هل أصبحت سمعة بلادنا العربية … في الحضيض … ؟؟

 

أصدرت المنظمة الدولية للسمعة REPUTATION INSTITUTE INC., و هي مؤسسة خاصة أسست عام ١٩٩٧ في أميركا، و تعمل في مجالات البحوث و الدراسات و الإستشارات في جوانب متعددة تتعلق بالاستراتيجيات و إدارة المخاطر و إدارة الاعمال، و بيئة تداول و تطبيقات البرامج و الخطط في مجالات الأعمال المختلفة، على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية و العالم، كما توفر المؤسسة أدوات لقياس التطور و التغير و قياس مستوى سمعة الشركات و المؤسسات المعنية و الدول إستنادا إلى مقاييس و معايير مدروسة ..

لهذه المؤسسة الدولية مكاتب فرعية، إضافة لمكتبها الرئيس، في كل من البرازيل، الصين، الدانمارك، إيطاليا، هولندا، بنما، جنوب أفريقيا، أسبانيا، الإمارات العربية المتحدة، بريطانيا، إضافة إلى مكاتب أخرى في أميركا ذاتها ..

تدير هذه المؤسسة و تشرف على العديد من العمليات و المشاريع في كل من ، أستراليا، بلجيكا، بوليفيا، كندا، تشيلي، كولومبيا، فنلندا، فرنسا، ألمانيا، اليونان، الهند، إيرلندا، اليابان، ماليزيا، النرويج، بيرو، البرتغال، روسيا، سنغافورا، السويد، سويسرا، تركيا، و أوكرانيا ..

في الأسبوع الأخير من شهر حزيران الماضي أصدرت هذه المؤسسة تقريرها الدولي ( الدول الأفضل سمعة عالميا ) لعام ٢٠١٦، و شملت الدراسة سبعين دولة حول العالم، و إستندت الدراسة على عدد من المعاييير و المقاييس العلمية المعتمدة في قياس مستوى سمعة هذه الدول خلال العام المنصرم، حيث إحتلت السويد المرتبة الأولى عالميا، بدلا من أستراليا التي أحتلت هذا المركز العام الماضي، و متفوقة على كندا التي جاءت في المركز الثاني، تلاها كل من سويسرا، أستراليا، النرويج، فنلندا، نيوزيلاند، و الدانمارك، حيث كانت ٧ من الدول العشرة الأولى عالميا من دول أوربا الغربية، و واحدة من شمال أميركا، إضافة إلى كل من نيوزيلاند و أستراليا ..

و الملاحظ أن الدول التي تربعت على قمة الترتيب لهذه الدراسة، هي نفسها تقريبا الدول التي تربعت على قمة ترتيب دول العالم في دراسات أخرى مشابهة أعدت من قبل جهات و معاهد أخرى، منها قائمة الدول الأكثر سعادة، الدول الأكثر أمنا، و الدول الأكثر تقدما في المجالات الإجتماعية و الإنسانية، و الدول الأقل فسادا ..
و لسوء الحظ فأن العكس صحيح أيضا، فالدول الأقل حظا من حيث السمعة، هي على الأغلب من بين الدول الأكثر فسادا في العالم، و الأقل أمنا، و الأقل سعادة، و الأقل تقدما في المجالات الإجتماعية و الإنسانية، و هذا فعلا ما يؤسف له ، و ربما يشكل ظاهرة عالمية تستحق الدراسة و البحث، فهناك دول معينة بات متعارفا عليه أن تحصل على قمة النتائج الجيدة و المفضلة، و هناك قائمة دول أخرى باتت تحتكر ترتيب الأسوأ عالميا في كل شئ تقريبا، و للأسف مرة أخرى أن يكون العراق في ظل الإحتلال و ما بعده دائما من بينها ..

أما الدول العربية المشاركة في هذه الدراسة، فكانت سبعة دول فقط جاءت كلها في مستويات متأخرة، و كما عهدناه دائما، لم يخيب العراق ” الجديد ” الآمال و جاء في المرتبة السبعين و الأخيرة محققا أضعف النتائج للدول المشاركة في هذه الدراسة، علما أن دول عديدة أخرى لم تشمل بالدراسة أساسا لأسباب عديدة و متنوعة، أهمها عدم توفر المعلومات أو وسائل القياس اللازمة، أو نظرا لظروفها الحالية التي تمر بها و التي تعتبر إستثنائية، كحال سوريا مثلا ..

بشكل عام فأن ١٤ دولة فقط من الدول الخاضعة للبحث أظهرت نتائج قوية في مجالات معايير السمعة العالية دوليا و عالميا، في حين أظهرت النتائج أن ٥٠ دولة كانت لها نتائج متباينة ما بين المتوسطة المستوى أو دون المتوسط أو الضعيفة، و كانت نتائج ٦ دول ضعيفة جدا يتربع على اسوأها العراق كما أشرنا ..

لتنفيذ هذه الدراسة، أجرى المعهد مسحا على عشرات الدول، و إستطلع آراء ما يقارب من ٥٨ ألف شخص من خلال الإنترنيت و ضمن الدول المتقدمة الكبرى، لقياس عددا من المعايير من بينها جودة الحياة و المعيشة، و عدد الإجازات الممنوحة للآباء لرعاية الأطفال، إضافة إلى مدى إحترام و نظرة العالم الخارجي لكل دولة، و حرية الإعلام، و معدل الأمن لديها في مواجهة الهجمات الإرهابية و مستوى الأمن و الأمان فيها بشكل عام، و مستوى الخدمات التي تقدمها الحكومة ..

كذلك يؤخذ الجانب الإقتصادي و السياسي في الإعتبار، فمثلا محاولة الإنقلاب الفاشلة الأخيرة في تركيا و ما تبعها من إعتقالات و نوع من عدم الإستقرار، أثرت كلها على مستوي و موقع تركيا في هذا التقرير، كما تأثر مستوى عدد من الدول الأوربية بسبب أعمال الإرهاب أو إنعكاسات موضوع اللاجئين كما نجد ذلك بوضوح فيما يخص ألمانيا، كذلك تأثر موقع بريطانيا في التقرير نتيجة إنعكاسات موضوع إنسحابها من الإتحاد الأوربي و تأثيرات ذلك على جوانب عديدة سياسية و إقتصادية و أمنية ..

في منطقة الشرق الأوسط، هناك حالة عامة شبه شاملة من عدم الإستقرار، و تحديات أمنية و سياسية و إقتصادية متنوعة، و هذا ما أثر بشكل واضح على مستويات الدول هناك في هذا التقرير، فمثلا تراجع تصنيف المملكة العربية السعودية بمقدار 4.7 نقطة من العام الماضي، و لم يتم تصنيف سوريا ضمن الدراسة كما أشرنا بسبب ظروف الحرب و عدم الإستقرار التي تعيشها منذ عدة سنوات، بشكل عام فقد جاءت المغرب في المرتبة الأولى عربيا و 39 عالميا، تلتها الإمارات في المركز الثاني عربيا و 46 دوليا، بينما هبط تصنيف دول أخرى، و قد جاء العراق كما أشرنا في المركز الأخير، و سبقته إيران و الباكستان، كما شملت قائمة الدول التي جاءت في المراتب المتأخرة كلا من نيجيريا، روسيا، الجزائر، السعودية، و أنغولا ..

و كمثال على كيفية عمل المعايير في رفع مستوى البلد و سمعته عالميا أو تخفيضها، فأن حصول السويد على المرتبة الأولى عالميا لهذا العام كان لعدة أسباب، منها، كونه بلد يوفر خدمات و تسهيلات مهمة للعوائل منها منح الأم إجازة ولادة لمدة ١٦ شهرا، الإهتمام بالبيئة و توسيع المساحات الخضراء في البلد، تحسين المناخ الإستثماري و تطوير مستويات النمو الإقتصادي، توفير مستويات أمان و أمن عالية بالنسبة للنساء، توفير مستويات عالية من الشفافية بالنسبة لأجهزة الإعلام المختلفة، الطبيعة الخلابة و الهواء النقي و تقليل التلوث البيئي .. و لا أدري إن كان لأي من البلاد العربية النية أو الرغبة أو الإمكانية للحاق بالسويد و منافستها أو حتى الدول التالية لها من خلال تحسين مستويات الخدمات و الأوضاع و الظروف التي مكنت السويد مثلا من أن تحل في قمة هذا الترتيب ..

بشكل عام، شهد تقرير عام ٢٠١٦ تطورا ملحوظا في ترتيب و مواقف عدد من الدول منها، فرنسا و روسيا و بيرو، في حين شهدت عددا من الدول تدهورا واضحا في مستوياتها، كانت الأوضح في كل من تركيا، و السعودية، و بلجيكا ، و على الأغلب كانت للأوضاع الأمنية و السياسية و الإقتصادية للبلد أثرا في تقدم أو تأخر ترتيبه عالميا قياسا بالدول الأخرى ..

من الأمور المهمة التي إنتهت إليها الدراسة، أن الدول التي تمتلك سمعة جيدة ستتمكن من جذب أعداد أكبر من السواح، و جذب إستثمارات أجنبية أكبر، و تزيد من حجم الصادرات، و تحسن من مستوى علاقاتها الديبلوماسية مع الدول الأخرى، و تتمكن من جذب أعداد أكبر من الخبرات و المهارات و القدرات البشرية للعمل و السكن فيها، و هذا كله سينعكس إيجابيا على الأوضاع الإقتصادية و المعيشية للبلد المعني ..

من ضمن النقاط المهمة و اللطيفة التي أشارت إليها الدراسة أيضا، أن سمعة البلد تبنى من خلال عمل و نشاط و جهود مضنية و فعاليات تستمر عددا من السنوات، لكنها من الممكن أن تتدهور و تسحق و تمحق خلال لحظات أو بمرور أحداث سريعة أو طارئة معينة، كما في الإنقلابات أو الأعمال الإرهابية أو الصراعات الإقليمية و الداخلية، أو قرارات سياسية خاطئة، إلى غير ذلك، و أعتقد أن ذلك ممكن أن ينسحب على المستوى الشخصي أيضا، فسمعة الرجال و الأشخاص تبنى على مر الزمن من خلال أفعال و أعمال و أقوال، لكنها للأسف ممكن أن تمحى و تمحق في لحظات لأسباب أو أخطاء معينة ..

أخيرا نستذكر بيتا للشاعر الكبير أحمد شوقي، يقول فيه :
” إنما الأمم الأخلاق ما بقيت … فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا “

المقال السابقعن الديمقراطية والسوق
المقال التالىللخروج من حظائر الإستبداد
غسان العسافي .. كاتب و باحث في الشؤون العربية و العراقية. حاصل على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال.. خبير و إستشاري في التدريب و الإدارة ... عمل في العديد من المناصب و الوظائف الإدارية و الإستشارية في العديد من الشركات و الإدارات الحكومية في السعودية، قطر، اليمن، العراق، و نيوزيلاند. مقيم حاليا في ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد