محرابُ الخطأ


 
(لوحة للفنان جاسم محمد)

أنا لا أتحدّثُ اللغةَ العربية، أيعقلُ هذا: أديبة عربية مسلمة ولا تتحدثُ لغتها الأمّ؟! أجل، فاللغةُ التي أتحدثُ بها في البيت وفي الشارع هي الإيطالية. ذلك أنني لا أخالط الناس كثيرا، وأولئك الذين أتحدّثُ معهم نادرا كلهم إيطاليون. وفي البيت أتحدثُ مع زوجي باللغة الإيطالية وإن كان هو أيضا عربيّ المسقط والمنشأ. كلّ سنواتي الدراسية كانت باللغة الإيطالية، وكلُّ أطاريحي كتبتُها أيضا باللغة الإيطالية: أكتبُ عن القرآن والإسلام باللغة الإيطالية، وأفكّر أيضا باللغة الإيطالية، ولا أعني هنا طريقة التفكير وتحليل الأمور والنظرة إلى الحياة وإشكالياتها الكبيرة، وإنما لغة التفكير والخلوة بالنفس ليس إلّا. والأدهى من هذا كله أنني أحلم باللغة الإيطالية! نعم، نعم، أحلم باللغة الإيطالية، ومعظم شخصيات أحلامي تتحدث معي باللغة الإيطالية، فقد يصادف مثلا أن أرى أبي يحدثني بالإيطالية، وهُو الذي لم يدرس في حياته أبداً حرفا منها، كما يمكن أيضا أن أرى وليّاً من أولياء الله وأصفيائه الرّاحلين يخاطبني باللغة الإيطالية، وهلمّ جرّ من هذه الأمثلة. ماذا قلتَ: شيء يحيّر؟ أعرفُ أنه كذلك، لكن علم النفس عنده الأجوبة لكلّ مثل هذه الظواهر، إلّا لظاهرة واحدة هي لصيقة بالجرح الرّوحي الدّفين الذي يُحدثه فطام الإنسان عن لغته الأمّ، إنه يشبه لحدّ ما فطام الرضيع عن حليب أمّه، لكن مع فارق كبير: الرضيعُ يَكبُر ويستغني عن حليب الأمومة تماما، لكنني أنا كبُرْتُ وفي كلّ يوم أكتشف أنني لم أستطع ولو ليوم واحد أن أستغني عن لغتي الأمّ، التي هي لغتي العربية.

مشكلتي الكُبرى ليستْ في مسألة الفطام هذه، ولكنَّها تكمنُ حقيقةً في كوني حاولتُ أن أداوي الجُرحَ بالعودة إلى لغتي واسترجاعها كتابةً، وأعتقدُ أنني وأنا في طريق عودتي هذه، استطعتُ لحدّ ما أن أفهم أيضا لماذا يكتبُ معظم أدباء المهجر العرب باللغة العربية، وليس بلغة البلد الذي يقيمون فيه؟ إنها قضية انتماء، وجذور دفينة. وعدم القدرة على الاستغناء تماما عن اللغة الأمّ يعني الشيء الكثير، لكنه لا يعني قدرة الإنسان على الاحتفاظ منها بكل تفاصيلها، لا سيما منها النحوية والإملائية والصرفية. ولعلّ هذا هو السبب الرئيس الكامن وراء بعض أخطائي النحوية على سبيل المثال في العديد من نصوصي الأدبية التي أكتبها باللّغة العربية. فاللغة تطبيق شفوي أكثر منه كتابي، والعربية هي لغة سماعية بالدرجة الأولى، وإذا توقّفَ الإنسان لفترة من الزمن عن عدم الحديث بها

وبالتالي تطبيقها في الحياة اليومية فإنها تضيع منه تماما ولا يبقى له منها سوى ذكريات بعيدة تعود إلى أيّام الكُتّاب والفصول التحضيرية الابتدائية.

أجل يا صاحبي في الحرف، أيّها المتلقي الحالم الصبور، أخطائي بما فيها النحوية متنوّعة، والّذي يزيد الطين بلة هو أنه يمكنكَ أن تجد في هذه الأخطاء بين ماهو عربي وآخر إيطالي وثالث فرنسي! فما الذي تنتظره من إنسان يحلم باللغة الإيطالية، ويكتب باللغة العربية، ثم يتحدثُ أيضا باللغة الفرنسية؟ إنه مصحّة عقلية متحركة بكلّ ما في الكلمة من معنى، وليس بالبعيد أن تجدَ عزيزي القارئ في كتاباتي “الشمسَ” بصيغة المذكر، و”القمرَ” بصيغة المؤنث، وعليه فمن المحتمل أيضا أن تجد في نصوصي جملةً من قبيل: “غاب الشمس وبزغت القمر، يا للروعة إنهما معا في غاية السِّحر”، وكلّ هذا مردّهُ إلى كون الشمس وفي كلا اللغتين الإيطالية والفرنسية تُنطق وتُكتبُ بصيغة التذكير، أمّا القمر فبصيغة التأنيث (Il sole/ le soleil/ la lune / la luna)، وبما أنني أفكر باللغة الإيطالية، فإنني أكتبُ بها أيضا وإن كانت الحروف فوق الورق عربية. إنها مهزلة المهازل، فحتّى كلمة “الناس” قد تجدها في كتاباتي بصيغة المؤنث المفرد، لأنها كذلك في اللغة الإيطالية. أنتَ تضحك، نعم. لكن صدّقني عزيزي القارئ إنها مأساة حقيقية لا سيما وأننا كأدباء مهجريين، لا نجد أبداً من يرحمنا، إنّ الغيرَ يطالبنا بالدقة والتدقيق والتركيز، وعلماء النفس يعرفون جيدا أنكَ كلما دقّقْتَ وركّزتَ، كانت نسبة الوقوع في المحظور أعلى. أعتقد أن المسألة بحاجة إلى فنان مسرحي كوميدي مقتدر كي يجسّدَ فوق الخشبة للناس هذه الكارثة. تصوّر معي أنكَ وأنت تكتبُ تظطرُّ أولا إلى تغيير لغة لوحة مفاتيح الحاسوب، ونقلها من اللغة الإيطالية أو الفرنسية، أو حتى من الإنجليزية إلى اللغة العربية دون إهمال ما يتبع ذلك من تغييرات أيضا على مستوى الأرقام وأدوات الترقيم العربية وما إليها. ثم وأنتَ تركّزُ في هذه الأشياء، عليك أيضا أن تُركّزَ على تدفق الأفكار الشلالي من دماغك وأنت بصدد كتابة قصة ما، أو مقالة نقدية أو قصيدة شعرية، فيبدأ كلّ شيء يرقصُ أمامك: الشخصيات، الأرقام، الفواصل وعلامات الاستفهام والتعجّب، ثم الأفكار. ويا ويلي من الأفكار: هذه وحدها طامّة عظمى، فأنت تريدُ أن تكتب شيئا معينا وتجد أصابعك تمحوه لأكثر من مرّة، لأنّ عقلكَ الرقيب غير راض عنه. وقد يبقى في النصّ أثر ممّا محوتَ، حرفا ما هاربا، أو كلمة بقيتْ مخبوءةً بين السطور ولا تراها تماما لأن عقلك الباطن قد قام بمحوها، وإن كانت هي مازالت ترقص فوق الورقة.

أنا شخصيا أتسلى كثيرا بمثل هذه الأمور، فغالبا ما يحدثُ أن أكتب نصا من عشر صفحات في مدّة وجيزة من الزمن، ثم أطبعُه ورقيا وأبدأ في قراءته وتنقيحه لأكثر من مرّة، وكم من الكوارث أجدُ فيه؛ الجمع بصيغة المفرد مثلا، والمؤنث بصيغة المذكر، ناهيك عن بعض من التعابير التي لا تكون سليمة إلّا في إطار لغوي إيطاليّ محض، ولكن من الممكن جدّا أن تجدَها في جُمَلي وتعابيري المصوغة باللغة العربية، وكثيرا ما أبدأ في الضّحك بصوت عال، لا سيما حينما يدخلُ في الخطّ صوت مكالمة هاتفية، أو صوت زوجي وهو يناديني من الغرفة الأخرى، أو صوت الإشعارات القادمة من صفحتي على الفيسبوك بأن فلانا علّق على نصك المنشور، أو أنه ثمة رسالة لك من “علّان” وهلمّ جرّ من هذه المصائب المعلوماتية الجديدة، التي لا أستثني منها ما فعلتْه الهواتف والحواسيب الذكية بالأدباء وخاصة المُسنّين منهم، فالحروف صغيرة جدّا، والألف المهموزة لا توجد تماماً، والشدّة غائبة، وشيء طبيعي أن تكون في نصوصهم بعض من هذه الهفوات الصغيرة التي تُشَيّب المُنَقِّحَ وهو بصدد تشذيبها وتهذيبها كي تأتي في أحسن حُلّة وصيغة وتعبير. خلاصة القول، ما من مفرّ وأنت في مرحلة التنقيح والتصويب، عليك أن تنعزل عن كل شيء. ولكن هبني أيّها القارئ انعزلت عن كل شيء، كيف سأصوّبُ ما أخذه الزمان مني وسرقته السنون من لغتي العربية، وأنا لا أتحدثُها ولا أطبّقها مع أحد: الحلّ الوحيد هو العودة إلى عهد العصامية، وكما تعلمتُ لوحدي اللغة الإيطالية ولم يساعدني في ذلك أحد، فعليّ أن أستعيدَ لغتي العربية وبمجهودي الشخصيّ. وذاك ما قمتُ به فعلا منذ سنوات عدّة، إذ كثَّفتُ قراءاتي من جديد لكتبِ النّحو وما إليها، وابتعدتُ ما أمكنني ذلك عن تلك الكتب النحوية المُملّة المكتوبة بأيد فقهاء أكلَ على فكرهم الدّهر وشرب، وأصبحتُ أكثر براعة وقوّة من ذي قبل. لكن قبل الوصول إلى هذه المرحلة حدثتْ لي وأنا في طريق صقل لغتي أشياءٌ ومواقفٌ طريفة كثيرة لا يمكنني أن أنساها أبدا. فمثلا أذكُر أنني عند الانتهاء من صياغة ديواني الشعري الثاني، بقيتُ لفترة طويلة من الزمن أفكّرُ في اختيار عنوان يليقُ به ويتناسبُ وخطّ القصائد ونهجها الصوفيّ، إلى أن استقرَّ رأيي على جعل عنوان قصيدة من قصائده العنوانَ الرئيس للديوان كاملا. وما زلتُ أتذكّر كيفَ بقيتُ لفترة ليست باليسيرة محتارة فيما إذا كان عليّ أن أكتُبَ العددَ [15] في العنوان على هذا النحو (مقام الخمس عشرة سجدة) أو (مقام الخمسة عشر سجدة)، أو (مقام الخمسة عشرة سجدة)؟ وكانت النتيجة أن اخترتُ الصيغة الأولى، إلا أنني عدتُ من جديد إلى تأتأتي الأولى ووجدتُني أتذكَّرُ صديقا لي مُلمّاً بشؤون اللغة العربية ونحوها وأبجديتها العرفانية، فكتبتُ لهُ سائلةً إيّاه أن يحدد لي يقينا من بين تلك

الصيغ الثلاث، الصيغةَ الصائبة، فارتبكَ الرّجلُ، (وكان آنذاك ولم يزل لليوم من المقيمين في المهجر)، وأرسل لي ملفا كاملا عن الأعداد في اللغة العربية، وما إن فتحتُه حتى بدأتُ أضربُ كفّا بكفّ لأنني لمْ أفهمْ منهُ شيئا، ووجدتني ولا أعرفُ كيف ولا لماذا أختار من الصيغ الثلاثة الصيغة الخاطئة كعنوان لديواني، وكانت النتيجة أن صدرت المجموعة الشعرية بخطأ نحوي فادح، أيْ هكذا: (مقام الخمسة عشرة سجدة)، وبدأتْ تهلّ عليّ رسائل الأصدقاء من كل صوبٍ وحدب يؤكدّون لي فعلا وحقيقة وبالحجّة والبرهان الدّامغ ما في العنوان من خطأ، ولم أدرِ كيف حملتُ نسخة من الديوان وطبعتُ قبلة فوقها، وأنا أهتف ضاحكة: شكرا لك أيتها اللغة الإيطالية، شكرا لكَ أيّها المَهْجَر، شكرا لك يا لغتي العربية المرتبكة، شكرا لكل هذا الجنون الذي كشف لي بأنني كنتُ أعرف الجواب فغالطتُ نفسي ولجأتُ لمن كنتُ أظنه أعرفَ مني فإذا بي أحصل على جواب واحد لا غير: ما على العارف أبداً أن يسأل عارفا مثله قطّ، فما بالك إذا كان مهجريا مثله، تلك كارثة عظمى، لأنها تعني أنّ الغريق إذا تمسّك بغريق مثله فمن الممكن جدّا أن يغرقا معا، إذ لكلّ عارف بحر هو أدرى بموجه وعطشه ومواقف الغرق والنجاة فيه، وإذا اختلط البحران قد تكون النتيجة إمّا محيطا لا ينفد ماء علومه، وإما طوفانا يأتي على الأخضر واليابس، والحمدُ لله أن منّ عليّ بالكرامة الأولى وأنجاني من الطوفان والغرق بعد طول صبر وجَلَد. ذلك أنني منذ ذاك الحين تعلمتُ ألّا أسأل أحدا سوى الكتب، وألّا أثق بأحد سوى بقلبي حينما تختلط الحروف والأوراق، لأنه هو وحده عنده الجواب لكلّ الأسئلة.

لا أعتقدُ أنه مرّ عليّ في التاريخ كاتبٌ يتحدث هكذا عن نفسه ويعرّيها أمام الملأ: فالكلّ اليوم يدّعي الكمال والعرفان، أما أنا، فلا أدّعي شيئا سوى أنني أعترفُ أمام الجميع بأن الوقوع في الخطأ هو سيد العارفين جميعا ومعلّمهم الأكبر، وأنّ كلّ الحقائق الكبرى كانت في الأصل أخطاء تمّ تصويبُها. وحده الخطأ محرابنا الذي نلجأ إليه لنخلو بأنفسنا ونتعلّم كيف نُجدّد طاقتنا وقوتنا، وكيف نستمرّ في المضي قدما بدون خوف أو وجل. ولأنّ الخطأ على عكس ما يشاع عند الكثير من الناس فضيلة من أرقى الفضائل، ولأنّ الإنسانَ كامل ليس لأنه لا يخطأ، ولكن لأنه سيّد الخطّائين. لذا فإن قوتنا تكمُن في السعي نحو فهم طبيعتنا الإنسانية عبر ميكانيزمات الخطأ نفسه، لأنها تريدُ أن تقول لنا: إنّ الإنسان مهما بلغ من درجات التفوق فهُو ضعيف أمام كمال الله المطلق، لأنه هو صاحب العلوم كلها وإن كان هذا الإنسان قد بلغ من العمر عتيّا مصداقا لقوله جلت قدرته: ((وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ)). فلسنا في هذه

الحياة نسابقُ رياح الزّمن والناس لنعرف من هو الأفضلُ أو الأكمل أو الأحسن، فكلّ إنسان عارفٌ، وإن بالشيء القليل الذي يملكُه، وإن كنتُ هنا لا أتحدث عن الخطأ بمفهومه السلوكيّ، ولكني أتحدث عن الجرح الذي حدث بداخلي فقط لأنني أضفتُ لغة أو لغتين أخريين لقاموسي الأبجديّ. العيبُ ليس في اللغات وإنما في الكأس التي تُصبُّ فيها هذه اللغات الجديدة، إذ هناك مجموعة من الميكانيزمات الشديدة التعقيد والتي يعرفُ عنها الشيء الكثير أصحابُ العلوم المختصة في دراسة الإبداع والتعليم ومشاكله عند الجيل الجديد من أدباء المهجر، على الرغم من أن معظم الدراسات تشهدُ لليوم أنَّ أفضل الأدب والإبداع الفكري هو ذاك الذي يأتي من الضفة الأخرى، ويكفينا فقط أن نتذكر جيل جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، وكذا إيليا أبو ماضي، وغيرهم كثيرون، كي نعيَ جيّداً عبقرية أبناء المهجر المبدعين في كل الميادين وليس فقط في مجال الكتابة والحرف.

هل بعد هذا يمكنُ القول بأن أخطاء الأديب المهجري النحوية مثلا مبررة؟ طبعا لا، ولكن هناك سؤال آخر أريدُ أن أطرحه وإنْ بشكل عكسي: لماذا تضجُّ بالأخطاء اللغوية والنحوية الفادحة روايات ودواوين الأدباء العرب المعاصرين الذين نشأوا وترعرعوا ومازالوا مقيمين في أراضيهم الأمّ، ما مُبررهم في هذا: هل يعانون من جرح فطامي هم الآخرون؟ أمْ أنّ الكارثةَ أكبر بكثير من تلك التي من الممكن جدّاً أن يعانيَ منها أديب مهجَريّ؟

هل بتنا حقا نعيش في زمن بدون انتماء وهوية: ليس لأننا نكتب باللغة العربية، ولكن لأننا نكتب بلغة عربية ركيكة لا تماسكَ ولا معنى فيها؟

عموما خذها مني نصيحة أيها القارئ الكريم، لا أحدَ يُصحّحُ خطأ أحد، إلّا من رحم ربّي، وإذا حدثَ وصادفت إنساناً يصحّحُ لكَ أخطاءَكَ الكتابية في نصوصك الشعرية أو القصصية، هذا إذا كنت طبعا من أهل الكتابة والحرف، فاعلمْ أنّه ليس بالبعيد جدا أن يكون النصُّ يعنيهِ، إمّا لأنكَ كتبتَهُ عنهُ، أو لأنّ اسمهُ ورد فيه بشكل أو بآخر. أو من المحتمل جدّاً أن يكونَ خبيث النيّة ويريدُ أن يقهرك ويقول لك بشكل مباشر أو غير مباشر: إنك جاهل ودعيّ لا تعرفُ حتى التمييز بين الفاعل والمفعول به مثلا. غير هذا، ما عليكَ سوى أن تُشمّر عن ساعد الجدّ، وتتعلّم من أخطائك، وتصقل موهبتك وفنّكَ، وتدرس كلَّ يوم أكثر فأكثر حتى تصلَ إلى مدارج الرقيّ والسّمُو.

الخطأ النحوي كالخطأ في الحياة تماما: ليس ثمّة فرق بينهما، ذاك يعلمك والآخر يعلّمكَ أيضا. الأول يعلّمك كيف تتعامل مع نفسك وتدرّب مهاراتك الفكرية وبالتالي كيف تنمّي قدراتك الشخصية والثقافية، والثاني يعلّمك كيفَ تتعامل مع الآخرين، وكيف تنمو سليما

معافى وسط مجتمع من المهووسين بالكمال. معادلة صعبة أليس كذلك؟ لكن تأكد عزيزي القارئ أن أكثر الأدباء الفرنسيين عبقرية كمارسيل بروست مثلا: كانت كتاباته الأولى تضجّ بالأخطاء النحوية، لكن أهل زمانه فقهوا أنّ مواطن العبقرية عنده لم تكن في هفواته اللغوية ولكن في طريقة كتابته، وفي الجديد الذي جاء به فقلب موازين الأدب الفرنسي كافة، وبات الناس يتخاطفون كتاباته وإن كانت طويلة وممتلئة بالأحداث والتفاصيل: لكن طريقة جذبه وشدّه للقرّاء كانت مميزة، صنعتْ منذ ذلك الحين ما يسمّى بالأدب البروستي.

فاتني أن أقول لكَ عزيزي القارئ: إنّ ديواني الذي صدر هنا في إيطاليا باللغة العربية وبعنوان خاطئ، صدرَ في العراق بنسخة ورقية جديدة أنيقة، وقد تداركتُ فيه كلّ ما كان نصوصه من هفوات، ومن يدري فلعلّهُ يصبح بعد هذا أكثر الكتب قراءةً في كافّة أرجاء المعمورة.

صحيح أنّ الأمر فيه كان يتعلّق بمجرّد خطإ نحوي ليس إلّا، لكنني تعلمتُ منه الكثير والكثير، سواء على مستوى جودة قاموسيّ اللغوي العربي الجديد، وطريقة عملي على نصوصي، أو على مستوى مهاراتي في كيفيّة التعامل مع أصدقائي الجدد من عالم الأدب والأدباء، أو على مستوى حياتي الشخصية، فشكرا لله الذي خلق الخطأ غوثا عظيما يعلّمُنا نحن العرفاء أنّ أكثر الناس رقيّا ومكانة عند الخالق، أقدرهم على التعرّي، لأنّ التعرّي تواضع، والتواضع رفعة والرّفعةُ لا يمكنها أن تأتي إلا من باب الاستيقاظ من الغفلة، واحترام الإنسان لنفسِه وقدراته، والاعتراف بعبقرية تلك الروح التي نفخها البارئ بين جوانحه، فجعلتْ منهُ الحمامةَ، والسمكةَ والنّسرَ والغزالة.

لا تعليقات

اترك رد