خزانة ” الجاحظ ” .. و مقهى ” جَفرا “

 
خزانة

عنّ لي ، ذات مرّة ، أن أتوقف عند مكتبة غريبة التكوين و المكان في ( وسط البلد ) في عمّان الشرقية . تقعُ المكتبة على رصيفٍ عريض ، و في زاوية تطل منها على ( مطعم فلافل هاشم ) الشهير من جهة ، و على دائرة البريد المركزي من جهة أخرى . المكتبة مُشيّدة من الخشب الصَلْد ، و هي سُداسية الأضلاع . من الداخل توجدُ في كلِ ضِلع أربعةُ رفوفٍ مرصوصةٍ بالكتب ، و رفوفٌ مماثلة في ضلع من الخارج ، و ثمة عشرات الكتب تحيط بالمكتبة على الأرض . صاحبُ المكتبة ذو وجهٍ سمحٍ أسمر مُلتحٍ ، توحي هيأتهُ بمسحةٍ تراثية ، لذا فليس غريباً أنه أسمى مكتبته بـ ( خزانة الجاحظ ) .

لاحظَ الرجلُ أنني أنتقي كتباً محدَّدةً و اتصفّحُها بإمعان ، فاقترب مني و سألني عن الكتاب الذي أبحث عنه ، و إذْ حَدَسَ أنني لستُ من أهلِ البلد سألني من أين أكون ، فأجبتُه ، و حين أدرك أنني محترفٌ في ميدان الثقافة ، أشعرني الرجل بمودته و لـُطفِهِ تجاهي . عرّفني بإسمه : ” هشام المعايطة ” ، و أخبرني بأنه عاشقٌ للعراق الذي له جذورٌ فيه ، ثم قال لي : تعال معي .

خطَوْنا بضعة أمتار نحو بابٍ عتيقٍ مُقفل ، فتحَهُ فدخلنا . المكانُ قديم ، و هو عبارةٌ عن ممرٍ مثبتة ٌ على جدرانه رفوفٌ مرصوصةٌ بالكتب ، و فيه غرفة تحتوي على رفوفٍ مشابهةٍ للتي في الممر ، و قد امتلأت الغرفة بأعدادٍ لا تُحصى من الكتب المكوّمة على الأرض . قال لي ” هشام ” : ( ابحثْ و اعبثْ بالكتبِ كما يروق لك ) ، و خرج ليتركني وحدي وسط هذا الكنز . تذكرتُ مكتبةً قديمةً في شارع ( الحبيب بورقيبة ) في تونس ، كنتُ أذهبُ اليها على مدى اسبوع و أنبشُ في رفوفِها العالية لأكثرَ من ساعةٍ يومياً .

مخزنُ الكتب ـ الذي تركني ” هشام ” فيه ـ يحتوي ، مثل تلك المكتبةِ التونسية ، على الطبْعاتِ الأولى أو الثانية لرواياتٍ مُترجَمةٍ و أشعارٍ و كتبٍ في الفكرِ و الفلسفةِ و العلومِ و الفنون ، تلك التي شكّلتْ وجدانَنا الثقافي .

بقيتُ لنحو ساعةٍ في المخزن ، انتقيتُ خلالها نحو خمسةٍ أو ستةِ كتب ، بعدها قفلتُ البابَ العتيق بالقفل الذي تركه ” هشام ” عندي . أصرّ الرجلُ على أن يبيعني كلَ كتابٍ بنصفِ سعرِهِ ، و عندما اعترضتُ و قلت له أن ذلك يعني أنني سوف لن أعود لشراء الكتب منه ، كي لا أسبب خسارة ً له ، أجاب : ( أنتَ أصبحت صديقي ) ، فعلاً أصبحت صديقـَهُ ، و رحتُ أزوره يومياً لأجلس معه ، و مع بعض أصدقائه الأجانب ، على دكة اسمنتية أمام باب مكتبته . يالعظمة رسالة الثقافة و المعرفة التي تجمع النفوس و توحّد الشعوب .
في اليوم التالي ، كنت أجلس على الدكة مع ” هشام ” عندما تهاتفنا أنا و ” ليلى قصراني ” . نصحتني ” ليلى ” أن ابحث عن مقهى يقع في وسط البلد في ( عمّان ) يضم مكتبة و أشياء أخرى هي تعرف أنها تستهويني ، و هو مقهىً ليس أرضياً . استفسرت من ” هشام ” عن هكذا مقهى ، فلم يعطني جواباً شافياً ، فآثرت أن أبحث بنفسي ، ولكنني لم أعثر على المقهى الذي وصفت ” ليلى ” مكانه لي . غير أن قدميّ قادتاني الى مقهىً آخر في مكان آخر ، هو مقهى ( جفرا ) الذي سحرني بمجرد أن وطأت قدماي مدخله العريضَ الذي شممت منه ـ حالاً ـ رائحة الزمن العتيق .

ينتهي المدخل بدرج خشبي ـ حجري ، توجد أسفله عربة ٌخشبية ٌقديمة و كرسيٌ منحوتٌ ـ مباشرةً ـ من خشب شجرة ، و الى جانبه تنورٌ حَجَري ، ما ولّد لدي احساساً بأنني صاعدٌ الى متحف ، و فعلاً وجدتُ نفسي في متحفٍ فلسطيني معاصر ، بمحتوياته التي تحمل رائحة و مشهد العهد العتيق من أواخر القرن التاسع عشر و مطلع القرن العشرين .

و ( الجفرا ) معناها في اللغة : ( الفتاة الجميلة في ريعان شبابها ، و هي أيضاً الماعز الذي لم يبلغ حَوْلاً ) ، كما ورد في الورقة التعريفية بالمقهى .

ولكن لـ ( جفرا ) دلالة أخرى على أرض الواقع . ففي أوائل القرن العشرين كان في قرية ( كويكات ) ، في عَكّا ، ثمة شابٌ اسمُهُ ” أحمد عزيز علي حسن ” ، كان قد طلب يَدَ ابنةِ خالهِ ، غير أنها رفضته ، بسبب حُبها لشابٍ آخر ، فأشعل هذا الرفضُ هياماً في قلب ” أحمد ” الذي راح يُغنّي في الأعراس ، و قد اجترح اسماً لإبنة خالِهِ ، و هو ( جفرا ) ، الذي بات يردّدُه في أغانيه ذاتِ الطابعِ الشعبي ، فاشتهرت عام 1939 أغنيته ( جفرا .. ويّاها الربع ) التي راحت الناسُ ـ في كل أرجاء عَكّا ـ ترددُها ، ثم صاغ عدداً من القصائد الشعبية على منوالها ، فانتشرت في شمال فلسطين .. و قد تحولت الى نمطٍ خاصٍ في الغناء الشعبي الفلسطيني .

بعد عام 1948 ، هاجرت ( جفرا ) الى لبنان صُحْبة أهلها ، و كذلك فعل ابنُ عمتها العاشق ” أحمد عزيز علي حسن ” الذي تزوج في لبنان من امرأة غير ( جفرا ) التي تزوجت ، بدورها ، من رجل آخر .

و في العام 1975 أحب الشاعرُ الفلسطيني ” عزالدين المناصرة ” فتاةً فلسطينية كانت تواصل دراستها الجامعية في بيروت ، حيث كان يعيش الشاعر . غير أن هذه الفتاة قُتِلت في غارةٍ اسرائيلية على بيروت . فكتب عاشقُها قصيدةً بعنوان ( جفرا أمي إنْ غابت أمي ) التي اشتهرت عربياً ، بعد أن غناها المطربان اللبنانيان ” مارسيل خليفة ” و ” خالد الهبر ” ، ثم أخذت بُعداً أكثر شُهرةً عام 1980 بعد عرض فيلمٍ بعنوان ( جفرا ) ، في مهرجان موسكو السينمائي . و قبل ذلك كانت رقصةٌ لبنانيةٌ بإسم ( جفرا ) قد عُرضتْ عام 1977 في مهرجانٍ عالمي في ( تشيكوسلوفاكيا ـ سابقاً ) . و كان ” مارسيل خليفة ” قد ردّد قصيدة ( المناصرة ) كثيراً في جولاته الغنائية ، فاشتهر اسم ( جفرا ) و بات يُطلق على الكثير من المولودات في فلسطين و لبنان و سوريا ، و على دور النشر و المحال التجارية و الفرق الشعبية في عدد من البلدان العربية ، مثل سوريا و الأردن و الكويت …

في العام 1980 التقى ” أحمد عزيز علي حسن ” بـ ” عزالدين المناصرة ” ، الذي ذهب الى مخيم ( عين الحلوة ) لإحياء أمسية شعرية . و بعد الأمسية فوجئ الشاعر برجُل يتقدم اليه ، سائلاً إياه : هل تود التعرّف على راعي ( جفرا ) الذي ألّف و غنى أغنية ( جفرا ويّاها الربع ) .. ؟ فرّحب به ” المناصرة ” حالاً ، فتصادق عاشقا ( جفرا ) ، و التقيا في منزل العاشق الأقدم .

ثم ذهب ” المناصرة ” الى مخيم ( برج البراجنة ) في بيروت ليرى ( جفرا ) الحقيقية في حارة ( حريك ) ، ولكن من دون أن يكلمها . غير أنه كتب بحثاً مطوّلاً عن هذه الحكاية الفلسطينية عميقة الأثر ، ثم أصدر عام 1984 مجموعةً شعرية ً بعنوان ( جفرا ) . و في التسعينيات توفي كلٌ من ( جفرا ) الحقيقية و عاشقها الحقيقي ” أحمد عزيز علي حسن ” .

أما مقهى ( جفرا ) في عمّان فقد أنشأه ” عبدالعزيز المشايخ ” عام 2006 ، و هو يقع في ( وسط البلد ) ـ شارع الأمير محمـد ـ مقابل البريد المركزي . و قد جلس فيه عددٌ كبيرٌ من الادباء و الفنانين العرب ، مثل ” أدونيس ” ، ” عزالدين المناصرة ” ، ” ابراهيم نصرالله ” ، ” يوسف غيشان ” ، ” سميحة أيوب ” ، ” محمـد صبحي ” و ” علي السوداني ” … و غيرهم ، كما يرتاده معظم السياح الذين يفدون الى عمّان من مختلف دول العالم .
إنه مكانٌ بطعم الزمن العتيق النظيف .

* فصلٌ من كتابي ( جَوّابُ المُدُن ) .. تحت الطبع .

1 تعليقك

  1. Avatar صلاح الطلوزي

    استشهدت جفرا المناصرة في بيروت عام 1976 واسمها الحقيقي هو جفرا النابلسي. وكانت طالبة في السنة الأولى في الجامعة الأميركية وقيل انها كانت ( ساحرة الجمال ).
    – توفي أحمد عزيز عاشق جفرا الفولكلور في حارة الناعمة جنوب بيروت عام 1987.
    – توفيت جفرا الفلكلور عام 2007 ودفنت في مقبرة مخيم برج البراجنه في بيروت.
    – العاشق الفلسطيني الخليلي عزالدين المناصرة… تزوج من فتاة من عكا من عائلة عبارازق السعدي ولدت في بيروت لأب فلسطيني وأم لبنانية. العاشق الخليلي ( مواليد الخليل 11-4-1946) وهو يعمل أستاذا في جامعة فيلادلفيا – عمان.لأنه يحمل درجة الدكتوراه في الأدب المقارن من ( جامعة صوفيا 1981). وحصل على رتبة بروفيسور عام 2005.

اترك رد