قراءة في رواية عتمة الذاكرة


 

بدءت الرواية بهذا الأستهلال: يدوي هذا الصوت في رأسي كقنبلة توشك على الأنفجار، أحاول أن أفتح عيني الثقيلتين فلا أقدر، أحرك أصابع يدي فلا تستجيب، كل ما أشعر به هو صوت ” التيت تيت” وظلام دامس، والكثير الكثير من الخوف والنسيان والفزع. وتنتهي بهذه الجملة: تطبطب علىَ وأنا أصارع عتمة الذاكرة. الرواية بدءت من حيث انتهت. وهو ما يعرف بالسرد الدائري. الشخصية الرئيسية هو مشهور، المستلب والضائع بين ما يريد ويرغب وما يريد منه المجتمع من خلال علاقته مع أبويه؛ الأم والأب. يبدء مشهور بعد أن فقد ذاكرته، أثر حادث تصادم أذ صدمت سيارته، شاحنة ولم يعد يتذكر غير صوت زمار الشاحنة وهي تقترب منه وهو مشغول في قراءة رسالة طليقته: تيت، تيت. وعيون سائق الشاحنة المبحلقة في أندهاش ورعب فيه. بأستعادة جميع ما مر عليه من الطفولة وحتى لحظة التصادم. يعيش طفولته، هو وأخوانه وأخواته في خوف دائم ورعب لا مثيل له في عائلة مفككة وغير منسجمة؛ تتعرض الأم للضرب من دون أدنى سبب من الأب وهي بدورها تفرغ جميع ما مكبوت داخلها بالضرب المبرح لأبنائها. الكثير الكثير من الممنوعات ومن التابوهات في ظل عائلة تحول الأبناء وهو واحد منهم الى بيادق شطرنج يتحركون على لوحة الحياة بأراة الأبوين من دون أن يكون لإرادتهم أي دور فيما يريدون ويرغبون فيه؛ وما موجود في تلك العائلة، صورة مصغرة لما هو كائن في المجتمع السعودي، وهذا ليس في المجتمع العربي في السعودية بل هو سمة المجتمعات العربية لكن في المملكة أكثر قسوة وظلم وأستلاب وأغتراب، مما جعل أي تغير، يتراجع بدرجة كبيرة جداً لصالح ما هو بالضد من الحياة والحرية وأثبات الوجود سواء على صعيد الفرد أو المجتمع. تغريب الذات عن الذات، خلق من مشهور شخصية غير سوية وغير منسجمة مع المحيط سواء المجتمع أو علاقته مع زوجته، منتهى والتى تزوجها عن علاقة حب، تلك العلاقة لم تستمر لفترة طويلة أذ سرعان ما توجت بالزواج. منتهى تتمتع بشخصية قوية، اكتسبتها من عائلتها المتحررة الى درجة معينة في أطار مجتمع محافظ. بينما مشهور ظل خلال فترة الزواج والتى أستمرت سبع سنوات؛ ضحية للشك في جميع تصرفات منتهى مما سمم العلاقة بينهما. رفض الأنجاب وكان رفضه السبب الأساس فيه؛ الخوف مما ينتظره من المجتمع، على العكس من منتهى والتى كانت خلال ما مر من السنوات السبع تلح بضرورة الأنجاب. من حيث لا يدري كان غير واثق من تصرفات زوجته؛ كان سلوكه أنعكاس لمعاناته في طفولته، في الأخير أنتهى الزواج الى الأفتراق. وحتى عندما أراد أعادتها رفضت وحاول عدة مرات مع ذلك كانت ترده بصورة قاطعة، وهو في سيارته أمام شارة المرور، رن هاتفه، رسالة من منتهى، طليقته، في هذه الأثناء فتح الضوء الأخضر لأشارة المرور وهنا كانت الكارثة أذ فتح الرسالة لقراءتها ولم ينتبه الى الشاحنة القادمة من الجانب الآخر فقد كان يقرأ الرسالة: كنت في سيارتي أقرأ رسالة زوجتي الغاضبة التى قالت لي فيها لن تشاركني يوماً آخر في حياتها وإنها تمقت اليوم الذي تزوجتني فيه وإنها باتت تكرهني كما لم تكره أحداً في هذه الحياة. الى هنا وتنتهي الرواية وهي رواية تستحق القراءة والتأمل؛ لقد حملت الكثير من المعاني والدلالات والتى تحتاج الى القراءة العميقة على الرغم من أنها كتبت بلغة سهلة وشاعرية وممتنعة وممتعة في ذات الوقت. صراع بين الجديد المنفتح على الحياة وأفاق تطورها لكنه لا يمتلك الوسائل والسلاح الذي به يفرض إرادته؛ بكلمة وحدة كانت الزوجة منتهى خارج الحياة والأهتمام: ” أنت طلق” وبين المرتبك والمضطرب والتائه بين الأختيارين. الرواية؛ أماطت اللثام عن مجمل التابوهات المجتمعية والتى هي في الأغلب؛ أنعكاس الى شكل النظام وألياته والتى تصنع من الناس أدوات فاقدة الى العقل المنفتح على الجديد والى الإرادة في صنع ذلك ليكون لها في الوجود وجود. وهنا يأخذ الصراع شكل الأضطراب في العلاقات سواء بين الناس أو بين الناس والنظام الحاكم أو المجتمعي، مما يفقد المجتمع الرؤية الصحيحة للطريق المجدي والذي يقود الى التطور وقبل ذلك المقدرة على مقارعة الظلم وأنتزاع الحقوق من النظام المستبد، هناك أشكال متعددة للأستبداد، خارج الرفاهية الأقتصادية؛ الحرية وعدم مصادرة عقول الناس بحيث يتحولون الى ماكنات تعمل من غير روح. تلك الأوضاع هي واحدة من أسباب ضياع الأوطان العربية. في الختام رواية؛ عتمة الذاكرة للرواية السعودية؛ أثير عبد الله النشمي، رواية تستحق القراءة..

لا تعليقات

اترك رد