من أهم دروس أزمات المنطقة: من يتغطى بالأميركان يبقى عرياناً


 

لاشك بأن هناك دروساً عملية يمكن للمرء أن يتعلمها من جملة الأحداث والتحولات العربية المتلاحقة ومخلفات ونتائج أزماتها الكارثية، ومن أبرزها وأكثرها أهمية وحيوية -على مستوى الشعوب والأحزاب والتيارات العاملة بالمنطقة- لشعوب تملك طاقة جبارة لا يمكن لأحد أن يقف في وجهها وطريقها الهادر مهما بلغ من البأس والقوة والشدة والعنف، ومهما امتلك من أجهزة القمع والإكراه والعنف المادي والرمزي..

ولعل من أهم تلك الدروس أن أهل المنطقة أدرى بشأنها، وأنهم مهما اختلفوا وتناحروا فهم المعنيون أولاً وأخيراً بإعادة الاستقرار والأمن إليها، هذا إن اتفقوا وتعقلنوا وسرت روح التفاهم بينهم..

وقد كان من المنتظر مع بدء موجات التغيير العربي منذ سنوات عديدة، أن هذه الشعوب العربية التي ربما تبقى لفترة من الزمن كامنة ومغيبة عن ساحة الفعل والتغيير الحضاري، كان من المنتظر أن يستجاب لإرادتها (بعدما هبت وانطلقت ككتلة تاريخية واحدة نتيجة الإمعان في إهانتها وإذلالها وزيادة معاناتها سياسياً واقتصادياً واجتماعياً) في إقامة دول مدنية مؤسسية، بعدما وصلت أمور وأوضاعها إلى حالة غير قابلة للتحمل من الضغط المنفجر في أية لحظة.. ولكن عموماً وقفت كثير من الدول الغربية وأمريكا ضد تلك التحولات خوفاً من قدوم الإسلاميين للسلطة، وقد تم إسقاطهم في دول وصلوا إليها مع عدم الثقة بهم وبحقيقة توجهاتهم رغم شعبيتهم الواضحة..

لقد كان من المفترض الإسراع في إقامة مرحلة سياسية انتقالية في تلك البلدان تسبق

الانتخابات الحرة التي يجب أن تؤسس لبرلمانات دستورية نيابية منتخبة طوعياً على قاعدة التمثيل النيابي الحر ومشاركة الناس في الترشح والانتخاب دون قيد أو شرط أو حصر أو حكر على أحد.. وبما يؤسس لاحقاً لأنظمة جمهورية تقوم على قاعدة بناء دولة مواطنة علمانية ديمقراطية صحيحة، تفصل بين سلطاتها الثلاث..

إنّ اعتماد صيغة سياسية منفتحة لتشكيل القوى والأحزاب السياسية بحيث تعمل تلك التيارات جميعها تحت سقف الحكم الصالح ومؤسسات الدولة الوطنية الديمقراطية، وعدم السماح بتشكيل أحزاب أصولية إلغائية، وإنما السماح بتشكيل أحزاب معتدلة على المستوى الديني تتبنى في داخل هيكليها الفكري والتنظيمي الفكر الديمقراطي، والتسامح والاعتراف بالآخرين حتى لو كانوا من المخالفين، والإيمان الكامل بالتداول السلمي للسلطة، وعدم تسييس الدين خاصة على مستوى إدعاء امتلاك الحقيقة المقدسة، وتبني خيارات وقرارات دينية مقدسة.. وهذه الأفكار السياسية والفكرية يجب أن تكون موجودة ليس فقط في صلب البنية الفكرية لتلك الأحزاب، وإنما في الدستور المقرر إعادة بنائه وكتابته أيضاً للوطن ككل..

على مستوى الأنظمة:
يقوم نظام الحكم العربي على بنية ثقافية ومفاهيمية تاريخية تقليدية صلبة ومتماسكة، عمادها الحكم الفردي المطلق أو شبه المطلق الذي يستمد جذوره من التاريخ البطولي المجيد المزعوم الحافل والمليء –كما يقولون ويتباهون!!- بالأمجاد الكبرى المرغوب استعادتها للحاضر.. ولا ينتهي مثل هذا النمط السياسي من الحكم إلا بزوال شخصياته ورموزه ونخبه وذهابهم القسري إلى القبر أو السجن أو المنفى.. أي أن تكلفة الخلاص من مثل هذه الحكومات الظالمة عالية جداً للأسف..

من النادر أن تجد نظاماً رسمياً عربياً -قائماً على حكم الغلبة والطغيان وقاعدة “الملك العضوض” التاريخية المعروفة منذ أيام معاوية- يمكن أن يقبل بنقل السلطة سلمياً، أو إحداث بعض الإصلاحات السياسية الجدية بصورة سلمية لوحده ومن دون إجباره على إصلاح ذاته، أو تغييره بالكامل، وسلوك طريق الإصلاح الجدي الحقيقي.. لأن مكاسب وامتيازات السلطة والحكم الفردي والاستئثار بجنة الملك –التي حققتها نظم الحكم العربية الملكية والجمهورية معاً- ليست مثار جدل أو حوار عند هؤلاء الحكام، وهم اكتسبوها وحققوها بقوة الأمر الواقع، وبالتالي ليست لديهم القابلية للتنازل السلمي الطوعي عنها (بأقل الخسائر الممكنة)، وليسوا مستعدين أن يتركوها لشعوبهم إلا تحت

الضغط والقوة والإكراه.. وهذا قانون فيزيائي معروف وهو “قانون الفعل ورد الفعل” الذي له تطبيقاته البشرية النفسية والمجتمعية التي يمكن أن تأتي تحت عنوان “ما أخذ بالقوة لا يسترد –في كثير من الأحيان- إلا بالقوة..”.

على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية والغرب عموماً:
تضغط الدول الغربية –والولايات المتحدة على الخصوص- باستمرار لبناء ديمقراطية صحيحة (كما تقول وتؤكد نخبتها السياسية) في العالم العربي، وسبق لبعض السياسيين الغربيين أن أقروا واعترفوا بأن دعمهم للنظام الرسمي العربي طيلة أكثر من 70 سنة لم ينتج سوى موجة الأصوليات التي ضربتهم في عقر دارهم، وقد حان الوقت –بحسب تصريحات هؤلاء الساسة ومراكز تفكيرهم!!!- للبدء بدعم فكرة الديمقراطية وتبني مشاريع الإصلاح السياسي، ومحاولة إلزام حلفائها في المنطقة بسلوك طريق التغيير السلمي قبل التغيير الدموي المكلف..

ومن باب الاستطراد قليلاً نذكر بأن تلك الدول والقوى العالمية الكبرى –خاصة الولايات المتحدة الأمريكية- التي تقوم على حكم المؤسسات والقانون والفكرة الديمقراطية والاقتصاد الحر..الخ، بحيث أنك يمكن أن تشاهد في مثل هذه النظم الديمقراطية عدة رؤساء على قيد الحياة خلال ربما عقد واحد من الزمن.

إن تلك الدول تتعامل مع غيرها من القوى والبلدان على قاعدة المصالح السياسية وغير السياسية، ولا تتعاطى مع الأشخاص إلا بما يحقق لها مزيداً من المكاسب لبلدانها على مستوى السياسة والاقتصاد والأمن أيضاً. وهي تبني مجمل تحالفاتها مع الأشخاص والنخب السياسية والأحزاب في العالم كله –وليس فقط في عالمنا العربي- على هذه القاعدة المعروفة أيضاً، وهذا أمر للأسف لا تدركه كثير من دولنا العربية بما فيها وعليها من قوى وأحزاب سياسية وحكام وزعامات.

إذاً البوصلة هنا في تحريك دفة السياسية الدولية (الغربية بالذات) هي المصلحة والمكاسب المتغيرة والتحالفات المتحركة، وهذا ما رأيناه من خلال تعاطي الدول الكبرى -خاصة الولايات المتحدة- مع كل من أزمتي الحكم في كل من تونس ومصر، فبعد أول يوم من الضغط الشعبي المتواصل على نظام حسنى مبارك، وقفت وزيرة الخارجية الأميركية لتقول بأن نظام مصر ثابت ومستقر، ولكن بعدما اقتنعت هذه الإدارة

الأميركية بأن التغيير كبير وقادم لا محالة، وهي مسألة وقت قصير ليس إلا… بدأت بتغيير موقفها وموقعها من حكم مبارك –الذي كان من أهم أصدقاء الغرب في المنطقة، ورجل السلام العربي الإسرائيلي- بصورة متدحرجة ومن ثم سريعة خلال ساعات وليس أيام حتى وصلنا إلى سماع نداء بإحداث التغيير الفوري “الآن”.. وليس غداً من الرئيس أوباما ونائبه بايدن، وقادة الاتحاد الأوروبي الذين كانوا حتى الأمس يثقون ثقة عمياء بالرئيس حسني مبارك (حليف الولايات المتحدة في المنطقة، والداعم لسياساتها وقطب في ما صار معروفاً بـ”محور الاعتدال العربي”)..

وفي ظني أن هذا السلوك السياسي العالمي المعروف مسبقاً للجميع، يجب أن يكون درساً ودافعاً قوياً لباقي الحكام والزعامات والأحزاب السياسية العربية (حتى هذه “الأحزاب الجديدة”-القديمة التي ركبت موجات التغيير العربي مؤخراً بصورة انتهازية غير أخلاقية!!) كي تقتنع بأن من يحاول أن يتغطى باللباس الغربي -الأميركي تحديداً- يبقى عرياناً أمامهم وأمام شعبه ومجتمعه .. وأن لا بديل عن الانفتاح الكامل على شعوبنا ومجتمعاتنا العربية .. وأن كل ما تقوم بها أميركا من أعمال وممارسات وضغوطات وتوجيهات ونداءات وغيرها –على مستوى المنطقة العربية الإسلامية على وجه الخصوص- تريد من خلاله التوفيق بين حماية سياساتها ومصالحها الاقتصادية والسياسية والعسكرية والأمنية، وبين إصرارها على نشر ثقافة ومشروع الديمقراطية كحل وحيد تريد من خلاله إرساء فكرة تداول السلطة وأن من حق الشعوب أن تنعم بالحريات العامة..

ولكن السؤال المهم الذي يمكن طرحه هنا على خلفية ما سبق:
هل يمكن اعتبار الغرب عموماً صادقاً في توجهاته السياسية لدعم فكرة الديموقراطية والإصلاح السياسي في العالم العربي؟ وهل يمكن أن تنجح الولايات المتحدة في هذا المسعى التوفيقي الصعب بين دعوتها ومصالحها؟ خاصةً مع وجود تيارات وقوى إسلامية وقومية (يسارية وغير يسارية) تعادي الولايات المتحدة، وتستمد شرعيتها من العداء الشديد لقيم وأفكار الغرب الحداثوية والتنويرية، وتقوم في داخل بنيتها الفكرية على قاعدة مواجهة سياسات أميركا في العالم كله..

وهل ستنجح الولايات المتحدة في تحقيق التوازن والموائمة الناجحة بين دعمها للحريات والديمقراطية في العالم العربي، وبين تحقيق مصالحها الإستراتيجية الكبرى التي يقول قسم كبير من العرب والمسلمين هنا بأنها تأتي على حساب نمو وتطور وبناء مجتمعات عربية قوية وناجحة؟..

ومن باب التذكرة ليس إلا.. لا نعتقد أن الإدارة الأميركية ستنسى ما مر عليها من تجربة مرة عاشتها سابقاً في إيران زمن جيمي كارتر، عندما وقف “الأميركان” يومها إلى جانب التغيير السياسي، تحت ضغط الشارع طبعاً، وأيدوا شعارات حقوق الإنسان، الأمر الذي تسبب لهم لاحقاً في سقوط حليفهم الشاه الذي كانوا طالبوه بالتغيير الديمقراطي (لم يرضوا حتى بأن تحط طائرة حليفهم السابق الشاه على أرضهم!! فمات على أرض مصر زمن السادات)، ولكنهم واجهوا مداً شعبياً ثورياً رافضاً لهم ولسياساتهم، دعم فكرة إرساء قيم وثقافة وسياسة جديدة بالكامل تقوم على إلغاء الفكرة الديمقراطية، وتبني نظام ولاية الفقيه الدينية الثورية، وإقامة نظام ديني “ثيوقراطي” كما تصفه دوائر الثقافة الإيرانية والكثير من أبناء الثورة السابقين ممن رفض أو نقد أو تمرد على بعض أو كثير من مفردات تلك الثقافة الدينية؟!..

إن الغرب وعلى رأسه أمريكا لا يفكر إلا بمصالحه ومكاسبه، وهذا من حقه بطبيعة الحال، فكل الدول تفكر وتتحرك بتصميم في هذا الاتجاه، ولكن القضية هي استغلال حاجات الناس، والتحرك السياسي النفعي اللا أخلاقي لتمكين تلك المصالح… القضية هي في وجود تربة عربية ملائمة لتدخلاتهم وتأثيرهم السلبي وتحكمهم وهيمنتهم.. وربما إسهامهم في منع تحقيق الشعوب لمتطلباتها وأمنياتها في إقامة مجتمعات حقيقية حرة يسودها التسامح والعدل والحرية والأمن.. فبقاء الشعوب رهن تخلفها وانحطاطها التاريخي يوفر لهم (للقوى المهيمنة) ظروف التدخل والاستثمار السياسي وغير السياسي الدائم..

لكن على الشعوب والحكام جميعاً أن يدركوا بأن من يتغطى بالأميركان سيبقى عرياناً.. كما هو حال وواقع منطقتنا اليوم التي بدت مصلوبة بالشمس تواجه مصيرها السياسي والاقتصادي الصعب والمكلف وغير المستقر.. ولمفتوح على احتمالات مصائرية معقدة..

1 تعليقك

  1. أستاذي الفاضل ..تحياتي لك واحترامي لمقالك الرائع المثير … كلنا يعلم ألا أمل في أنظمتنا الحاكمة الحالية لأنها بنيت على قواعد متخلفة عائلية ومشيخات وانقلابيات عسكريتارية .. والأقبح من كل هذه الثوابت المرعبة استغلال الدين في الوعظ للسلاطين وتفرقة الأمة وهدم الأعراف الإنسانية الرابطة لكيان المجتمع وأبناء الوطن كي تبقى كراسي الحكم سالمة آمنة …سلامي لك

اترك رد