اسقاط الولاية عن النساء مطلب حضاري وانساني

 

انتشر على موقع التواصل الاجتماعي تويتر خلال الفترة الماضية بصورة جدية وإصرار رائع وتعاون كبير وسم #اسقاط_الولاية. وهو يتعلق بمحاولة غالبية النساء السعوديات وأيضا رجالهم على اسقاط الولاية عليهن من قبل الرجال بعد ان تزايدت المشكلات الاجتماعية والسياسية جراء استغلال البعض لمفهوم الولاية بتشديد الرقابة عليهن واستغلال ضعفهن وحاجتهن للعمل والسفر والاستقلال المادي بصورة تخالف حقوق المرأة ومكانتها، سواء في تعاليم الأديان العامة او ضمن المجتمع المدني السعودي.

لا شك ان المرأة السعودية لا تختلف عن مثيلاتها من النساء في مختلف العالم، وبالتأكيد فإن عقلها وكيانها وجسدها وحقوقها، ليست ناقصة او معرضة للازدراء بسبب نقص عقلي او جسدي او ديني او غيره، إلا أن الواقع الذي تعيشه ومنذ نشوء الدولة اتجه الي استمرار هيمنة الدين والعادات والتقاليد مع السلطة السعودية في استحكام قبضتهم على المرأة وإطلاق يد الرجل في تحديد مصيرها وواقعها ومستقبلها حتى ولو كان هذا الرجل طفلا صغيرا لا يملك الوعي او الإدراك اللازم لتحديد مصلحتها او حريتها.

فكل امرأة سعودية لها ولي أمر ذكر، عادة يكون والدها او زوجها او حتى اطفالها الذكور او قرابتها من أعمام وخوال وغيره، فالمهم أن تكون تحت سيطرة الرجل والذي يتخذ قرارات مصيرية تتعلق بحياتها كلها. ففي تقرير لمنظمة حقوق الانسان لشهر يوليو 2016 يذكر “يتعين على المرأة البالغة الحصول على تصريح من وليّ أمرها للسفر والزواج أو حتى مغادرة السجن. وقد يُفرض عليها إظهار موافقة ولي أمرها كذلك للعمل أو للحصول على رعاية صحية. حيث تواجه المرأة صعوبات منتظمة عند اجراء معاملات مختلفة دون أحد أقاربها الذكور، مثل استئجار شقة أو رفع دعاوى قانونية.”

اليوم، وضمن منطلقات الرؤية السعودية 2030 والتي استبشرنا جميعنا في دول الخليج العربي بمضمونها الاقتصادي والاجتماعي كانطلاقة لبدء التنمية والتكامل والاهتمام بالإنسان، نتساءل

هل تحتاج المرأة السعودية لاستمرار الوصاية عليها بشكل يقلل من قيمتها ويدعم التوجه المتطرف في حصارها وقمعها بعد أن قدمت العديد من التجارب المحلية والإقليمية والدولية بما يؤكد قدرتها على التفوق والاكتشاف والنجاح بدون ان تكون خاضعة لسلطة الرجل او ولايته او حتى قوامته. فالمرأة اليوم لم تعد بحاجة الي رجل يراقبها او يفرض عليها القيود والموانع والمحرمات حتى تكون محترمة أو ملكة في المجتمع ، بل أصبحت بفضل التعليم والانفتاح الثقافي والحضاري والعلمي أكثر قدرة على اتخاذ قراراتها بنفسها وتحمل مسؤولية نفسها وعائلتها ومجتمعها وخصوصا بعد تعيينها في مؤسسات الدولة السعودية وعلى رأسها مجلس الشورى والذي يدل على ثقة القيادة السعودية بدورها الإنساني والاجتماعي والسياسي بتشريع ما يهم الدولة والاسرة والمجتمع.

لقد استغلت التيارات الإسلامية المتطرفة ورجال الدين والفقهاء وبحكم تقربهم من السلطة وأصحاب القرار في المملكة العربية السعودية ان يفرضوا شروطهم ورؤيتهم المتشددة بحجج شرعية وفقهية متنازع عليها أصلا في مسألة الوصاية على المرأة. فالتديّن المجتمعي والسياسي والتعليمي إذا ما تم إطلاق يده في المجتمع يتحوّل من حالةٍ فرديةٍ إلى حالةٍ تفرض شروطها وثقافتها على الجميع وبالتالي يسعى من يحمل هذا النوع من الإيمان إلى تطبيقه وهو ما يصنع ويخلق المُتطرّفين المُتحمّسين الراغبين في الهيمنة على الانسان بشكل عام. كثيرٌ من القيود الاجتماعية والسياسية على المرأة السعودية والعربية بشكل عام تأسّست على المعتقدات الدينية، ويخضع البعض الآخر من هذه القيود إلى الثقافة المجتمعية، كما تنبع من العادات والتقاليد البالية. وتمثل هذه القيود جميعها عقبةً نحو حقوق وحريّات المرأة، وتطلعات الأنظمة السياسية بالشراكة المجتمعية ممّا ينعكس بالتالي على القوانين والتشريعات المُتعلّقة بالعدالة القانونية والاقتصاد والتعليم وكذا الرعاية الصحية والمسكن.

إن تحويل المرأة من كائنٍ تابعٍ مُستلب لمنظومةٍ دينيةٍ ومؤسسةٍ ذكوريةٍ تُحاصرها بقيمٍ مزدوجة المعايير وضبابية، إلـى إنسـانٍ مسـتقل، لـن يـتم دون إعادة النظر في المفاهيم والوقوف عند العراقيل الدينية والمنهجية والتعليمية التـي تحول دون ذلك في المجتمعات

العربية قاطبة. وأيضًا تنطلق مبادئ تحرير المرأة من الولاية بالتركـيز علـى الوسائل التي تُستعمل لترسيخ استلاب المرأة وأبرزها النظام المعرفي الديني المتطرف الذي يُعيد إنتاج نفس القيم والأنماط السلوكية عبر نتاجاته المختلفة، وسواءٌ ذلك من خلال النظام التعليمي والتربوي في كافة مراحله، أو من خلال إعادة إنتاج صورة المرأة في وسائل الإعلام والأدب والفن وغيرها من أشكال الإنتاج الثقافي، أو من خلال تكريس الدور الثانوي للمرأة في مؤسسات المجتمع المدني من تياراتٍ سياسيةٍ وإسلاميةٍ وجمعيات نفعٍ عام والتي يتجاهل خطابهـا العام صلب قضية المرأة والآليات الناجعة لمعالجتها، ويستمر باحتكامه إلى النظرة النفعية لدور المرأة والتي انسحبت أيضًا على خطاب وآليات الحركة النسائية ذاتها التي حصرت أهدافها بالحصول على جملةٍ من الحقوق المدنـية دون الدخـول فـي تحلـيلٍ عميقٍ لجوهر قضية المرأة وطبيعة المفاهيم التي تُحاصرها بآلياتها المُختلفة، والتعامل مع المرأة ككلٍ مُطلق دون تحديد اهداف لا تقدم سوى محاولات بسيطة لا تؤثر على قضيتها الاساسية في ان تكون انسانا كامل الحقوق والواجبات.

هنا، ومن الإيمان بقضية المرأة ودورها كإنسانٍ أولًا، هو المسار الذي يجب التعامل معه والانطلاق إليه، فمعظم المقترحات التي قدمتها بعض النساء في سبيل المطالبة بالحقوق، أو التي تمّت كتابتها سابقًا وخرجت من خلال الندوات والمؤتمرات والتوصيات العربية لن تأخذ طريقها إلى التطبيق إلّا في حال التوصّل لوضع قانونٍ مدنيٍ مُوحدٌ للأحوال الشخصية، وهذا القانون المدني يجب أن يكون علمانيًا فقط، لأن في ذلك تكمن الإمكانية الوحـيدة لتغيـيرٍ فعلـي في العلاقة (اجتماعيًا وذاتيًا) بين المرأة والرجل في اتّجاه المساواة الفعلية، وكذلك فهو لا يُساوي بين المرأة والرجل فقط بل يُساوي أيضًا بين النساء أنفسهن، كما يُساوي بين المواطنين في البلد الواحد.

ما ينتظرنا جميعا هو المستقبل وليس الماضي، فالماضي لن يعود والمستقبل نصنعه نحن اليوم بما نحمله من رؤية وثقافة وايمان وأخلاق، فكلما قدمنا اجيالا واعية ومنفتحة ومخلصة لأوطانها، كلما استطعنا الولوج الي المستقبل بخطى ثابتة وإصرار جميل. فلم يعد الوقت في

صالحنا ابدا وخصوصا بعد تغيرات الأوضاع في مجتمعاتنا العربية وبعد الاحداث الإقليمية وبعد قوانين الدول الغربية في إعادة تشكيل المنطقة العربية، فإن لم نواجه هذه التحديات رجالا ونساء بشكل متكامل وجدي فإننا بلا شك سنخسر الكثير وسنفقد تواجدنا الحضاري والإنساني، ولكن قبل هذا سنفقد الأهم وهو ثروتنا البشرية.

لا تعليقات

اترك رد