جمال عبد الناصر


 

من الاخفاقات التاريخية في الشخصية العربية عموما انها تحتفظ إحتفاظا أبديا بالصورة النمطية التي تتشكل في التاريخ الشخصي والتاريخ العام ، حتى وان استجدت ادلة و ظروف او تكونت رؤى وتجددت تجارب . ولذلك ظلت شعوبنا منقسمة مجتمعيا حول كل شيء ،علاقات الناس بالناس يحكمها التجاور لا الاندماج ، فقد انقسم العراقيون بين من يعتبر عبد الكريم قاسم مجرما سفاحا غادرا انهى مشروع الدولة العراقية حديثة العهد عام 1958 ، وبين من يراه منقذا عظيما خالدا حقق للعراق قفزات تنموية لمئات السنين خلال حكم الخمس سنوات التي قضاها على راس ثورته . وهو انقسام اصبح معتادا حول اية قضية حتى وان كانت موضوعا وطنيا ، مثل (العيد الوطني للدولة ) او علم الدولة او النشيد او التسميات الحضارية القديمة للمدن. لم يحسم الشعب العراقي منذ ثمانية وخمسين عاما .. هل ان سحل نوري السعيد جريمة ام انتقام ام ثورة (بيضاء) ؟ وهل ان عودة المديح لدوره الوطني وشخصيته المركزية في تاسيس الدولة العراقية ، هو اكتشاف متأخر بناء على دلائل جديدة ام انه شعور بالندم ام ماذا؟ وهل ان مقتله يوم وطني ام نكبة ، ويمكنك قياس الكثير على ذلك . تلك المعايير المزدوجة عادة ما تستند اليها النخب العربية والعراقية تحديدا في تقييم تجربة الثورات العسكرية ضد الانظمة الملكية في عقد الخمسينات من القرن الماضي ؟ سوقتها اعلاميا وحزبيا وانشات منها صورا نمطية متناقضة رسخت في ثقافة الاجيال اللاحقة : انك تقبل عبد الكريم قاسم في العراق وترفض جمال عبد الناصر في مصر ، انك تقبل قومية عبد الناصر وتحارب قومية ميشيل عفلق ، انك تحن الى الانظمة الملكية وتصفها بالاحتراف والوضوح وفي الوقت نفسه تدعم حكم العسكر وتصفهم بالحداثة . كما انها تنظر الى العسكر في اليمن وليبيا والعراق و سوريا ومصر رؤية واحدة، رغم ان فروقا شاسعة جدا بين نمط هذه الجيوش وسلوكها واستقلاليتها عن القرار الدولي، او تماسكها وحكمتها في هذا البلد عن ذاك .ففي الوقت الذي قتل الضباط العراقيون الثوار الملك وعائلته وبرفقتهم طباخ ومديرة المنزل وهم يحملون القران الكريم ، حيّا الضباط المصريون الثوار الملك تحية الاطلاقات الوطنية والتحية العسكرية ليذهب امنا وعائلته بكل احترام الى المنفى .

من المهم اليوم إثارة هذه التساؤلات واحياؤها، ونحن نشهد تجارب حكم متعددة خلال الخمسين سنة الماضية .حيث وُضعت الشعوب بين خيارات صعبه ،اما ان تقبل حكم العسكر والديكتاتورية التي تمثل الناتج الطبيعي له ،واما القبول بالمؤسسة الدينية . العسكر بلا ايديولوجيا .. والاسلاميون ينتجون ايديولوجيات متشعبه عن الاصول الدينية ، تشعبات تتشعب بدورها الى تشعبات اخرى لتضع المجتمعات في انفاق الضوابط والمعوقات بمعنى ، خيار بين حكم عسكري ارتجالي قائم على فكرة البقاء في السطة باي ثمن وحكم المؤسسة الدينية الذي يتسلم مسؤولية بناء الدنيا وهو يفكر بالآخرة فقط. جمال الناصر . الزعيم الوحيد في هذا السديم العربي كان بين المنزلتين . الوحيد الذي انجز تيارا تختلف معه ام تتفق ، واعاد احياء الروح العربية التي فتتها الاسلاميون الى ولاءات خارجية بذريعة المؤمنين والكفرة والتفسير الواهن لمقولة لافضل لعربي على اعجمي الا بالتقوى .كما كان عبد الناصر صاحب مشروع مدني ومشروع لانتاج قوة ثالثة في العالم ، وكان يعي تماما انه يحكم مصر ومصر تحكم العرب ليس بالسلاح بل بالعقل واليد واللسان ، وسط بقع من الرمال اصبحت دولا ،وقطاع طرق استولوا على بلدان واسموها باسمائهم . كان يعي تماما ايضا انه يحكم شعبا ليس سهلا وليس متشابها ، وكان ادب مصر وفكرها وفنونها كلها تتدرع بشجاعته ضد الظلام والارهاب حتى وان اختلف روادها معه ، ليس هذا المقال في موضع دراسة سيرة وتاريخ هذا الرجل الاستثنائي في ذكرى رحيله بعد ان خاض مواجهات فريدة مع تنوع اعداء العرب، التقليديين منهم او ذيول الدين التي تخون وتغدر من داخل البلاد .بل انه دعوة الى قراءات في ظل المؤثرات ، قراءات جديدة لتاريخنا ، واعادة انتاج الصور النمطية التي تشكلت خطأ في ثقافتنا السياسية والشعبية العربية …

شارك
المقال السابقليس دفاعاً عن الرئيس الأمريكي أوباما
المقال التالىحلمنا واحد
عبد الحميد الصائح شاعر وصحفي وناشط في مجال حقوق الانسان .مواليد الناصرية جنوب العراق - يقيم في بريطانيا.. اصدر عددا من الكتب في الشعر والمسرح وله كتابات في النقد والصحافة كما قدم برامج سياسية وتلفزيونية تعنى بالشان العراقي . درس المسرح في كلية الفنون بجامعة بغداد والاعلام في الجامعة الامريكية ال....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد