أسباب الفساد في الوطن العربي


 

يمثل الفساد إحدى القضايا التي تحتل اهتمام المواطنين في دول العالم عامة ودول العالم الثالث خاصة، وأحد أهم الموضوعات المطروحة على الساحة السياسية الدولية. يترجم فيها الفساد إلى ممارسات فعلية على أرض الواقع، وهي: الرشوة بجميع وجوهها في القطاعين العام والخاص، والاختلاس في القطاعين العام والخاص، والمتاجرة في النفوذ، وإساءة استغلال الوظيفة، والإثراء غير المشروع، وغسل العوائد الإجرامية، وإخفاء الممتلكات المتأتية من جرائم فساد، وإعاقة سير العدالة فيما يتعلق بهذه الجرائم، بالإضافة إلى أفعال المشاركة والشروع بكل ما سبق. لان ممارسة الفساد مرجعها –في الأساس- إلى عدم وجود أي مظهر من مظاهر الاستقامة الذاتية للشخص الذي يمارسه.. وبالتالي فهو انتهاك لقيمه وأخلاقه، وقيم المجتمع الذي يمارس ضده هذا النمط من السلوك المنحرف والمنحط.

أما بالنسبة لأصحاب القانون والاتجاه القانوني فيعدون الفساد انحرافاً في الالتزام بالقواعد القانونية وهناك شبه إجماع على أن للفساد أثراً مدمراً على القانون وعلى القضاء عندما يطاله ويشمله بمؤثراته المهلكة. -ويؤدي الفساد كذلك إلى خفض معدلات الالتزام بضوابط البناء والمحافظة على البيئة والضوابط الأخرى، وإلى تردي نوعية الخدمات التي تقدمها الحكومات، وزيادة الضغوط على ميزانياتها الرسمية.

لان هذه الأنظمة اعتمدت وسائل ومقومات متشابهة لضمان بقائها، تقوم على التحكم في القرارات الهامة المتعلقة بالشؤون الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الخاصة بشعوبها التي أُجبرت على الابتعاد عن المشاركة في إدارة الشأن العام، وتم إشغالها طوال الوقت في البحث عن تأمين لقمة العيش.

وأن هيمنة السلطة التنفيذية على باقي السلطات (التشريعية والقضائية) في هذه الدول أتاح للسلطة الحاكمة الاحتكار والتفرد باتخاذ القرار، وسمح بـ”اختطاف الدولة”؛ وهو ما يؤدي إلى وجود النظام الاستبدادي، والمس بالحقوق والحريات العامة، لأن اعتماد مبدأ أن رأس السلطة التنفيذية فوق السلطات جميعها جعل مبدأ الفصل بين السلطات لا معنى له.

أن السبب الأهم والأبرز في شيوع الفساد واجتياحه العالم العربي , هو ابتعاد هذه الدول عن مصدر النزاهة ومنبع الشفافية , ألا وهو الإسلام الذي ينص قرآنه على نوع خاص من الرقابة لا تعرفها قوانين الدنيا , ألا وهي الرقابة الذاتية المنبعثة من خشية الله تعالى وحده , كما ينص على محاسبة من نوع فريد ألا وهي محاسبة المسلم لنفسه قبل أن يحاسبه أحد .

لذلك تأتي سياسة تحجيم ومحاصرة العمل الأهلي واحتواء قياداته وتضييق موارده المالية أضعف المساءلة المجتمعية. أما الإعلام، فإن استخدام الإعلام الرسمي للترويج للنظام وسياساته ورموزه أضعف دوره الاستقصائي وعزز الرقابة الذاتية لدى إداراته.
فقد حل السودان في المرتبة الثالثة قبل الأخيرة بين الدول الأكثر فسادا في العالم، وفقا للمؤشر التابع لمنظمة الشفافية الدولية لعام 2014، فيما جاءت 5 دول عربية أخرى بين الدول العشر الأكثر فسادا. وكشف التقرير أن السودان لم يبرح المراكز الأخيرة في السنوات الماضية، منافسا للصومال وأفغانستان اللتين لا تتوفر بهما أي أنظمة ثابتة، وكوريا الشمالية.

ووفقا للمؤشر الذي يعتمد على معايير اقتصادية معترف به دوليا، دون أي توجهات سياسية، فإن السودان جاء في المركز الثالث قبل الأخير وتحديدا في المركز 173، إذ حصل على 11 نقطة فقط، فيما حلت الصومال وكوريا الشمالية في المركز 174، بينما جاءت الدول الأكثر نزاهة الدنمارك (92 نقطة) ونيوزيلندا (91 نقطة). وأوضح التقرير أن السودان الذي لم يتغير موقعه بين الدول الأكثر فسادا، تدهور أكثر في العام الحالي 2014، مقارنة بتقرير عام 2013. وجاءت بعض الدول العربية متقدمة عن السودان
رغم أعمال العنف التي تجري في هذه البلدان، مثل العراق الذي حل في المركز 170، وليبيا في المركز 166، واليمن في المركز 161، وسوريا في المركز 159، إلا أن هذه الدول أيضا دخلت جميعها بين الدول العشر الأكثر فسادا في العالم. في المقابل، جاءت دولة الإمارات العربية المتحدة الأفضل عربيا بحلولها بالمركز 25 عالميا، وحلت قطر ثانيا في المركز 26 عالميا. وتشاركت البحرين والأردن والسعودية في المركز 55 عالميا بحصولهم على 49 نقطة، وسلطنة عمان في المركز 64 والكويت في المركز 67 وتونس في المركز 79 والمغرب في المركز 80 ومصر في المركز 94 والجزائر في المركز 100 ولبنان في المركز 136.

ويصنف مؤشر الفساد الدول وفقا لمستويات الفساد في القطاع العام فيها، وضمت القائمة 177 دولة تحتل فيها الدولة الأكثر فسادا المركز الأخير، والأقل فسادا المركز الأول. وجاءت الدنمارك ونيوزيلندا في المركزين الأول والثاني بين 177 دولة في قائمة المؤشر، وحلت فنلندا في المركز الثالث، بينما تساوت النرويج وسويسرا في المركز الرابع، وجاءت بريطانيا في المركز 14 والولايات المتحدة الأميركية في المركز 20. وتعد هذه المنظمة غير الحكومية، التي تتخذ من برلين مقرا لها، دليلا سنويا لانتشار الفساد بين الأحزاب السياسية والشرطة والنظام القضائي والخدمات العامة في جميع البلدان.

ويأتي الفساد الاقتصادي بالتبعية للفساد السياسي لان الفساد في مصر مارسه الكبار والصغار، أو الأغنياء والفقراء، وعددّ أمثلة وتقديرات رقمية لفساد الكبار، منها: إجمالي ثمن الأراضي الضائع في الأراضي المخصصة من قبل وزارة الإسكان لصالح كبار رجال الأعمال نحو 136.1 مليار جنيه، عمولات السماسرة ورجال المصارف والمخلصين الجمركيين تقدر بنحو ثلاثمائة مليون جنيه في المتوسط سنويًا، 750 مليون جنيه في مجالات الاتجار في ديون مصر، حصل 94 عميلا لبنوك القطاع العام على أكثر من نصف حجم القروض والائتمان من هذه البنوك حتى 30/6/2006، أي أكثر من 125 مليار جنيه، تم بيع 194 شركة لقطاع الأعمال العام بأقل من نصف ثمنها.

لان دهاليز الفساد والرشاوى وإهدار المال العام نحو مائة مليار جنيه، وتقدر تجارة المخدرات بنحو عشرة مليارات–15 مليار جنيه سنويًا، وأن من يعملون في هذه التجارة يقدر عددهم نحو 150 ألف شخص، وعمولات شراء السلاح قدرت بنحو 1.5 مليار– 3.5 مليارات جنيه، قدر الإهدار بالمال العام بصفقات تصدير الغاز بنحو خمسة مليارات دولار سنويًا.

إن إضاعة ألف مليار دولار من ثروة العرب خلال الخمسين عاما الماضية من خلال الفساد وتفشيه؟معناها أننا اجتزأنا عن عملية التنمية العربية في الأقطار العربية مبلغا مهما كان بالإمكان صرفه لمحو الأمية كاملة من المنطقة العربية، لو صرف في الدول الأكثر فقرا مثل السودان لأمنا الأمن الغذائي للمنطقة العربية خلال الخمسين سنة الماضية، لو وزعنا هذا المبلغ على الأفراد العرب لازداد الدخل الفردي القومي للمواطن العربي بحدود المائتين دولار على طوال هذه الفترة، لكان بالإمكان توفير مقعد جامعي لكل مؤهل عربي في هذه الفترة بل أهم من هذا كان أهلنا فرص عمل لو استثمر هذا المبلغ في المجالات التي كان يجب أن يوفر لها.أهم الآثار الاقتصادية المترتبة على الفساد في الزيادة المباشرة في التكاليف، فالمبالغ التي يدفعها رجل الأعمال إلى الموظف الحكومي الكبير مقابل الحصول على تسهيل معين، مثل الحصول على إذن باستيراد سلع معينة من الخارج أو الحصول على مناقصة أو عطاء معين لن يتحملها رجل الأعمال في النهاية، ولكن في الغالب يتم نقل عبئها إلى طرف ثالث قد يكون المستهلك أو الاقتصاد القومي ككل أو كليهما معًا

حيث يقوم رجل الأعمال بكل بساطة برفع سعر السلعة التي استوردها من الخارج أو رفع تكلفة المناقصة أو العطاء؛ ليعوِّض ما دفعه من رشوة، وذلك يعني أن المستهلك الذي يشتري هذه السلعة هو الذي يتحمل عبء الرشوة، وقد تتحملها ميزانية الدولة إذا كانت الحكومة هي التي تشتري السلعة، إلى جانب ذلك

قد يؤدِّي استيراد هذه السلعة إلى زيادة الطلب على العملة الأجنبية لإتمام الصفقة، وهو ما يمثِّل ضغطًا على العملة المحلية، ويخفض قيمتها، وهذا يعني أن الاقتصاد القومي ككل هو الذي يتحمَّل عبء هذه الرشوة. والخطير في الفساد أنه يغير المعايير التي تحكم إبرام العقود حيث إن التكلفة والجودة وموعد التسليم وأمثالها هي التي تحكم إبرام العقود في الظروف العادية، ولكن في ظل الفساد يصبح المكسب الشخصي لكبار المسئولين هو أهم العوامل في إبرام العقود ويقلل من أهمية المعايير الأحرى وهذا يؤدي إلى اختيار موردين أو مقاولين أقل كفاءة وشراء سلع أقل جودة

لا تعليقات

اترك رد