صبيان الكرات الطائشة


 

هل تذكره ؟ إنه شخصية لا تنسى و لا تمحى من مخيلتنا من أيام الطفولة و الصبا ، إنه موجود في كل محلة و زقاق و قرية ، ذلك الصبي الخامل بدشداشته القصيرة المقلمة ورأسه المطأطئ ابداً ، في مرحلة الطفولة لم يكن يسمح له بلعب الدعبل* مع اقرانه فأصابعه لا تقوى على دفع الدعبلة سنتمترين بالإتجاه الصحيح لذلك جُعل حجره مستودعاً لدعابل الأطفال من أقرانه ، كلما كسب اللاعبون دعبلّة جديدة أودعوها في حجره و كلما خسروا دعابلهم عادوا لرصيدهم المودع بين فخذيه ليعوضوا به بعد كفخة على يأفوخه محملين سحنته المشؤومة سبب الخسارة .

يكبر الأطفال فيصبحوا صبياناً و يهجروا الدعابل إلى كرة القدم (أم 3 دراهم ) و يكبر معهم هذا الصبي و تكبر الحاجة إليه فهو عنصر أساسي في فريق المحلة إذ لابد أن يكون هناك من يتحمل أسباب الخسارة عندما يخسر الفريق فتعمل الكفخات على علباته و الدونكيات** على يافوخه ، مثلما هو أيضاً عنصر للترفيه إذا فاز الفريق و وجب الإحتفال حيث يشدون دشداشته على وسطه و يرقّصونه ، وعندما تجري المباراة في الزقاق و تطيش الكرة لتكسر زجاج شباك أحد البيوت يهرب الجميع و يبقى فتانا ليتحمل وزر الفاعلين و قد يعاقب بجرة أذن شديدة و بعض الكفخات على رأسه مصحوبة بالسب و الشتم دون ان يجرؤ على ان يشير إلى الفاعل أو ان يدافع عن نفسه .

يكبر الصبيان لينتقلوا من (الطوبة أم 3 دراهم) البلاستيكية إلى طوبة كريكر جلدية و من ملعب الزقاق و هدفيه المحصورين بين عمود الكهرباء و جدار أحد البيوت الى الملعب الترابي القريب و هدفيه المصنوعين من أحجار الطريق و ملابس الفريق و نعالهم و كانت مهمة فتانا أن يشجع فريق المحلة و يحرس ملابسهم و نعالهم و يهرول ليجلب الكرات الطائشة من خارج الملعب ليعود مسرعاً و يجلس بجانب النعال .

عتبة أخرى على سلم العمر فيشتد عود الفتيان و ترق قلوبهم فيصبح فتانا مرسالاً لرسائل الغرام بين العاشقين ، يحمل المكاتيب الملونة و المعطرة و يختبئ في الخرابة حتى يحل الظلام لينقل لهفة و اشتياق فتيان المحلة الى فتياتها و يرمي الرسائل في موعدها المحدد خلف سياج الحبيبة و يعود بالجواب دون أن يجرؤ على النظر الى عينيها الناعستين ناهيك عن قراءة ما جاء في المكتوب ، حريص أشد الحرص على إدخال البهجة في قلوب العاشقين ، لا ينتظر شكر أحد إذا عاد بجواب يشفي الصدور و يطأطئ رقبته لاستقبال كفخة جديدة إذا عاد بخفي حنين

كان فتى الكرات الطائشة شخصية مهمة في المحلة لكنها أحقر شخصية فيها في نفس الوقت ، فدوره ثانوي و حقير لكن أيضا لا غنى عنه ، لاحقاً وفي حياتنا العملية فهمنا أن الأدوار الحقيرة أعلى اجراً لأنها تحتاج لمن تربى على هذه الأدوار و نشأ عليها ، يستمرئ الإهانة و لا يستفزه التقريع ، تحتاج لرقبة لا تعرف الإستقامة لكثرة طأطأتها و ليافوخ أدمن الكفخات فلم تعد تؤلمه وهذه موهبة و خبرة لا يملكها سواه .. عرفنا ذلك عندما خسرنا المباراة النهائية و عدنا خائبين ، الحياة مثل دوري كرة القدم يندر أن يبدأ و ينتهي بلا خسارة لكن يالها من خسارة أبعدت ( أللواعيب ) المحترفين من الملاعب وشتتت شملهم في أصقاع الأرض وأخرجت صبيان الكرات الطائشة من جحورهم و مخابئهم و خرائبهم ليستولوا على نعالنا و ملابسنا بل و ملعبنا أيضاً ، خرجوا من كل محلة ليشكلوا فريقاً لا يُتعب الخصم و لا يطمح في تسجيل هدف يفخر به أمام العالم فهم لا يعرفون شيئاً عن الفخر ، ثم سلموا ملعبنا للفرق الغريبة لتتصارع فيه مستمتعين بحراسة نعالهم .

نسيت أن أخبرك أن فتاتك التي كانت تبادلك القصاصات الملونة و المعطرة ، المزخرفة بقصائد الحب و المختومة بقبلة من شفتيها النديتين قد زفت إلى صبي الكرات الطائشة . هل كان الخبر مفاجئاً ؟
—————————————–
*دِعْبَل : بيض الضفدع ، في العراق يطلق الأطفال هذا الإسم على الكريات الزجاجية الصغيرة ربما لشبهها ببيض الضفدع
**دونكي : لا أعرف أصلاً عربياً للكلمة لكنها كانت تطلق على العصيان القصيرة التي يستعملها الشرطة لقمع المشاغبين ، و كان بعض المعلمين يضربون تلاميذهم دونكي على رأسهم و ذلك بتكويرإصبع المعلم الوسطى ليحصل على مفصل قوي بين سلامياته لردع التلاميذ المشاغبين و الكسالى

لا تعليقات

اترك رد