الإيقاع والتشكيل اللغوي في ديوان “سفر البوعزيزي” لنصر سامي


 

على سبيل البدء: إذا الإيقاع في القصيدة التقليدية معياريا وموحدا، يرتبط فقط بالوزن (و القافية) إلى درجة أنه أصبح عقيدة لا محيدة عنها و أهم ما ينماز به الشعر العربي عن غيره من أشعار الأمم الأخرى، فإنه في العصر الحديث عرف مجموعة من التحولات التي حاولت أن تُناسب بين الشكل والمضمون، في نطاق أن النص الشعري “يتأسس (…) في كل الوزن من خلال الانقطاعات المكرورة المتساوية في زمن محدد بناء على نبرة إيقاعية”، ومن ثم أصبح الحديث عن “الإيقاع” عوض “الوزن”،باعتباره “حركة منتظمة وأن التئام أجزاء الحركة في مجموعات متساوية ومتشابهة تمثل شرطا لهذا النظام. وتميز بعض الأجزاء عن بعض في كل مجموعة شرط آخر. إذ أن سلسلة الحركات – أو الأصوات- إذا انعدمت منها هذه القمم المميزة، استحالت إلى مجرد تردد أو ذبذبة (…)”.
ومن هنا، فقصيدة الشعر الحديث عملت على تجاوز نظام الشطرين المتناظرين، والإيقاع المرتبط باليسمترية الحادة، من خلال إهمال العديد من البحور الشعرية العربية القديمة، خاصة المركبة منها، بل أكثر من هذا، محاولة الاستغناء عن القافية الموحدة، ومحاولة التحرر منها، لأنها أصبحت ذات علاقة بالجانب الدلالي أكثر من الجانب السمعي، ومن ثم الانفتاح على الإيقاع الداخلي بدل الاقتصار فقط على الخارجي منه. وهو الذي قال عنه “حازم القرطاجني”: ” فمن حسن الوضع اللفظي أن يؤاخي بين كلم تتماثل في مراد لفظها، أو في صيغتها أو في مقاطعها، فتحسن بذلك ديباجة الكلام”. مما أدى إلى الاهتمام في الشعر الحديث بالإيقاع الخارجي والداخلي، الذي ربطناه بمفهوم جديد على مستوى الكتابة الشعرية، وهو التشكيل اللغوي. وسنقتصر هنا على الخارجي منه فقط، في انتظار الخوض في الداخلي لتكتمل صورة الإيقاع من التشكيل اللغوي إلى التشكيل البصري.
1-1- الإيقاع الخارجي
وبذلك فالإيقاع الخارجي، ينظر فيه إلى عنصرين اثنين هما “التفعيلة” ونوعية “القافية” المعتمدة في قصائد ديوان “سفر البوعزيزي”. وتجدر الإشارة إلى أن هذه القصائد تلتزم بهذا الجانب بنسبة تصل إلى تسعين بالمئة، وهو النمط الغالب على الديوان، لكن بعض القصائد الأخرى ذات طابع نثري. لكنها نادرة.
ويمكن أن نقسم هذا المتن باعتبار عنصر الإيقاع الخارجي إلى ثلاثة صنوف،فالصنف الأول يعمد فيه الشاعر إلى نظام الأسطر الشعرية وتصل إلى إحدى عشرة قصيدة وهي: (تذكرت البداية- أقسم جسمي في جسوم كثيرة- هكذا حدث بروميثيوس- فوضى على باب القيامة- ثورة الأحرار- معلقة القصبة- انتخبهم مرة أخرى- الصرخة- باب الشمس- وشم غائر في اللحم الحي- شرفة في القاع). أما الصنف الثاني فهو الصنف المختلط بين نظام الأسطر ونظام التفقير، لكنه قليل يصل إلى أربعة قصائد وهي: (الجدارية- بردى “النص الأول و الثاني”- الوشم- قبضة عشب من اجل الياسمين). والصنف الثالث فهوينفتح على نظام التفقير، تأسيا بالكتابة الشعرية التي تتبناها “قصيدة النثر”. لكن هذا لا يعني أنها لا تخضع لنظام التفعيلة.
1-1-1- نوعية التفاعيل
وإذا ما عمدنا إلى التفعيلات التي نظم عليها الشاعر قصائده، فإننا نجده يعتمد على البحور الصافية/ البسيطة -من طبيعة الحال- ومنها على وجه الخصوص تفعيلات؛ بحر (الوافر= مفاعلتن) وبحر (الكامل= متفاعلن) و بحر (الرمل= فاعلاتن) و بحر (الرجز= مستفعلن). وتعد هذه التفعيلات مهيمنة على الديوان حتى في القصائد المكتوبة بنفس نثري.

ومن الصنف الأول، نقف عند مقطع من قصيدة “معلقة القصبة”:
“صَنَعَ التّارِيخَ
///0/0-/0/
فعلاتن- فاع
لمْ يَقْبَلْ عَطَايَا
/0/0-/0//0/0
لاتن- فاعلاتن
حِينَ هَزَّ العَرْشَ و اجْتَثَّ الزَّوَايَا
/0//0/0-/0//0/0-/0//0/0
فاعلاتن- فاعلاتن- فاعلاتن
ذَاكَ شَعْبِي الحرُّ
/0//0/0-/0/
فاعلاتن- فاع
ذَاكَ التُّونُسِيُّ
/0/0-/0//0/0
لاتن- فاعلاتن
مَنْ أَضَافتْ آيُهُ للْمَجْدِ آيَهْ
/0//0/0-/0//0/0-/0//0/0
فاعلاتن-فاعلاتن- فاعلاتن
منْ تأذَّى حِينَ كَانَ اللَّيْلُ أَعْمَى
/0//0/0-/0//0/0-/0//0/0
فاعلاتن- فاعلاتن- فاعلاتن
منْ رأَى ضَوْءاً فغالَتْهُ المَنَايَا”
/0//0/0-/0//0/0-/0//0/0
فاعلاتن- فاعلاتن- فاعلاتن
إن الشاعر في هذه القصيدة قد لجأ إلى تفعيلة بحر ( الرمل)، معتمدا في بعض الأحيان على تقنية التدوير وهي “أن يشترك شطرا البيت في كلمة واحدة بأن يكون بعضها في الشطر الأول، وبعضها في الشطر الثاني”، لكن هذا إذا كان الشاعر يعمد إلى بناء البيت، بل هو هنا يعمد إلى بناء الجملة الموسيقية التي وإن كانت تحمل كثيرا من خصائص البيت، فيمكن أن تمتد إلى أكثر من خمس عشرة تفعيلة، توافقا مع الدفقة الشعورية للشاعر.

أما على مستوى الصنف الثاني، وهو المختلط بين نظام الأسطر والتفقير، فيمكن أن نقف عند نموذج منه من قصيدة “قبضة عشب من أجل الياسمين”. ومنها نحاول أن نقف عند نوعية التفعيلة المستعملة بين نمطي الكتابة الشعرية. يقول في مقطع منها:
” لَمْ أَسْتَطِعْ وَ نَحْنُ سَائِرَانْ أنْ أَمْلأَ المَكَانْ بِغَيْرِ مَا أَرَاهُ منْ حُطَامْ. لَمْ أَسْتَطِعْ أنْ أَرْتقَ الأَيَّامَ بِكَلِّ

/0/0//0-//0//0-//00-/0/0//0-//00-//0//0-//0//0-//00-/0/0//0-/0/0//0-
مستفعلن- مفاعلن- فعول- مستفعلن- فعول- مفاعلن- مفاعلن- فعول- مستفعلن-مستفعلن
/0/0//-/0/
مستفعل-فاع
هَذَا الخَوْفَ وَ الجُنُونَ و الظَّلاَمْ. لَمْ أَسْتَطِعْ أنْ أُوقِفَ الزَّمَانَ لِسَاعَةٍ أوْ لَحْظَهْ.
/0-/0/0//0-//0//0-//00-/0/0//0-/0/0//0-//00-//0//0-/0/0/0
لن-مستفعلن-مفاعلن-فعول-مستفعلن-مستفعلن-فعول-مفاعلن-مفاعلن-مستفعل
لَوْ كَانَ بالإِمْكَان
/0/0//0-/0/0/
مستفعلن-مستفع
أَوْقَفْتُ يَا صَدِيقتِي الزَّمَانْ.
/0-/0//0-//0//0-//00
لن-فاعلن-مفاعلن-فعولْ
لَوْ كَانَ بالإِمْكَانِ
/0/0//0-/0/0/
مستفعلن-مستفع
جَعَلْتُ هَذَا الشَّارِعَ المَسْكُونَ بالنِّسْيَانِ
/-/0//0-/0/0//0-/0/0//0-/0/0/
ل- فاعلن-مستفعلن-مستفعلن-مستفع
قَصِيدَةً تُحَرِّرُ الإِنْسَانْ.
/-/0//0-//0//0-/0/00
ل- فاعلن-مفاعلن-فاعل
لَوْ كَانَ بالإِمْكَانِ
/0/0//0-/0/0/
مستفعلن-مستفع
جَعَلْتُكِ حَمَامَةً،
/-/0//-//0//0-
ل-فاعل- مفاعلن
و صِرْتُ غَيْمَةَ الزُّؤَانْ”
//0//0-//0//00
مفاعلن- مفاعلان
ومن الملاحظ هنا، أن الشاعر رغم أنه عمد إلى التنويع على مستوى هيئة الكتابة، فإنه لم يتنازل على الجانب الإيقاعي المرتبط بالتفاعيل الضامنة للإيقاع السمعي، مما دفعه إلى التنويع في التفعيلات وفق الدقفة الشعورية المتناسبة مع تنامي الدلالة في الجملة الشعرية سواء كانت طويلة أو قصيرة. وإن عمد إلى تفعيلة بحر (الرجز) فإنه نوع في تفعيلاتها، واستغل كل الزحافات الممكنة على مستوى النظام الإيقاعي، وقواعده الحديثة.
لكن في الصنف الثالث الذي حاول فيه الشاعر أن يكتب وفق نفس نثري، رغم أنه لم يتنازل على الجانب الإيقاعي المرتبط بالتفعيلة، فإنه في بعض الأحيان ذهب إلى الكتابة النثرية المتجاوزة للجانب التفعيلي رغبة منه في التنويع، والخضوع للدلالة الشعرية، التي في حقيقة الأمر تتجاوز كل القيود التي يمكن أن تحد من إبداعية الشاعر.

ويمكن أن نقف هنا، عند مقطع يمتح من النفس النثري، لكنه مرتبط بالتفعيلة، في نطاق بناء دلالة شعرية توازن بين الجانب السمعي والجانب الذهني. وذلك من خلال قصيدة عنوانها “أغرقتم الفرعون”. يقول الشاعر في مقطعها الأول:
“أَغْرَقْتُمُ الفِرْعَوْنَ دونَ جُنُودِهِ. فَمَتَى يَهُزُّ السَّيْلُ جُنْدَ المَاضِي

/0/0//0-/0/0//0-///0/0-///0//0-/0/0//0-/0/0/0
متْفاعلن- متْفاعلن-متفاعل-متفاعلن-متْفاعلن-متفاعل
و مَتَى مَتَى تتَغَيَّرُ الكَلِمَاتُ حَقَّا. وَ مَتَى سَيُصْبِحُ مُمْكِناً أنْ لاَ يَعُودَ الكَاذِبُونَ إلَى أَمَاكِنِهِمْ كَمَا كَانُوا

///0//0-///0//0-///0//0/0-///0//0-/0/0//0-/0/0//0-/0/0//0-///0//0-///0//0-/0/0-
متفاعلن- متفاعلن-متفاعلاتن-متفاعلن-متْفاعلن-متفاعلن-متفاعلن-متفاعلن-متفاعلن-
متفا-
فُرَادَى أوْ جَمَاعَاتٍ، و يُصْبِحُ مَمْكِناً أنْ لاَ نَرَى فِي ثَوْرَةِ الأَحْرَارِ منَ جَعَلَ الرَّدَى وَطَناً وَ منَ أوْدَى

//0-/0/0//0-/0/0//0-///0//0-/0/0//0-/0/0//0-/0/0//0-///0//0-///0//0-/0/0
علن-متفاعلن-متفاعلن-متفاعلن-متْفاعلن-متفاعلن-متفاعلن-متفاعلن-متفاعلن-متفا
بأَسْبَابِ الحَيَاةِ جَمِيعِهَا.”
//0-/0/0//0-///0//0
علن-متفاعلن-متفاعلن
إن الشاعر عموما، ومن خلال كل هذه الأصناف التي حاول من خلالها أن ينفتح على هندسة البياض، والمتح من النفس النثري، فإنه بقي رهين الارتباط بالجانب الإيقاعي / التفعيلي. ومع ذلك فقد حاول أن ينوع في التفاعيل، التي في حقيقة الأمر أسعفته في الكتابة القريبة من “قصيدة النثر”، وخاصة من خلال توليد إيقاعات تتناسب مع الدلالة الشعرية، فعلى الرغم من أن “جل ما كتب من شعر حديث لا من الأبنية الموسيقية، التي أغنته عن التفكير في الانصراف من البحر ذي التفعيلة الواحدة إلى غيره”. علاوة على التنويع في القافية.
1-1-2- التنويع في القافية
علاوة على التنويع في التفاعيل، فقد عمد الشاعر “سامي نصر” إلى التنويع في القافية؛سواء كانت قافية (مركبة) أو (متتابعة) أو (مرسلة). وهي متوافرة في ديوانه الموسوم ب “سفر البوعزيزي”.
فالقافية المتتابعة، تتجلى في العديد من القصائد، مثل قصيدة “ثورة الأحرار”، التي عمد فيها الشاعر إلى روي (الدال) التي لم تتغير على طول القصيدة. وقد نظمها الشاعر على تفعيلة بحر (الكامل= متفاعلن). وقد تواردت القافية المركبة على القصائد مثل قصيدة “معلقة القصبة” التي ناوب فيها الشاعر بين مجموعة من الحروف وهي (الياء والراء واللام والحاء). أما على مستوى القافية المرسلة، التي تعد خارج قانون التزام الشاعر بالقافية الموحدة عكس باقي النوعين الآخرين. فقد جاءت بنسبة أقل من النوعين السابقين. وهذا مرتبط بزاوية نظر الشاعر للشعر أولا وطريقة صناعة الخطاب الشعري ثانيا. وتتجلى هذه الأخيرة -على سبيل التمثيل لا الحصر- في قصيدة “في ظل مرثية أبي ذؤيب الهذلي” يقول في المقطع الثاني منها: “يَمُرُّ الوَقْتُ مُوتُوراً مُعَنَّى. أَسْمَعُ المَوْتَى يُفَرِّغُونَ ويَمْلؤُونْ. وَأَرَى الدَّوّاب تَئِنُّ تَحْتَ السّوْطِ بَكْمَاءَ لاَ تَدْرِي. وَأَسْمَعُ فِي نِدَاءِ البَاعَةِ المُتَجَوِّلُونَ البُؤْسَ وَالمَرَضَ المُحَاطَ بِفِضَّةٍ بَيْضَاءَ هِي السَّتْرُ وَالخَوْفُ منْ غَيْلاَنِ هَذَا الوَقْتِ والقَبُولُ بِمَا تَبَقَّى منْ فُتَاتِ مَوائِدِ الغِيلاَن. لاَ أُرِيدُ منَ الرِّيَاحِ قَصِيدَةً. مِثْلِي يُسَافِرُ فِي الرِّيَاحِ قَصِيدةً مَغْمُوسَةً فِي العطْرِ يَنْسُجُهَا الضّيَاءْ. وَ الضَّوْءُ أَسْودُ لاَ زَالَ، و النَّجْمُ أَسْوَدُ، وَ كُلُّ شُجَيْرَةٍ فِي غابِ ذَاكِرَتِي هُنَا سَوْدَاء. حَتَّى السَّمَاء فَإنَّ السُّمَّ مَازَجهَا حَتّى تَسمّمَ فِي أَعْمَاقِهَا المَاء.”

لا تعليقات

اترك رد