحاشيته دقوا وتدا في الجهة اليمنى واربطوه ربطا محكما… كما تم ربط اليد اليسرى بوتد في الضفة اليسرى من دجلة ..وتركه يقاوم بما تبقى له من قوة هذا التيار الجارف فلم يجن عليه الا و قد لفظ انفاسه وفارق الحياة ….ولكنه تركه لثلاثة ايام وسط هذا التيار امعانا في القسوة والظلم او ربما لأمر في نفسه… اخرجوه بعدها ليجدوا جسدا مهلهلا افترست مواضع كثيرة منه الاسماك …استلمت الجثة بصمت وارسلت الى اهله ولم يعملوا له مجلس عزاء بل دفنوه دون صلاة و تشييع او أي شيء كما جرت العادة …وحتى في هذه الليلة البغيضة لم يكف الشيخ عن لهوه ومجونه بل نصبوا موائدهم كالعادة وهدرت الطبول والدفوف وبدأ الرقص والشبق والتهتك، وكأن الذي قضى بفعل قسوة الشيخ…. لم يكن انسانا، بل خروفا شاء ان يذبحه نذرا لرغائبه وفسقه الذي لا ينتهي

لا تعليقات

اترك رد