أمنيات عربية “جديدة – قديمة”

 
الصدى-امنيات عربية
لوحة للفنان عاصم فرمان

سنةٌ أخرى من عمر “العرب” تمر وتنقضي عليهم كما مرتْ غيرها من السنوات ما بين تأمل وتكهن وانتظار… لا شيء يتغير كثيراً في مجال الإيجاب الصاعد إلا قليلاً، أما الأزمات والتحديات وسؤال المصير والمستقبل، فما يزال هو ذاته، حيث تتفاقم النزاعات، وتتكدس المشاكل فوق بعضها بعضاً بلا حلول مجدية ومنتجة، ولا يتبقى معها سوى إنتاج مزيد من الوعود والأماني والآمال والأحلام الموزعة شمالاً ويميناً بلا أي طائل ولا إنجاز حقيقي على الأرض..

في العام المنقضي (2015م)، وصلتْ أزماتنا الوجودية العربية إلى ذروتها مع تصاعد أعمال القتل والعنف الدامي والاحتراب الأهلي والصراع الطائفي في غير بلد عربي، بين أبناء القومية نفسها، أو بين أتباع الدين ذاته، أو بين المختلفين قومياً ودينياً وطائفياً… فلا فرق، ولا تفكير، ولا أخلاقية في الوعي والتعاطي، المهم أن أعداد الضحايا في تزايد مطرد، والفتن المتنقلة تشتعل وتتوالد ذاتياً، ومستقبل الأجيال الطالعة بات في خبر كان، طالما أن هناك استنزافاً مستمراً في الموارد والطاقات الهائلة التي تفجرت عنها الأرض العربية، يصب في غير طريق التطور والعمل الخلاق المبدع.. وفي النهاية ما تزال تحديات البناء التنموي للفرد والمواطن العربي حالة تخيّلية أو مجرد حلم جميل في ليلة صيف، بعيد التحقق والمنال، ربما حتى في المديات البعيدة..

يجري ذلك كله على مرأى ومسمع نظم وحكومات عربية لم تعد قادرة سوى على إنتاج مزيد من هزائم وانكسارات مجتمعاتها، وأمام دول ومنظمات وهيئات وأمم وقوى دولية “ديمقراطية!” كبرى “قوية” و”عريقة” رهنت نفسها وإمكاناتها–كما تقول وتدعي- لمنع حدوث أو التقليل من احتمالية اندلاع النزاعات الأهلية، ومحاسبة المتورطين فيها، وتحقيق العدالة الدولية، واستنهاض طاقات وموارد المجتمعات المتخلفة النامية.. ولكنها في الحقيقة ليست على هذا النحو كما جاء في أدبيات إنشائها وتأسيسها، بل هي أقرب ما تكون إلى المحرّض والمتسبب والمغذي لتلك الصراعات والاحترابات الدينية والطائفية والعرقية العربية منها بالتحديد، تحقيقاً لمصالح سياسية ومكاسب أمنية وجيوسياسية واستراتيجية قصيرة أو بعيدة المدى، لن يكون بالإمكان تحقيقها عملياً وجدياً دون إرادة فاعلة قوية لإنجاز وتحقيق قيم العدالة والتنمية الشاملة المستدامة..

وعلى هذا يكون هذا المسمى بــ”المجتمع الدولي” في حالة مشابهة للإنسان المعدوم الضمير والأخلاق والإنسانية،عندما يرى القتل والدمار والفتن تتنقل دموياً من بلد إلى آخر، ويقف مراقباً ومتفرجاً وباحثاً فقط عن مصالحه ومصالح طفلته المدللة “إسرائيل” في كل ما يحدث، لتظهر هذه الدولة كمستفيد ومستثمر رئيسي ورابح أكبر لدمار العرب أو تدميرهم لأنفسهم..

ونذكر هنا كمثال، العراق وسوريا، هذان البلدان العربيان العريقان في السياسة والحكم والإدارة، ساهما في تأسيس منظمة الأمم المتحدة والجامعة العربية، باتا اليوم مهددين بالتقسيم أو الاقتسام إلى دويلات وإمارات وولايات، كنتيجة مأساوية وخطيرة لهذا الاحتراب الطائفي الدموي الحاد الواقع بين أبنائهم (بقطع النظر عن الشعارات المرفوعة) الذين أشعل أجدادهم شمعة الحضارة الأولى في العالم منذ 4000 سنة… ولم يتمكن القيمون هناك (ولا القوى الدولية المسماة شرعة الأمم المتحدة) من الاتفاق بعد على الحل السياسي المنشود لحفظ ما تبقى من هذين البلدين، وترميم ما تعرضا له من خراب وويلات وتدمير.. خاصة هذا  الشرخ الوطني والإنساني والديني الحاد الذي تفجر في النفوس وقسم المجتمعين وفرق بين أهل البلد الواحد.

ولا نريد أن نطيل ونستطرد في الحديث والأمثلة عن العراق وليبيا ومصر وتونس والعراق ولبنان واليمن..ووالخ.. فلكلٍ أوجاعه ومعاناته ومآسيه السياسية والاقتصادية والاجتماعية… المهم أن عاماً عربياً مضى وأقفل على مزيدٍ من الصراعات والخسائر المدفوعة سلفاً من دماء شعوب هذه الأمة، وثرواتها ومستقبلها، ومن رهْن مقدراتها لحصاد الرياح العاتية التي ما كان لها أن تفعل فعلتها وتؤثر في داخل بلدان الأمة لولا وجود أرضية خصبة ملائمة لتقبل التأثيرات السلبية قبل الإيجابية..

هذا في رأيي هو الصراع الرئيسي والمعاناة الأولية في المنطقة العربية، إنه صراع قائم –بالعنوان الأولى والعمق الاستراتيجي- بين نظم مغلقة (دينية وعلمانية) عقيمة غير قابلة للتجدد والانفتاح، وشعوب مستضعفة تواقة للإصلاح والتغيير، والتطلع لبناء دول الحق والقانون والمؤسسات، دول الحكم الديمقراطي المدني، وتعميق ثقافة المواطنة والمجتمع المدني ولو جاء ذلك كمحصلة لنضال عدة عقود مقبلة… وهو صراع تم حرفه اليوم، وتغليفه بصراعات ثانوية تمت تغذيتها بقوة، تحت عناوين برّاقة جديدة يتم استثمارها وتجييرها جيداً من قبل المستفيدين الكبار.. كعناوين: مكافحة الإرهاب الديني والأصولية الدينية والسلفية الإسلامية والانفجارات الجهادية التي لا شك أنها موجودة وحقيقية وغاية في الخطورة والفظاعة، ولكنها مجرد أوراق للتلاعب السياسي وإبقاء أهل المنطقة رهن الاستبداد والفوضى، وإجبارهم على العودة للاقتناع بمعادلة: “الأمن مقابل الحرية“. مع أنه لا يمكن في عالم اليوم، عالم التجدد والانفتاح والبناء والتطور، عالم التحول وعدم القدرة على فعل أي شيء من دون تنسّم عبير قيمة الحرية والتحرر الحقيقي، الحرية في التعبير والفكر والسلوك والممارسة في السياسة والاقتصاد والاجتماع والفن وكل شيء يتعلق بحركة الإنسان في الواقع.. فحرية الإنسان اليوم (وفي كل التواريخ والأيام) شرط لإنسانيته..

أما محاولة صرف النظر عن حقيقة هذا الصراع، وحرفه ليكون صراعاً واقتتالاً أهلياً داخلياً مع التطرف والعنف الأصولي وما يسمى بـ”الإرهاب الإسلامي” السلفي الجهادي التكفيري “الوهابي”، فمع تشديدنا على خطورة هذا المنهج الإلغائي العنفي، وجذرية عصبيته، وتزمته وقناعاته الصلبة والحادة، لابد من التأكيد هنا على أنه يبقى مجرد صراع ثانوي وليس صراعاً أولياً، لأنه من نتائج ومآلات العنف الأولي البدئي العاري الهائل واللا مقيد الذي استخدمته (وتستخدمه) نظم الحكم العربي الشمولية ضد تطلعات الشعوب العربية منعاً لاستقلالها وتحررها، ومواجهتها لمحاولات إعادتها مجدداً إلى القمقم.

وبطبيعة الحال، فإنّ ثنائية “الحرية كقيمة والديمقراطية كآلية” التي نعيد التأكيد عليها دوماً كعلاج لتلك الأمراض العربية ليستْ وصفات سحرية جاهزة لعالم عربي مرتهن وواقع تحت ضغط معضلات سياسية وثقافية واجتماعية واقتصادية معقدة، وهي مشكلات عميقة لن تتحلل ولن تعالج فوراً من تلقاء ذاتها أو حتى بعد دفع تكاليفها الباهظة، بل سيستغرق العلاج والنقاهة مراحل زمنية طويلة ربما تصل لعدة عقود..

لأن التغيير المجتمعي صعب وطويل، خاصة مع وجود أهداف كبرى وشعارات عالية مرتفعة (نظام ديمقراطي وحكم مدني في بيئات عربية مُعَسْكرة وقبلية) محتاجة لتوسّطات واشتغالات مُكْلِفة، دونها واقع اجتماعي وتاريخي عربي قبلي صلب، رافض لأي تغيير حقيقي مستقبلي على صعيد التحرر والحكم المدني والتنمية الثقافية والسياسية والاقتصادية.. وهذا هو عقل الواقع (لا العقل الخطابي النظري الثقافوي العاجي!!) الذي لا يراه إلا القلّة من العارفين بالبواطن والخفايا العميقة لتراكيب مجتمعاتنا العربية، والدول العربية ذات الفكر والعمق الاستبدادي التاريخي المقيم والعميق.

 

لا تعليقات

اترك رد