النكبة العربية المعاصرة: ماذا ينتظر المجتمع من مثقفيه؟ ج٢

 

التأريخ في الكتابة العربية الحديثة متأثر بشكل كبير بالتراث التاريخي الذي سيطر عليه منهج الإسناد منذ البداية. حتى عصر عالم الإجتماع ابن خلدون الذي أحدثت كتاباته ثورة في أسلوب التحليل وطريقة النظر إلى الوقائع التاريخية كما أدخل نظرة أكثر تركيبية للزمن، واهتم بشؤون المجتمع والعمران والسياسة. لكن رغم دلك يمكن الجزم أن الكتابات التاريخية والتأريخ عموما لا زال يعاني من المنهج والموضوع.

ومن هذا المنطلق نجد أن غالبية المثقفين العرب تتبنى منهج السرد للأحداث، في حين يلتجأ القليل منهم إلى المنهج التحليلي الذي يحاول تفسير القضايا التاريخية انطلاقا من رؤية السياسة أو اعتمادا على التركيبة الإجتماعية والثقافية والإقتصادية.

فأصحاب المنهج الثاني يمكن لدراساتهم تحقيق الكثير من الوضوح في الهدف وكذا التماسك في المنهج، ويمكن اعتبارها دراسات تاريخية موضوعية. وبذلك ينتقل المثقف تلقائيا من هامش الدور إلى مضمونه والإنخراط في عملية التأثير والتغيير.

كما أن الفوضى التي يعيشها العالم العربي المعاصر أفرزت عدة مواقف منها الإيجابية والسلبية للمثقف العربي، وإجمالا لم ترقى إلى دوره الطليعي الذي من المفروض أن يلعبه في خضم الصراع والتحولات الحاصلة. فقد غلب الغموض المفرط في وجهات النظر للقضية، والقضية في شقيها الإنساني والوطني تكتسب شرعيتها من نضال وإيمان وموضوعية المثقف.

في زمن الخراب الذي نعيشه في البلاد العربية يغيب المثقف أو يتم تغييبه عن الإهتمام بالقضية وينحصر دوره في الموقع الهامشي منها، وحتى إن واكب الأحداث أحيانا فهي مواكبة غير فاعلة وغير مؤثرة. والقليلون فقط من يحاولون رفض التخلي عن دورهم في رسم معالم مجتمع ما بعد الفوضى أو الإسهام في وضع حجر الزوايا لإيجاد حل للمشاكل التي يتخبط فيها المجتمع العربي على كل الأصعدة.

ومن الملاحظ حتى في زمن الحرب والفوضى، يدير المثقف العربي ظهره إلى الكثير من الأحداث والوقائع الإجتماعية والدينية والسياسية والثقافية والتي تتغير وبطريقة سريعة ورهيبة داخل المجتمع العربي ويهتم بشواغل أدبية وفكرية مجردة لا تستطيع إحداث التغيير أو المساهمة فيه.

كما أن تصنيف الناس إلى مثقف وغير مثقف فيه إجحاف للعامة، فالمثقف بالمعنى التخصصي يغلب الجانب الثقافي والفكري على نشاطاته. إلا أن جميع الناس مطالبين بالإنخراط في المشروع الثقافي للمجتمع دون استثناء، حتى لا يتم تهميش دور المثقف والثقافة على حد سواء.

وفي خضم التناقضات السياسية والصراعات الحاصلة داخل المجتمع العربي، غلب الجانب السياسي على كل المجالات الأخرى ومنها الثقافة، وأحيانا يتم تغييبها واستثناؤها من كل المشاريع السياسية. لذا من الضروري وجود موقع خاص للثقافة يسمح لها وللمثقف أيضا بأداء دورها الفعال والموضوعي، فسواء تقاطعت مع السياسة أو تعارضت معها فهي مطالبة بدورها الحيادي لتستطيع ممارسة عملها التحليلي والنقدي لكل مجريات الأحداث المجتمعية الراهنة.

اقرأ ايضا: النكبة العربية المعاصرة: ماذا ينتظر المجتمع من مثقفيه؟ ج١

لا تعليقات

اترك رد