عن الديمقراطية والسوق

 

هل ثمّة علاقة بين الديمقراطية والسوق؟ ثم ما هي عناصر هذه العلاقة وأركانها إن وُجدت؟ وبعد ذلك هل تزدهر الديمقراطية بازدهار السوق، أم أن السوق يزدهر بالديمقراطية؟ ولعلَّ مثل هذه الأطروحات لاقت رواجاً كبيراً بعد انهيار الكتلة الاشتراكية، حيث ارتفعت الدعوات إلى حرية السوق و”الخصخصة” بتفكيك القطاع العام، ارتباطاً مع نهج الانفتاح و”الدمقرطة”، وإعلان فشل سياسات التخطيط الموجّه، وغير ذلك من المبرّرات التي كان بعضها صحيحاً، لكن الهدف أريد به باطل، حيث السعي المحموم لإثبات ظفر النيوليبرالية على المستوى العالمي، وبالتالي التسليم بوحدانيتها كخيار اجتماعي لا مفرّ منه للتنمية.

وقد حاول النيوليبراليون (الليبراليون الجدد) تأكيد هذا التوجّه بالتعكّز على أربعة أضلاع أساسية، زعموا أنها ستكون مفضية لمد الجسور والقناطر بين السوق والبناء الديمقراطي، وهذه الأضلاع هي:
1 – تحرير قطاعي التجارة والمال (من القطاع العام وتأثيرات الدولة).
2 – السماح للأسواق (والمنافسة) بتحديد الأسعار (والمقصود بذلك تصحيح الأسعار حسب وجهة النظر النيوليبرالية).
3 – القضاء على التضخّم (أي تحقيق الاستقرار على مستوى الاقتصاد الكليّ).
4 – خصخصة المنشآت الحكومية (أي تفكيك القطاع العام بزعم فشله).

ووفقاً لهذه الوضعية، على الحكومة لكي تكون ديمقراطية ومقبولة أن تتنحّى جانباً لحساب حركية السوق وارتباطاته العالمية.
ويذهب المفكّر الأمريكي نعوم تشومسكي لتحليل ذلك في كتابه “الربح مقدّماً على الشعب” مع عنوان فرعي يمثّل جوهر فكرة الكتاب “النيوليبرالية والنظام العالمي”، ويركّز على ظاهرة “السوق الحرّة”، أو حسبما يسمّيها تلميذه وكاتب مقدمة كتابه روبرت دبليو ماك تشيزني “أسطورة” السوق الحرّة، تلك الترتيلة الباعثة على التفاؤل المقحمة عنوة في رؤوسنا حسب تعبيره، والقائلة إن الاقتصاد بطبيعته “تنافسي وعقلاني” وهو أيضاً “كفوء وعادل”، وهو الأمر الذي يدحضه تشومسكي، فالسوق تهيمن عليه شركات عملاقة تتمتّع بسيطرة هائلة وتزيح أي منافسة جدّية أمامها، حتى ولو كانت ضئيلة جداً.

وتشومسكي هو من رافضي الحرب على فيتنام في سبعينات القرن الماضي ومن منتقدي السياسة الأمريكية، وخصوصاً النيوليبرالية، التي نشطت في عهد الرئيس رونالد ريغان وبالتعاون مع رئيسة وزراء بريطانيا مارغريت تاتشر، وكذلك من المندّدين بمبدأ الرئيس بيل كلينتون، القاضي بسيادة التجارة الحرّة وسيلة مهيمنة على العالم عبر شركات عابرة للقارات، وهذه الشركات العملاقة تعمل وفق نظام إداري تراتبي متسلّط وأوامرية فوقية، الأمر الذي سيعني أن حرية السوق حسبما ينظر لها أصحاب المذهب النيوليبرالي، لا تنسجم مع الدعوة لإقامة أنظمة ديمقراطية، وهكذا فإن التعارض سيكون شاسعاً بين متطلّبات السوق ومستلزمات الديمقراطية.

خلال صعود الفاشية والنازية في الثلاثينات من القرن الماضي، أطلق البعض عليهما وصف “الرأسمالية بلا قفازات”، لمعارضتهما حقوق الإنسان والديمقراطية، وانحيازهما للدكتاتورية والشمولية، وهو ما يخالف الفكرة الرأسمالية الليبرالية الكلاسيكية، تلك التي تعلي من شأن الفرد والفردانية، وترفع من قدر الحريّة كقيمة عليا سامية، إضافة إلى تقديس “حرية السوق”، وفقاً لشعار المفكر الاقتصادي البريطاني آدم سميث “دعه يعمل، دعه يمرّ”.
فهل تنطبق تلك المواصفات على النيوليبرالية، أم أن هذه الأخيرة تمثّل مرحلة جديدة صعدت فيها قوى البزنس لتصبح أكثر شراسة وعدوانية، وهي تحاول إزاحة أي قوة أمامها تعارض ما يسمّى بحريّة الأسواق أو الأصح “دكتاتورية السوق”، حتى وإن كانت نظاماً ديمقراطياً لا فرق في ذلك عندها، لأن هدفها هو الهيمنة والحصول على الأرباح، لكنها قد تجد في “ديمقراطية” شكلية قائمة على الانتخابات مثالاً “جيداً”، لتحقيق أهدافها حيث يلعب الإعلام دوراً مؤثراً في كسب الناخب، وتحويل اهتمامه من المشاكل الجوهرية إلى مسائل ثانوية وربما أقل تأثيراً، بما يحافظ على هيمنة الشركات الكبرى المحميّة من الاحتكارات العالمية.

وقد حاولت النيوليبرالية إطاحة أنظمة وفرض أخرى للحجة ذاتها “الديمقراطية وحريّة السوق”، فالحكومات التي تعارض حرية السوق حسب النيوليبرالية هي حكومات غير ديمقراطية، حتى لو كانت تحظى بدعم شعبي، وكوبا مثالاً على ذلك، فقد استمر الحصار عليها ما يزيد عن خمسة عقود ونظّمت مئات محاولات التدخل للإطاحة بنظامها، وحكومة الليندي في تشيلي التي أطيح بها في العام 1973، كانت قد جاءت عبر انتخابات شرعية، ولكنها من وجهة نظر البزنس هي حكومة غير ديمقراطية، لأنها تعارض “حريّة الأسواق” التي تعني حريّة الولايات المتحدة في التدخل بشؤون الغير، بإعطاء الشرعية لنفسها للإطاحة بأي نظام يعارض توجهاتها، باعتباره يهدد “الأمن القومي”، حتى وإن بَعُد آلاف الأميال عنها.
وحسب النيوليبرالية يعتبر الفلسطينيون مهدّدين لحرية السوق وللديمقراطية، طالما يرفضون الانصياع للسياسة “الإسرائيلية”، وهي وإن كانت عدوانية وتتنكر لحقوق الشعب العربي الفلسطيني، لكنها تنسجم مع وصفة واشنطن ذات الأضلاع الأربعة، وحسب أضلاعها هذه، فالتجربتان الأفغانية والعراقية بعد الاحتلال الأمريكي للبلدين، “ديمقراطية” لأنها تنسجم مع حرية الأسواق، والمقصود حرية واشنطن في التدخل ونهب الثروات.
وتحت مبرّرات العولمة تحاول النيوليبرالية عقد الصفقات التجارية والاتفاقيات الدولية، لتجعل مجتمع البزنس والشركات الكبرى، وكبار الأغنياء مسيطرين على اقتصاديات الأمم، وذلك عبر منظمة التجارة العالمية، خصوصاً بتسويق أوهام ضرورية ليبدو غير المنطقي مرغوباً، بالإيحاء أنه يعمل للصالح العام، وذلك عبر جهاز دولي واسع لصناعة “فكرة القبول” أو القدرة على الإقناع، ليصبح حسب المفكر الجزائري مالك بن نبي القابلية على الرضا أو الموافقة التي يقابلها الخضوع، حيث يعمل فيه ويسخّر له مفكّرون وإعلاميون ومؤسسات مجتمع مدني وقوى وأحزاب ووكلاء مباشرون وغير مباشرين.

ومنذ نهاية الحرب الباردة راجت نظريات ما سمّي بـ”نهاية التاريخ” حسب فرانسيس فوكوياما، أو “صدام الحضارات” حسب صمويل هنتنغتون وغيرها، سعياً وراء اختراع عدوّ جديد بعد القضاء على الشيوعية سمّي “بالإرهاب الدولي” الذي وضع مرادفاً له “الإسلام”، مع تسويق فكرة عدم وجود بديل أفضل من النيوليبرالية وتركيباتها الفرعية، واستبعاد أي فكرة جوهرية للتغيير أو لديناميات جديدة تُفضي إليه وتقف بوجه العولمة وتسعى للتقليل من تأثيراتها السلبية.

لا تعليقات