المسرح النسوي بين تأكيد الهوية وثقافة الاختلاف


 
الصدى-المسرح النسوي

وجود انساني بل في ابقاء جذوة الأمل الانساني وهاجة في التاريخ تحملها عبر الاجيال. ومثّلت الدراما بطقسها الاجتماعي احدى وسائلها التي منحت الانسان فرصة للمشاركة في اعادة صياغة التجربة البشرية عن طريق ابتكار تجاربها الفنية المتنوعة والبحث عموديا وأفقيا في دراسة جوهر الطبيعة البشرية وعلاقاتها المتشابكة في مناخات طقسية واحتفالية متجددة على الدوام وتبعا لانواعها واشكالها.

وكانت المرأة في تاريخ المنجز المسرحي تابعا ذكوريا سواء على صعيد وجودها كشخصية في حدود النص، إذ تم اختزال وجودها الإنساني والجنسي كامرأة في تحولها إلى رمز، سواء كان رمزا إيجابيا أم سلبيا. أو على صعيد وجودها وممارسة دورها كممثلة، إذ أسندت أدوارها إلى ممثلين ذكور منذ المسرح الإغريقي والمسرح الديني ومسرح العصور الوسطى يتنكرون في أثوابها ويتحدثون بصوتها. بمعنى ان المرأة كانت خارج العملية المسرحية تماما. والخطابات على أنواعها بما فيها الخطاب المسرحي ينطوي على أنساق مضمرة تختفي تحت عباءة النصوص وتستبطنها أنساق ظاهرة. ذلك أن النسق يرتبط بما مضمر، وهي أنساق ثقافية مضمرة في الخطابات. وتتمظهر الأنساق في نسقيين اثنين مضمر متخفي، ومعلن ظاهر، والنسقان متلازمان مع بعض بل انهما يتشكلان باستمرار عبر التعارض بينهما داخل النص. ويمكن اعتبار الدراما الانكليزية،

أو دراما عصر الأحياء في القرن السابع عشر بداية لظهور المرأة، ممثلة وكاتبة. وتعد (ماري بيكس)و(افرا بين) من ابرز كاتبات الدراما اللائي صنعن مساحة للمرأة في أعمالهما. وتؤكد كوميديا عصر الأحياء عدم المساواة بين الرجل والمرأة في الزواج الدائم بين امرأة عذراء وزوج عابث. فالبطلة يجب أن تحافظ على عذريتها حتى تحتفظ ببطولتها، فهناك مصير وحشي ينتظر المرأة التي تستسلم للإغراء، وهذا يوضح القمع النوعي بين الرجل والمرأة الذي تخفيه “المغازلة الرومانسية” التي تؤدي للزواج. كما يرى بيتر بروكر. بحلول منتصف القرن الثامن عشر بدأت مجموعة من المفكرين المستنيرين أمثال (جفرسون، مونتسكيو، فولتير وجاك جان روسو واخرين) في التصدي لطغيان الأقطاع القائم على الأمتيازات المتوارثة، وجعلوا حقوق الانسان مقابلا للحق الالهي للملوك وعبروا عن سخط الطبقة النامية التواقة للتقدم التي سئمت مظالم الهرمية الاقطاعية المهيمنة، وجاء هذا التحدي متزامنا مع ما أفرزته حركة التصنيع من طبقات اجتماعية جديدة، طبقة وسطى مدنية وعمال لا يمتلكون الأرض. وفي هذه المرحلة بدأت الحركة النسوية الحديثة مع الثورتين: الفرنسية من ناحية والامريكية من ناحية أخرى، ووجدت اصدائها في بلدان اخرى، ولعل (ماري ولستون كرافت 1759-1797) من أوائل النساء اللواتي كان لهن الدور المميز في قضية تحرير المرأة عندما اشهرت كتابها (دفاع عن حقوق المرأة) عام 1792. وكانت تواقة لان ترى التمييز على اساس الجنس قد تلاشى تماما.

كما يقول ايجلتون. في حين كانت (أولمب دي جورج1748-1793) من أوائل النساء الفرنسيات اللواتي طالبن بمسرح قومي للنساء بعد أن شرعت في التمثيل على خشبة المسرح. وجاءت أعمال “هنريك إبسن” في القرن التاسع عشر (بيت الدمية1879، البطة البرية 1884، هيدا جابلر 1890) لترصد تحولا لصورة المرأة، ولتحدث زلزالا في الاوساط الاوربية لمناصرته المرأة في استعادة حقوقها، وضرورة إعادة النظر في العادات والتقاليد والقوانين التي تحكم هذا المجتمع، عرفت فيما بعد عند “برناردشو” بـ”المرأة الجديدة”، وترتب على ذلك أن قدم “شو” أعمالا مسرحية عديدة صور من خلالها المرأة في أسلوب جديد، مغايرا للسائد. إن إسهامات “إبسن” و”شو” ومن جاء بعدهما من كتاب المسرح غيرت كثيرا في ملامح الشخصية النسائية، إن جميع الأعمال المسرحية السابقة، منذ الإغريق وصولا إلى سبعينات القرن العشرين، تندرج جميعها تحت مصطلح Women’s theatre “المسرح النسائي” الى ان ظهر مصطلح Feminist Theatre “مسرح نصرة المرأة” او “المسرح النسوي” في سبعينات القرن الماضي، بالرغم من الاراء المتباينة في تحديد مفهوم المصطلح، رافضا للمصطلح القديم وما تم تقديمه في سبيل تحرير المرأة وتأكيدا لخصوصيتها ودورها الفاعل الذي لا يقل أهمية عن الرجل. وبقيت الاحتجاجات النسوية تتصاعد وتنمو في الولايات المتحدة الامريكية وأوربا مع اكتساب بعض من حقوقهن السياسية والاجتماعية حتى فوجئ العالم بتحول جديد قادته جماعة السياسة والتحليل النفسي في 8 مارس 1968في تظاهرة نسوية في باريس حاملات شعار “فلتسقط النسوية”، وسميت بالحركة ما بعد النسوية، وهذا التطور جاء عبر تفكيك الخطابات الابوية، وهو تطور يسترشد بالاستراتيجيات التحليلية الاساسية للفكر المعاصر (التحليل النفسي، ما بعد البنيوية، ما بعد الحداثة، وما بعد الكولونيالية). ففي حين كانت الحركة النسوية تطالب بالمساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات، فان الحركة الجديدة حاولت ابراز الاختلافات بينهما، ذلك ان الهوية تتكون حسب الاختلافات وليس طمس الفروق والاختلافات بين الرجل والمرأة. ففي التحليل النفسي بالنسبة الى فرويد فان الاختلاف الجنسي يتاسس ثقافيا في المرحلة الاولى من عقدة اوديب، وتبديدها، وحلها يضع الفروق بين هويات الذكور وهويات الاناث. وعند البنيوية تمثل اللغة نظاما من العلامات، وتتكون العلامة من دال، وهو عنصر مادي(صوت القطة او رمزه المكتوب)، ومدلول، وهو عنصر ذهني (مفهوم القطة) والعلاقة بينهما اعتباطية، وهو مجرد عرف، وليس علاقة تماثل.

وبذلك فان نظرية سوسير تزيح الذات البشرية من بؤرة الاهتمام، فالمهم هو العلاقة بين العلامات وموقعها داخل النظام. فيما يرى جاك دريدا، بان العلاقة بين الدال والمدلول علاقة محفزة، وليس علاقة اعتباطية، وبهذا المعنى فان المعنى بأكمله يتشكل خلال الاختلافات التقابلية الثنائية (ذكر- أنثى، حضور- غياب، نور، ظلام)، وهذا التقابل يفضل المصطلح الاول، على سبيل المثال الذكر على الانثى. وافادت ما بعد النسوية من استراتيجيات الاعاقة اللغوية عند دريدا لدحض وإزاحة التقابلات الثنائية الابوية، مثلا إمتياز الرجل على المرأة فضلا عن الرغبة في تأسيس مكان للنساء في تقويض دعائم السلطة الابوية. فيما كانت الملامح المشتركة مع ما بعد الحداثة في الرغبة في نشدان المساواة داخل المؤسسات والخطابات لانه لم يعد هناك ايمان بصدق الخطابات، وهو ما تميزت به عند (جان ليوتار 1924-1998) بازمة التصديق الرسمي على المعرفة في العصر ما بعد الصناعي، ويعني هذا انهيار الحكايات الكبرى أو الحكايات عن الحكايات التي صدقت رسميا على صدق التاريخ، ويعني بذلك الحكاية السياسية التي وعدت بتحرير وحرية تقدميين كما يعتقد مارفن كارلسون. ان مسرح ما بعد الحداثة الذي تشكل في عصر يغزوه الشك يتجه نحو الارادة التي تسعى لهدم ما هو موجود، وهو سعي لاثبات الهوية عن طريق استراتيجيات تفكيك وتهديم مستمرين للمركز، واذابة الحدود التي تفصل الفن عن تجارب الحياة اليومية. ونموذج ما بعد الحداثة الذي يؤكد على تقطيع المعنى، والمجاز، والفجوات ما بين الدلالة والمدلول، وتوجيه العمل الفني ليتلائم مع الجديد الذي لا هوادة فيه. وقد اشارت (جيني فورت) الى ان هذا الهدم المحتمل يزداد بدرجة كبيرة في الأداء الجسدي اكثر منه في مجال الكتابة، اذ ان جسد الانثى في الاداء لا يشتمل فقط على وجود لغوي، ولكن يشتمل ايضا على وجود مادي، وزمن حقيقي، ونساء حقيقيات في حالة من التنافر مع ما يعرضنه، مهددات للبنية الابوية بوساطة النص الثوري لاجسادهن الفعلية. ولأن السمة الاساسية للأداء المسرحي تكمن في انه يمتلك الشكل المعطى بما ينتجه من بنى واشارات ثقافية يقرأها المتلقي باستراتيجيات ثقافية متشابكة ذلك ان أرضية الحدث الممزقة أصلا والمنتجة للمعنى هي معبّرة عن وسط اجتماعي حقيقي. فان الأداء النسوي في ما بعد الحداثة ، سردا وعرضا وتمثيلا، يسعى ليس الى تأكيد الهوية فحسب بل في عرض رؤى متجددة للعالم والوجود.

لا تعليقات

اترك رد