في رثاء وهجاء شيمون بيريز


 

قد اتفهم موقف الاسلام والعرب والمسلمين من كراهية الآخر المختلف وخصوصا ضد اليهود والنصارى، فهذه أوامر إلهية لا يستطيع المسلم مخالفتها وإلا لاعتبر كافرا يجوز هدر دمه وسرقة امواله.

لكن مالم استطع فهمه ان تستمر الكراهية الي يومنا هذا، دون اي تعامل مباشر بينهم، وخصوصا بعد تغير الظروف الجغرافية والسياسية والاجتماعية لصالح منطق العقل والقوة والمعاهدات الأممية.

قبل أيام توفى رئيس اسرائيل التاسع شيمون بيريز، وكما هي عادتنا في محاكمة الأحياء والأموات، ظهرت فئة من المسلمين لم تتخذ اي موقف واضح بل ظلت صامتة، وظهرت فئة أخرى تلعن وتشتم وتحتقر بل وتفرح بوفاته، وظهرت فئة ثالثة شاركت الشعب الاسرائيلي أحزانه.

بين هذه الحالات، علينا ان نستخلص الدروس والعبر، فما يهمني من وفاة شيمون بيريز اليوم، ليس انه يهودي او محتل او قاتل كما يدعي العرب والمسلمين، ولا يهمني ايضا انه انسان حاصل على جائزة نوبل للسلام بعد ان قدم خدمات كبيرة الي شعبه والي قضية السلام بين اسرائيل والعرب، فهناك الكثير غيره من البشر الذين يرحلون كل يوم الي العدم والفناء وقد قدموا الكثير للبشرية، بل ما يهمني فعلا هو حالنا وذاتنا في مجتمعاتنا العربية والاسلامية، ما يهمني هو كيف نفكر وكيف نطلق الاحكام وكيف نرى الأفراد الأحياء منهم والأموات.

فالغالبية ارتكزت على الدين في تعاطيها مع الكراهية ، فأصبح الانسان ومهما بلغ من الأخلاق والعلم والثقافة صفرا لا يستحق الإشادة أو على الأقل السكوت احتراما لرحيله (فهناك الكثير من الشخصيات العالمية والمؤثرة ممن قدموا اكتشافات وخدمات للبشرية لا يعدهم بعض المسلمين الا كفارا غايتهم في الدنيا خدمة المسلمين وان الله سخرهم

لذلك)، كما وأصبحت غالبيتنا ترى الانسان فيما يؤمن ويصلي ويحج ويدفع الزكاة والخمس والصدقات، ولا تراه انسانا في احترامه للقانون والعمل والصدق والإخلاص واحترام المرأة طالما انه غير مسلم.

نحن نفكر تماما عكس القيم والأخلاق والمبادئ، نحن لا نريد ان نحترم أي انسان لمجرد انه انسان، بل نحن نجلب معه كل أخطاءه وعثراته ونكشف ستره فقط حتى نلعنه ونكفره ونحتقره براحة بال وضمير مؤمن تقي بل وندعو الآخرين الي مشاركتنا في حفلة اللعن والشتم والقذف حتى نطمئن ان الجميع قد آمن باللعن المقدس، وكأن لم يكفنا ما تعايشنا معه من كراهية واحتقار لبعضنا البعض منذ 1400 سنة بعد تشتتنا الي سنة وشيعة وأباظية ووهابية وحنبلية .. الخ.

شيمون بيريز يظل مواطن اسرائيلي حكم اسرائيل في فترة معينة وترقى في مناصب الدولة ضمن مناخ سياسي واجتماعي عربي ودولي له استحقاقات وعليه متطلبات، فالمشروع الاسرائيلي في السلام مع الفلسطينيين والعرب لم ينتهي ولن ينتهي إلا بمعاهدات كاملة وعادلة مع العرب ووفق شروط مرضية للطرفين. رحيله كان فرصة حتى نتيقن من أهمية الدور الانساني والسياسي الذي نحتاجه لاستكمال خطوات السلام وإنهاء حالة الصراع والعداء بين الطرفين والتى كلفتنا الكثير وأعاقت الكثير ودمرت الكثير، رحيله في الواقع لم يكشف عن توقنا للسلام بقدر ما كشف عن حالة مازوخية في رغبتنا بالإنتقام من كل من يموت من الطرف الآخر، رحيله كشف عن سلوك بشع وثقافة عدائية وتاريخ كامل من اللاشئ ما عدا ثرثرة دينية وخطب قومية وشعارات وطنية وتعبئة دينية تم بيعها مع اتفاقيات الأسلحة ورفع الحصار الاقتصادي واستمرار بعض الانظمة العربية والحكام الطغاة على سدة الحكم.

نحن شعوب لا تريد ان تفهم الواقع ولا أن تغير وعيها ولا أن تدرك معنى القوة والهزيمة وكيفية النهوض، فطوال سنوات وجود اسرائيل والدول العربية كان التفوق

نصيب من يعمل، نصيب من جعل من جامعاته تحتل اعلى المراتب في مؤشر الجامعات العالمية، نصيب من يسعى الي السلام والتعايش وهو يمتلك القوة العلمية والعسكرية والتكنولوجية، بينما كانت الهزيمة من نصيب من يدعو بالموت على أعدائه، من يقتلهم خلسة وليس عبر مواجهات عسكرية، من يلعنهم فوق المنابر بينما يستخدم منتوجاتهم العلمية والتكنولوجية بشراهة، من يظل يجتر تراث الدين وأحاديث الدين وأوهام الدين بينما في واقعه لا يقدم اي اكتشافات علمية أو فلسفية او اخلاقية تعينه على المواجهة وفرض شروط السلام.

يا ترى كم نحتاج ان يموت من اعدائنا الذين صنعناهم نحن بضعفنا وتخلفنا حتى نفهم ان العداء ليس صفة مستمرة، فالسياسة لا عدو دائم فيها، وكم نحتاج ان نلعن ونشتم غيرنا حتى ندرك ان الكراهية لا تؤذي الا صاحبها فقط، وكم قرونا نحتاج حتى نصل الي تعلم مفاهيم ومبادئ الحداثة والتنوير والعلمانية حتى نعرف الفرق بين السياسة والدين، وبين الكراهية الدائمة ومتطلبات السلام، وبين ان نكون بشرا نحمل الانسانية الي العالم وبين بقاؤنا أسرى مخلفات التاريخ الاسلامي.

من يحتاج اليوم الي الرثاء والهجاء، ليس شيمون بيريز، فلن ينفعه اليوم شدة هجاؤنا او طيب رثاؤنا بعد ان رحل عن الحياة، بل نحن من نحتاج الي الرثاء والهجاء طالما بقيت الكراهية عنوانا لنا في كل نظرتنا ورؤيتنا وتعاملنا مع الآخر المختلف.

5 تعليقات

  1. استاذي عبد العزيز
    لا تستوي حياة قومنا وتنشره صدورهم الا والكراهيه والاحقاد تحيط بهم وتسكنهم. وتصطر تفاصيل حياتهم. من يعيش في القرون المظلمه ويراها مصدر اشراق وبهجه وعز لن يستطيع العيش في عالم اليوم عالم المحبه المطلوبه والتسامح والانصهار في بوتقة الحضاره الصاعده الى علو التقدم لأنهم ارتضوا النكوص الى سراديب وكهوف الجهل والتجهيل. تحيه حب واعجاب.

  2. أتفق معك د. القناعي بأغلب ما قلته عدا ماذكرته عن المشروع الإسرائيلي وأقتبس “..فالمشروع الاسرائيلي في السلام مع الفلسطينيين والعرب لم ينتهي ولن ينتهي إلا بمعاهدات كاملة وعادلة مع العرب ووفق شروط مرضية للطرفين.” انتهى الاقتباس
    أعتقد أن السلام الذي تتحدث عنه إسرائيل سيٌفرض بالقوة، سواء الناعمة أو العسكرية، فالكيان الإسرائيلي ، مثله مثل أمريكا وأوربا، لا يعدو كونه أحد أذرعة الألوميناتي في إحكام السيطرة على العالم بالنظام العالمي الجديد الجاري تنفيذه منذ عقود

  3. شكرا لك عزيزي سالم على قراءة المقال واتفق معك بأن العالم اليوم يسير في اتجاه إنساني وتاريخي جديد يقطع مع الهمجية واصحابها.
    تحياتي لك

  4. يادكتور عبد العزيز..هذا المقال فيه كثير من اللحقائق ولكن فيه ايضا كثير من المغالطات ومنها ان نقول عن بيريز انه رجل سلام فهذهو والله من اغرب الاشياء..فهو صاحب اكبر المجازر وحشية ضد العرب والفلسطينيين .وهو من الاشخاص الذين عملوا على تثبيت الاستيلاء على فاسطين وهو لم يكن في يوم من الايام رجل سلام بل كان دبلوماسيا في ثوب حرباء وكان من الخبث انت وانا لنصدق اكاذيبه فاتقي الله يارجل. صحيح نحن متخلفون وتفسيرات الدين المغلوطة تسيطر على عقولنا ولكن ايضا لايجوز ان تصل بنا الامور ان لانعرف عدونا من صديقنا .

اترك رد