مدى أعمال القواعد العامة في قانون العقوبات حماية بطاقات الائتمان الممغنطة

 

بعد ان ظهرت تقنية المعلومات على اثر اختراع الحاسب الآلي وبعد التطورات المذهلة التي اصابته سواء في صناعته او في صناعة البرامج التي يشتغل بها ويؤدي وظائفه من خلالها والتطور الذي شهده حقل نقل المعلومات بعد الاندماج الذي حصل بين نظامي الحوسبة والاتصال وما ادى اليه هذا الفتح الذي كان من اهم نتائجه ولادة شبكة المعلومات العالمية ( الانترنت ) التي ربطت اجزاء العالم المترامية الأطراف وجعلته قرية صغيرة كما يقال وما ادت اليه هذه الشبكة من اتساع في استخدام الحاسب الآلي والآلات التي تقوم على تلك التقنية . وادى استخدام الحاسب الآلي وانتشاره على نحو واسع في حياتنا اليومية الى ظهور فكرة التجارة الالكترونية كتطبيق معتمد في الوقت الحالي في ابرام العقود والصفقات لدى الحكومة وشركات القطاع العام او لدى شركات القطاع الخاص

ولقد ترتب على ظهور التجارة الالكترونية والصرافة الالكترونية التي يمكن عن طريقها تحويل المبالغ المالية لحسابات اخرى ودفع الفواتير وتحويل المبالغ لجهات اخرى خارج البنك بواسطة بطاقات الكترونية تحقق لمستخدميها سهولة التعامل وسرعة تسوية المدفوعات وتأمن لهم عدم حمل مبالغ نقدية كبيرة وتسهل لهم البيع والشراء في كافة انحاء العالم غير انه يقابل هذه الفوائد التي يحققها استخدام بطاقات الأئتمان اضرار كبيرة تتمثل في اساءة استخدامها من قبل حامل البطاقة نفسه او من قبل الغير اما عن سبب اختياري

لهذا الموضوع هو حداثته وقلة الدراسات القانونية التي تناولته واختلاف الفقه والقضاء المقارن في اضفاء الوصف والتكييف القانونيين على افعال اساءة استخدام بطاقات الائتمان وعدم تصدي المشرع الجنائي العراقي لتجريم افعال الاعتداء على تلك البطاقات ناهيك عن عدم تحقيق مفهومها قانونا

ولقد كانت جريمة الاحتيال جريمة محلية وطنية في اطوارها المتقدمة، لكن مع التقدم التقني والتكنولوجي وتقدم وسائل الاتصال تخطت جرائم جرائم الاحتيال الحدود الوطنية واصبحت جرائم عالمية عابرة للحدود، وقد استفاد المحتالون من معطيات العصر وتطوراته التقنية والعلمية. وقد خلقت شبكة الانترنت سلسلة من التحديات الجديدة والتهديدات الخاصة للحياة الشخصية، فهي تزيد من كمية البيانات المجمعة والمعالجة باعتبارها مصدرغني بالمعلومات، كما انها اتاحت عولمة المعلومات والاتصالات العابرة للحدود دون اي اعتبار للجغرافيا والسيادة. وقد تحول هذا النوع من الاحتيال الى تجارة رابحة قدرت بمئات الملايين من الدولارات كل عام.

نقصد بالقواعد العامة في قانون العقوبات ما يقرره قانون العقوبات من أحكام ترمي إلى حماية الأموال وذلك من خلال تجريم السرقة والنصب وخيانة الأمانة، وكذلك تلك التي ترمي إلى حماية الثقة في المحررات أي تلك التي تتعلق بتزوير المحررات. ويثار التساؤل في هذا الباب عن مدى تطبيق تلك الأحكام على بطاقات الائتمان الممغنطة..

ولما كانت جرائم الأموال تحمي ملكية الأموال المنقولة، فإنه من اللازم تحديد المال الذي يمكن أن يقع عليه الاعتداء والذي يتمتع بحماية القانون من خلال النصوص التي تجرم السرقة والنصب وخيانة الأمانة، ويرتبط بتحديد الأموال تحديد صاحب هذا المال والذي يصح اعتباره مجنيا عليه في تلك الجرائم التي تقع على بطاقات الائتمان.

ولما كانت جرائم التزوير ترمي إلى حماية الثقة في المحررات، فإن مؤدي ذلك ضرورة التحقق من توافر صفة المحرر في بطاقة الائتمان الممغنطة، وكذلك التحقق من وقوع طريقة من طرق التزوير المادي أو المعنوي. في هذا الخصوص يمكن تصور أن ترد هذه الجرائم على:

أ- البطاقة ذاتها والتي هي ملكية صاحبها.

ب- الأموال التي يتم سحبها من جانب صاحب البطاقة بإساءة استعمال هذه البطاقة.

ج- الأموال التي يقوم الغير بسحبها من البنك باستعمال غير مشروع لبيانات البطاقة.

المبحث الأول

الحماية الجنائية للبطاقة الممغنطة ذاتها

تتمتع بطاقة الائتمان الممغنطة بالحماية الجنائية المقررة وفقا للقواعد العامة في جرائم الأموال (المطلب الأول) وكذلك في جرائم التزوير (المطلب الثاني).

المطلب الأول

الحماية الجنائية للبطاقة ذاتها وفقا للقواعد العامة في جرائم الأموال

• بطاقة الائتمان من الأموال :

تعتبر بطاقة الائتمان في حد ذاتها مالا منقولا مملوكا للغير، ومن ثم فإنها تصلح محلا لجرائم الأموال من سرقة أو نصب أو خيانة أمانة. ويرجع السبب في ذلك إلى أنها لها قيمة عند صاحبها بما تمثله من إمكانية استعمالها في غرض معين وهو سحب مبلغ من النقود. وقد قضي في الكويت بوقوع جريمة السرقة من المتهم الذي فتح سيارة المجني عليه عليها واستولى على بطاقة السحب الآلي من حقيبة يدها وقام باستعمالها في وقت لاحق في سحب مبلغ نقدي من حسابها لدى أحد البنوك . وبالمثل فإن بطاقة الائتمان الممغنطة يصح ان تكون محلا في جريمة خيانة أمانة أو في جريمة نصب، ما دام انها سلمت على سبيل الأمانة في الحالة الأولى، أو تم تسليمها بناء على استعمال طريقة احتيالية في الحالة الثانية.

ولا يحول دون اعتبار بطاقة الائتمان الممغنطة مالا منقولا أن يكون حساب العميل صاحب البطاقة غير دائن أي ليس له رصيد، فهنالك بطاقات الائتمان التي تسمح بالسحب المكشوف، بل إن بطاقات الائتمان تصلح أن تعد مالا حتى ولو لم تكن تسمح بالسحب على المكشوف ولا تعطي إلا الحق في سحب المبالغ الدائنة في الرصيد. ويرجع ذلك إلى أن مفهوم المال في

جريمة السرقة يتسع ليشمل كل ما له قيمة عند صاحبة، ومما لا شك فيه أن البطاقة لها قيمة عند صاحبها، إذ إن سرقتها منه تضطره إلى استخراج بديل عنها.

وبالتالي فإن ذلك يشكل فقدا لقيمة مالية لديه، ألا وهي قيمة البطاقة في حد ذاتها، وقد سبق أن أعلنت محكمة النقض المصرية هذا المبدأ عندما قضت بأن دفتر الشيكات الخالي من أي بيانات يصلح أن يكون محلا للسرقة ويرجع ذلك إلى أن ضآلة قيمة الشيء المسروق لا تحول دون وقوع جريمة السرقة، في ذلك تقول محكمة النقض عن المال محل السرقة أنه: كل مال له قيمة مالية ويمكن تملكه وحيازته ونقله بصرف النظر عن ضآلة قيمته، ما دام ليس مجردا من كل قيمة، لأن تفاهة الشيء المسروق لا تأثير لها مادام في نظر القانون مالا .

المطلب الثاني

الحماية الجنائية لبطاقة الإئتمان الممغنطة وفقا للقواعد العامة في جرائم التزوير

يثار التساؤل حول إعتبار بطاقة الإئتمان من المحررات في مفهوم جريمة التزوير، وبالتالي حول وقوع جريمة تزوير المحررات إذا تم تقليد بطاقة إئتمان ممغنطة أو حدثت تعديلات فيها.

• مدى انطباق وصف المحرر على البطاقة الممغنطة:

يعرف المحرر في جريمة التزوير بأنه مجموعة من الكلمات التي لها معنى والتي ينسب صدورها إلى شخص معين (طبيعي أو معنوي)، من شأنها أن ترتب مركزا أو آثارا قانونية، ومن خصائص المحرر قابليته للقراءة وثبات معانية.

وقد يثار شك حول انطباق وصف المحرر على بطاقة الائتمان الممغنطة من ناحيتين: الأولى تتعلق بمضمون المحرر حيث إنه لا يشتمل إلا على بيان الاسم وبيان الجهة المصدرة وبيان التوقيع، الأمر الذي قد يدعو إلى الاعتقاد بأننا لسنا أمام مجموعة من الكلمات التي تولد آثارا قانونية. بيد أن هذا الاعتقاد سرعان ما يزول إذا ما ذكرنا أن بيان الجهة المصدرة وبيان الاسم وبيان التوقع يفيد صدور هذه البطاقة من جهة معينة لصالح شخص معين وأنه بوصفه بطاقة للتعامل مع البنك مباشرة أو من خلال شخص الغير، فإن مضمونه يفيد معنى معينا يصلح محلا للحماية الجنائية بمقتضى أحكام التزوير إذا ورد تغيير الحقيقة على هذا المعنى. ومن ناحية أخرى قد يثار شك حول توافر صفة المحرر بالنسبة لبطاقة الائتمان بسبب يتعلق بمدى قابلية تلك البطاقة للقراءة، حيث لا تظهر البيانات المكتوبة على الشريط الممغنط والتي تتعلق بحساب العميل، من ناحية رقمه ورصيده. والحقيقة أن تلك البيانات تشكل جزءا لا يتجزأ من البطاقة بوصفها محررا، أما عدم قابليتها للقراءة، فإنه أمر يقتصر على القراءة بالعين المجردة، الامر الذي لا يحول دون قراءتها بواسطة أجهزة الكمبيوتر الخاصة بالبنك أو تلك التي يضعها البنك تحت تصرف التاجر. فليس في القانون ما يستوجب أن تكون بيانات المحرر مقروؤة بالعين المجردة. وقد حسم المشرع الفرنسي شكا كان يثار حول ما يسمى بالمحرر الإلكتروني، وذلك عندما عدل المادة (144 – 1) من قانون العقوبات الفرنسي حتى تتضمن الإشارة إلى المحررات التي تتكون من بيانات إلكترونية، سواء أكانت تلك المحررات مدونة في جهاز الكمبيوتر أم على ديسكات (شرائط ممغنطة) أم على C.D. (اسطوانات)

فأصبحت تلك المادة تنص على أنه Constitue un faux toute alteration fraudu leuse de la verite, de nature a causer un prejudice et accomplice par quelque moyen que ce soit, dans un ecrit ou tout autre support d’ex-pression de la pensee qui a pour objet ou qui peut avoit pour effet d’etablir la preuve d’un droit ou d’un fait ayant des consequences juridiques…”.

وقد جاء صياغة المادة السابقة مع إصدار قانون العقوبات الفرنسي سنة 1992 وصيرورته نافذا في سنة 1994 لتعدل ما كان ينص عليه قانون Godfrain لسنة 1988 الذي كان يتضمن نصا خاصا للعقاب على تعديل البيانات في النظام، وبذلك فغن المشرع الفرنسي فضل تعديل النص العام في التزوير لكي ينسحب على تزوير المعطيات الإلكترونية وذلك بتعديله في مفهوم المحرر لكي يتضمن مفهومه المعطيات الكمبيوترية.

نخلص من ذلك إلى أن البطاقة الممغنطة يسري عليها وصف المحرر في مفهوم جريمة التزوير بإعتبارها ورقة من أوراق البنوك، الأمر الذي يجعلها محررا عرفيا، وهي تتفق في ذلك مع البطاقات المختلفة التي تصدرها جهات خاصة (مثل الأندية) والتي تفيد انتساب عضو معين إليها، بل إنها أخطر من ذلك شأنا حيث تفيد صدورها من البنك وأن البيانات الموجودة بها تخص العميل وأن هذه البيانات صحيحة.

ومن قبيل التزوير في البطاقات التي تصدرها البنوك ما قضي به من وقوع تلك الجريمة في بطاقة تخصيص عدد من الأسهم كان المتهم قد اشتراها من البنك باسم شخص اخر دون رضائه بعد تقديم استمارة طلب شراء الأسهم إلى البنك وكشف تحويل الأسهم وطلب تحويل ملكية تلك الأسهم باسم شخص اخر دون موافقته .

ويلاحظ في هذا المجال أن بعض التشريعات مثل القانون الكويتي قد أفردت معاملة عقابية خاصة لأوراق البنوك فجعلت عقوبة التزوير فيها تتساوي مع العقوبة المقررة للاوراق الرسمية، على الرغم من انها اوراق عرفية (مادة 259 من قانون الجزاء). هذه الرؤية لم يأخذ بها قانون العقوبات المصري ولا قانون العقوبات الإتحادي لدولة الإمارات العربية المتحدة.

وتنفرد بعض التشريعات نص خاصا للعقاب على التلاعب في بيانات بطاقات الإئتمان. من ذلك القانون الفرنسي الصادر في30 ديسمبر سنة 1991 بخصوص الشيكات وبطاقات الإئتمان، فينص هذا القانون على عقاب ” من اصطنع أو زور بطاقة الدفع أو السحب الخاصة به” “Ceux qui auront contrefait ou falsifie leur carte de paiement ou de retrait” هذا النص يعتبر من النصوص الخاصة التي يتعين إعمالها لأنها تقيد النص العام المتعلق بالتزوير في المحررات. بيد أنه يلاحظ أن هذا النص الخاص يقتصر مجال تطبيقه على من يقوم بتزوير أو تقليد بطاقة الدفع أو السحب الخاصة به ولا يسري على من يقوم بذلك من الغير، وبالتالي يتعين الرجوع إلى القواعد العامة في هذا الفرض الاخير.

• طرق التزوير في بطاقة الإئتمان الممغنطة:

يمكن تصور وقوع التزوير في هذا النوع من البطاقة بإستعمال إحدى طرق التزوير المادي أو المعنوي . والمعروف أن طرق التزوير المادي تتمثل في الإضافة والحذف والاصطناع لألفاظ أو أرقام أو إمضاءات أو أختام أو بصمات. كما يعد وضع صورة شخصية لغير صاحب البطاقة عليها من طرق التزوير، فتنص المادة 211 عقوبات على وقوع التزوير بوضع ” صور أشخاص آخرين مزورة”.

والمعروف أن طرق التزوير المعنوي تتمثل في تغيير موضوع المحررات من الشخص المكلف بكتابته عند تحريرها أو تغيير إقرارات أولي الشأن أو جعل واقعة في صورة واقعة صحيحة أو واقعة غير معترف بها في شكل واقعة معترف بها (مادة 213 عقوبات) وتتحقق الطريقة الأولى (تغيير موضوع المحررات) في حالة البطاقة الممغنطة إذا أصدرها الموظف المسؤول لصالح شخص معين مع أنها باسم شخص اخر، ويمكن ان يتحقق ذلك إذا كان الإسم المدون عليها لا يعود إلى صاحب الصورة المسجلة عليها. وفي الفرض السابق يسأل الموظف عن تزوير البطاقة ما دام أن القصد الجنائي يتوافر لديه. بيد ان التزوير قد ينسب إلى صاحب الشأن الذي يقدم بيانات كاذبة إلى موظف البنك. في هذه الحالة الأخيرة يعد صاحب الشأن شريكا بالتحريض مع فاعل حسن النية في جناية تزوير محررات البنوك.

بالإضافة إلى ما سبق فإن المادة (56) من قانون البنوك رقم 163 لعام 1975 تنص على معاقبة كل ما تقدم ببيانات أو أوراق غير صحيحة بقصد الحصول على أي نوع من أنواع التسهيلات الائتمانية دون وجه حق بالحبس أو بالغرامة بما لا تقل عن خمسمائة جنيه ولا تزيد على خمسة آلاف جنيه. وفي حالة العود يعاقب بالحبس والغرامة معا. وإذا كان تقديم البيانات بغرض استخراج بطاقة ممغنطة وتم استخراج تلك البطاقة فعلا، فإننا نتواجد أمام تعدد في الجرائم وذلك بوقوع جريمتين، الأولى جريمة تزوير البطاقة وجريمة تقديم بيانات كاذبة وفقا لنص المادة 56 سابقة الذكر وواضح أن الأمر يتعلق بارتباط لا يقبل التجزئة بين الجريمتين يسري عليه حكم هذا النوع وهو تطبيق عقوبة الجريمة الأشد .

• التكييف القانوني لتزوير بطاقة الائتمان الممغنطة:

وعلى الرغم من أن الأمر يتعلق بمحرر عرفي ولا يوجد في القانون المصري ما يدل على أن المشرع المصري قد خص أوراق البنوك بمعاملة خاصة، فإن قانون العقوبات المصري قد تضمن نصا يشدد العقاب على التزوير في محررات الشركات المساهمة، فتنص المادة 206 مكررا عقوبات على أنه “يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على خمس سنين على الجرائم الواردة في المادة السابقة إذا كان محلها أختاما أو دمغات أو علامات لإحدى الشركات المساهمة أو إحدى………. وتكون العقوبة السجن مدة لا تزيد على سبع سنين إذا كانت الأختام أو الدمغات أو العلامات التي وقعت بشأنها إحدى الجرائم المبينة في الفقرة السابقة خاصة بمؤسسة أو شركة أو جمعية أو منظمة أو منشأة إذا كانت الدولة أو إحدى الهيئات العامة تساهم في مالها بنصيب ما بأية صفة كانت”.

ولما كانت البنوك تنتمي إلى الشركات المساهمة، ولما كانت الدولة تساهم بنصيب في رأس مال معظم تلك البنوك، فإن تزوير بطاقة الإئتمان الممغنطة يشكل جناية تزوير في محررات شركة مساهمة تساهم الدولة في رأس مالها بنصيب، وفقا لقانون العقوبات المصري. أما القانون الاتحادي لدولة الإمارات فإنه لم يولِ أهمية خاصة لمحررات الشركات المساهمة وبالتالي فإن التزوير فيها يأخذ حكم جنحة التزوير في الأوراق العرفية.

وتتجه بعض التشريعات إلى إفراد وضع خاص لأوراق البنوك وتشدد العقوبة لكي تتساوى مع عقوبة التزوير في أوراق رسمية عند حدوث تزوير فيها فنصبح أمام جناية التزوير في أوراق البنوك مع أنها اوراق عرفية، وذلك دون المرور بإعتبار البنوك من شركات المساهمة . من تلك التشريعات قانون الجزاء الكويتي الذي ينص في المادة (259) على أنه ” إذا ارتكب التزوير في محرر رسمي أو في ورقة من أوراق البنوك، كانت العقوبة الحبس مدة لا تجاوز سبع سنوات………” .

• تجريم استعمال بطاقة ائتمان مزورة:

تجمع التشريعات المقارنة على إفراد جريمة خاصة لاستعمال المحرر المزور حتى نعالج الفرض الذي فيه يكون المستعمل غير المزور، يضاف إلى ذلك أنه يمكن عقاب المزور نفسه بوصفه مستعملا لمحرر مزور إذا تقادمت جريمة التزوير، حيث إنها جريمة وقتية، ولم تتقادم جريمة الاستعمال حيث انها جريمة مستمرة، وكل ما يلزم لوقوع تلك الجريمة أن تكون بطاقة الإئتمان مزورة وقام المتهم بإستعمالها أي بإبرازها والتمسك بها في التعامل، وقد أورد قانون العقوبات المصري جريمة استعمال محرر مزور في المادة 215 عقوبات بالنسبة لاستعمال المحررات العرفية، وفي المادة 214 بالنسبة لاستعمال المحررات الرسمية المحررة. وواضح أن المادة الأولى هي التي تخاطب استعمال بطاقة الإئتمان الممغنطة المزورة حيث أنها تنتمي إلى الأوراق العرفية. أما قانون العقوبات الإماراتي فإنه قد نص على تجريم إستعمال المحررات المزورة – الذي يسري على استعمال بطاقة الائتمان المزورة – في المادة 222 منه.

المبحث الثاني الحماية الجنائية من استعمال البطاقة الممغنطة الصحيحة بطريقة غير قانونية يقوم المتهم في هذا الفرض باستعمال البطاقة بطريقة غير قانونية فيرتكب جريمة من الجرائم التقليدية المنصوص عليها في القانون كجريمة النصب أو جريمة التزوير، وقد لا يقع فعله تحت طائلة هذا النوع من الجرائم فيقتضي الأمر تدخلا تشريعيا بنص خاص، ذلك ما سوف نقوم بتوضيحه في هذا المبحث.

المطلب الأول وقوع جريمة النصب باستعمال البطاقة الممغنطة الصحيحة كوسيلة احتيالية من المقرر أن المتهم في جريمة النصب يتعين عليه أن يستعين بوسيلة من الوسائل الاحتيالية التي قررها القانون، ومن واجب المحكمة أن تستظهر توافر تلك الوسيلة، احتراما لمبدأ الشرعية، وذلك أمر متطلب سواء في القانون المصري أو في القانون الإماراتي، فتنص المادة 336 عقوبات مصري على وقوع جريمة النصب “…. إما باستعمال طرق احتيالية من شأنها إيهام الناس بوجود… وإما بالتصرف في مال ثابت أو منقول ليس ملكا وليس له حق

التصرف فيه وإما باتخاذ اسم كاذب أو صفه غير صحيحة”. وفي صياغة مشابهة تنص المادة 399 عقوبات على وقوع الجريمة النصب” وذلك بالاستعانة بطريقة احتيالية أو باتخاذ اسم كاذب أو صفة غير صحيحة متى كان من شأن ذلك خداع المجني عليه وحمله على التسليم، ويعاقب بالعقوبة ذاتها كل من قام بالتصرف في عقار أو منقول يعلم انه غير مملوك له أو ليس له حق التصرف فيه أو التعاقد عليه…. “.

وبتطبيق الوسائل الاحتيالية على استعمال البطاقة الممغنطة يتضح أن ذلك الاستعمال قد يتخذ شكل المظهر الخارجي. وقد يتخذ شكل اتخاذ صفة غير صحيحة وذلك على الوجه التالي:

• استعمال البطاقة الممغنطة كمظهر خارجي:

إذا استعمل المتهم بطاقة ممغنطة للحصول على مال منقول مملوك للغير وكان إبراز تلك البطاقة قد حمل الغير على تقديم سلعة أو قرض أو مستندات، فإن جريمة النصب تتوافر وذلك باستعمال مظهر خارجي.

• استعمال البطاقة الممغنطة اتخاذا لصفة غير صحيحة:

إذا استعمل المتهم وهو غير صاحب البطاقة الممغنطة هذه البطاقة لكي يقوم بسحب مبلغ من النقود من حساب صاحبها بعد ان توصل إلى معرفة الرقم السري المخصص لتلك البطاقة، فإن ذلك يعد مشكلا لجريمة النصب إذا استولى على مال من هذا الحساب، ويقع النصب بواسطة اتخاذ صفة غير صحيحة وذلك بإيهام ماكينة السحب الآلي بأنه صاحب الحساب أو وكيل عن صاحب الحساب في عملية السحب. تطبيقا لما سبق قضي في الكويت بوقوع جريمة النصب – ارتباطا لا يقبل التجزئة مع جريمة السرقة – في الفرض الذي استولت فيه المتهمة على بطاقة السحب الآلي الممغنطة الخاصة بالغير مع الرقم السري

وقد استندت محكمة التمييز الكويتية في حكمها إلى أن ” انتحال المتهمة صفة غير صحيحة بأنها صاحبة الحق في السحب من حساب المجني عليهما مما حمل كلا من البنكين على تسليمها المال عن طريق جهازه الآلي يكفي وحده في تكوين ركن الاحتيال ولو لم يكن فيه استعمال لأساليب الغش والخداع المعبر عنها في المادة 231 من قانون العقوبات بالطرق الاحتيالية وهو ما يوفر في حقها جريمة النصب المرفوعة بها الدعوى ولا السرقة لأن تسليم المال إليها تم بالرضاء ولو عن غلط، وهذا الرضاء يعد نافيا للاختلاس الذي يفترض فيه استيلاء الجاني على المال دون رضاء المجني عليه” .

وقد سبق للقضاء الفرنسي ان تبنى نفس المفهوم عندما قضت بعض المحاكم الفرنسية بتوافر جريمة النصب في هذه الحالة استنادا إلى نفس الأساس القانوني وهو توافر الوسيلة الإحتيالية المتمثلة في استعمال صفة غير صحيحة .

وبناء عليه فإن الامر لا يتعلق بجريمة سرقة بإستعمال مفاتيح مصطنعة كما قد يبدو . فالفرض يختلف بالنسبة لمن يستعمل بطاقة الإئتمان الممغنطة الخاصة بالغير دون موافقته في السحب من حساب هذا الإخير عن الفرض الذي فيه يستعمل المتهم مفاتيح مصطنعة في فتح خزينة أو ماكينة للاستيلاء على محتوياتها. وقد لمست محكمة التمييز الكويتية هذا

الفارق فارتسمت الحدود الفاصلة بين جريمة السرقة وجريمة النصب والتي تكمن في حدوث تسليم، ولو عن طريق الغلط من المجني عليه في حالة النصب، بينما لا يتوافر هذا التسليم – بحسب الاصل اي إلا في حالة توافر تسليم اليد العارضة غير المتوافر هنا – في حالة السرقة. وإذا كان اتخاذ اسم كاذب أو صفة غير صحيحة – وذلك بالاستعانة ببطاقة الإئتمان الممغنطة الخاصة بالغير – مما تقع به جريمة النصب إذا استولى المتهم على سلعة من المجني عليه وهو ما كان واضحا لدى القضاء الفرنسي وبه قضت محكمة النقض الفرنسية في أحد أحكامها . فإن الأمر قد بدا يداخله الالتباس إذا كان المجني عليه آلة وليس إنسانا.

• جواز القول بوقوع النصب على الآلة:

ليس هناك ما يحول دون أن ترد جريمة النصب على الأجهزة مثل ماكينة السحب الآلي، وذلك يخالف ما يستقر عليه القضاء في بعض الدول من عدم جواز النصب على الآلة، كما هو الحال في القضاء الإنجليزي . فالحقيقة أن النصب لا يقع على الآلة ذاتها وإنما يقع على البنك صاحب الآلة، وما تلك الآلة إلا تعبيرا عن إرادة البنك صاحبها، فخلف الآلة يمثل البنك، هذه المؤسسة هي إذن المجني عليه في جريمة النصب. وحيث إن المتهم تسلم المال منها، فإنه يعد قد تسلم المال من الموظف العامل بالبنك، فلا شيء يحول دون توافر الموظف الآلي إذ جاز التعبير.

• الوضع الخاص لاستعمال أرقام البطاقة عبر شبكة الإنترنت:

عند القيام بتعاملات عبر شبكة الإنترنت يقوم المتعامل بتدوين أرقام بطاقة الإئتمان الخاصة به عند تقدمه لشراء سلعة أو طلب خدمة معينة يؤدي مقابلها عن طريق بطاقة السحب التي يقوم البائع بإستعمال ارقامها عبر الشبكة بالتعامل مع اجهزة البنك الخاصة بالعميل من واقع الارقام السرية التي أخطره بها، في أثناء تلك العمليات يحدث أن يتمكن الغير من التقاط الأرقام السرية لبطاقة الإئتمان الخاصة بالعميل ويقوم باستعمالها في سحب مبالغ مالية من حساب العميل. وقد يقوم التاجر نفسه بسحب مبلغ مالي اكبر مما اتفق عليه مع التاجر في كلتا الحالتين يثار التساؤل عن مدى المسؤولية الجنائية لهذا الغير في الفرض الأول وللتاجر في الفرض الثاني.

في الفرض الأول الذي يقوم فيه الغير بالتقاط رقم بطاقة الإئتمان عند اجراء معاملة بين شخصين عبر شبكة الإنترنت ويقوم بسحب مبلغ مالي من حساب صاحب البطاقة ينطبق وصف النصب على هذا الفعل وذلك بإستعمال طريقة احتيالية وهي ادعاء صفة غير صحيحة وهي انه صاحب الحساب أو وكيل عنه عندما استعمل الرقم السري للكارت الذي يوهم بذلك، ويعتبر ذلك على غرار ما حدث من استعانة المتهم بالبطاقة الممغنطة نفسها مع الرقم السري وذلك بغرض سحب مبلغ مالي من آلة السحب الخاصة بالبنك، على ما سلف بيانه.

وعلى أي حال فإن مجرد التقاط أرقام البطاقة الممغنطة لا يشكل جريمة سرقة أو نصب أو خيانة أمانة، ذلك ان الامر لا يتعلق بمال منقول ولكن بمعلومة ذات طبيعة معنوية، بينما ترد جرائم المال مال ذي طبيعة محسوسة وفقا لما استقر عليه التفسير القانوني لتلك الجرائم في التشريعات المختلفة . ومن هنا كان من اللازم التدخل بنص تشريعي خاص للعقاب على

التداخل في النظام بدون وجه حق، للعقاب على هذا النوع من السلوك الذي يتبعه ما يطلق عليهم بـ Hackers. أما عن الفرض الثاني الذي يقوم فيه التاجر نفسه بسحب مبلغ مالي اكبر مما كان مسموحا له القيام به، فإن الرأي يتردد بخصوصه بين وصفين:

• الوصف الأول: وهو وصف خيانة الأمانة الذي وقد يبدو صعب الإنزال عليه، إذا أخذنا في إعتبارنا أن ما تلقاه التاجر من صاحب الحساب هو رقم الحساب السري، الأمر الذي لا يشكل مالا منقولا، ومن المعروف ان المال المنقول يشكل الشرط المسبق في جريمة خيانة الأمانة، بيد أنه من ناحية أخرى قد يبدو أن التاجر تسلم مالا منقولا على سبيل الأمانة، هذا المال هو حساب العميل لدى البنك لكي يقوم بسحب مبلغ مالي متفق عليه بينهما. ويمكن القول إن هذا التسليم هو نوع من التسليم الرمزي، وقد تم هذا التسليم بمقتضى تسليم الرقم السري، هذا الرقم السري من شأنه أن يجعل التاجر أمينا على حساب العميل، وهنا تتاح أمامنا إمكانية إعمال وصف خيانة الأمانة.

غير أنه يلاحظ أن الرقم السري يفتح حساب العميل لدى البنك، فيصعب القول إن التاجر تسلم حساب العميل لدى البنك على سبيل الأمانة، بل إنه سمح له بالدخول إليه فقط.

• الوصف الثاني: وهو وصف السرقة، ويسري هذا الوصف على فعل التاجر الذي تعد يده على الحساب يدا عارضة، ذلك انه لم يتسلم حساب العميل بصفة أمانة. وشأنه في ذلك شأن من تسلم مفتاحا من صاحب احد المخازن لكي يأخذ منه البضاعة المتفق عليها بينهما. وبالتالي فإن الأمر يتعلق بسرقة وليس بخيانة أمانة. ولا نخال أن الأمر يختلف إذ قام احد العاملين بالشركة التي تلقت الرقم السري لبطاقة الائتمان باستعماله في سحب مبالغ استولى لنفسه عليها، فالأمر يشكل – في رأينا – سرقة. ويستند رأينا في هذا القول إلى أن المتهم في هذه الحالة لم تكن له إلا يد عارضة على الحساب لكي يقوم بسحب المبالغ المستحقة فقط منه. وحتى لو اعتبرنا ان الرقم السري يشكل معلومة وحتى لو اعتبرنا أن المعلومات اصبحت من المنقولات في حالة تلقيها عبر شبكة الإنترنت أو أي دعامة اخرى، استنادا إلى أنها تشكل ومضات إلكترونية تتماثل من الخط التليفوني الذي انتهت محكمة النقض المصرية إلى القول بوقوع السرقة عند إختلاسه ( استعمال الخط التليفوني)، فإن ذلك ليس من شأنه ان يغير الوصف القانوني للفعل الذي يكتسب وصف السرقة، استنادا إلى إقامة التماثل بين الرقم السري وبين مفتاح المخزن، في المثال السابق.

أما إذا صدر الفعل من رجل البنك، فإن ذلك من شأنه ان يغير معطيات المشكلة بالنسبة للوصف القانوني للفعل، ذلك ان الامر يتعلق عندئذ بتسلم المال على سبيل الأمانة وبالتالي تقع جريمة خيانة الأمانة، وذلك ما دام أن المال مالا خاصا. أما إذا كان المال مالا عاما، وانتمى العامل في البنك إلى الطوائف الملحقة بالموظف العام، فإن جريمة اختلاس الأموال الاميرية هي التي تسري عندئذ والجدير بالذكر ان قانون العقوبات المصري يعتبر العاملين بالبنك منتمين إلى تلك الطوائف الملحقة بالموظفين العموميين متى كانت الدولة أو احدى هيئاتها العامة أو مؤسساتها العامة أو وحدات القطاع العام مساهمة في رأسمال البنك بأي نصيب (مادة 119 ومادة 119 مكررا عقوبات). أما قانون العقوبات الإماراتي فإنه ضيق من مفهوم الموظف العام بحيث لا تسري جرائم المال العام على أموال البنوك، فلا يبقى سوى وصف

خيانة الأمانة في هذه الحالة، أما قانون الجزاء الكويتي فإنه قد اختار طريقا وسطا عندما اعتبر أموال بعض البنوك مالا عاما ولم يعتبر البعض الأخر، بحيث نصبح أمام جناية من جنايات المال العام ( يحكمها قانون المادة 240 من قانون الجزاء) بحسب الأحوال، فإذا كانت الدولة أو إحدى هيئاتها العامة أو مؤسساتها العامة تساهم في رأسمال البنك بنسبة لا تقل عن 25% فإن مال البنك يعد من الأموال العامة ويعد العاملون فيه من الموظفين العموميين في مفهوم جرائم المال العام. وإذا لم يتوافر ذلك الشرط كنا أمام تطبيق وصف خيانة الأمانة. المطلب الثاني تجريم استعمال بطاقة ائتمان صحيحة بنص خاص في بعض الحالات

• تجريم استعمال بطاقة تخص الغير أو بطاقة غير صالحة

قد يقوم شخص باستعمال بطاقة ائتمان صحيحة، ولكنها تخص شخصا أخر أو في الفرض الذي تخصصه ولكنه بعد انتهاء صلاحيتها عندئذ نتساءل عن مدى مسؤوليته الجنائية.

من الواضح في هذا الفرض أنه لا يتعلق بجريمة تزوير محررات ولا بجريمة استعمال محرر مزور، وبالتالي لا يبقى سوى مساءلته عن جريمة النصب إذا تكاملت أركانها، كما لو استعمل المتهم بطاقة الائتمان لكي يقوم بإيهام الغير أنه ملئ وتحصل بذلك على مال منقول مملوك للغير.

وقد أرتأت بعض التشريعات أن تورد من النصوص ما يجرم مثل هذا السلوك فتنص المادة 222/2 عقوبات إماراتي على أنه “ويعاقب بالعقوبة ذاتها بحسب الأحوال (أي المقررة لاستعمال المحرر المزور، الذي قد يكون محررا رسميا أو عرفيا) من استعمل محررا صحيحا باسم شخص غيره أو إنتفع به بغير حق”. ومن الواضح أن هذا النص يسري على إستعمال بطاقة ممغنطة خاصة بالغير، في هذه الحالة فإن العقوبة المقررة هي لإستعمال أوراق عرفية مزورة، وهذه العقوبة الأخيرة هي تلك المقررة للتزوير في أوراق عرفية. ومن الواضح أيضا أن هذا النص لا يسري على الحالة التي يستعمل فيها صاحب البطاقة تلك البطاقة في التعامل بعد انتهاء صلاحيتها.

على خلاف ذلك فإن هذا الفرض الأخير يمكن أن يسري عليه حكم قانون الجزاء الكويتي في المادة 261 منه التي تنص على أن “كل من استعمل محررا فقد قوته القانونية، سواء كان ذلك بإبطاله أو بالغائه أو بنسخة أو بوقف أثره أو بإنتهاء هذا الاثر. وكان عالما بذلك وقاصدا الإيهام بأن المحرر لا يزال حافظا لقوته القانونية، يعاقب بالعقوبة التي توقع لو كان ارتكب تزويرا في مثل هذا المحرر”. ومع ذلك فإن هذا النص لا يعالج الفرض الذي يعالجه قانون العقوبات الإماراتي (مادة 222/2) وهو استعمال بطاقة إئتمان تخص شخصا اخر دون موافقته، إلا إذا كان ذلك من خلال جريمة النصب، بإعتبار ان ذلك يرقى إلى عداد الطرق الإحتيالية على ما سلف بيانه. وليس هناك – في رأينا – ما يحول دون توافر الإستعمال المؤثم إذا قام المتهم باستعمال تلك البطاقة المزورة في سحب مبلغ نقدي، فالاستعمال يتوافر في حالة التعامل مع الآلة، فليس في القانون ما يفرض أن يكون هذا الاستعمال أمام شخص معين.

• مدى المسؤولية عن سحب مبالغ تجاوز المسموح به :

قد يستعمل صاحب البطاقة الممغنطة تلك البطاقة في سحب مبلغ نقدي يفوق المسموح به وفقا للنظام المعمول به لهذه البطاقة، عندئذ يثار التساؤل عن مسؤولية صاحب البطاقة: هل تنهض مسؤليته الجنائية أو أن مسؤوليته المدنية هي التي تقوم فقط؟ إتجه رأي في الفقه إلى إعتبار الامر يشكل جريمة خيانة أمانة بإعتبار ان العميل تسلم من البنك بطاقة الإئتمان الممغنطة على سبيل الأمانة وقام باستعمالها بطريقة تعسفية متوصلا بذلك إلى الاستيلاء على مال للبنك . وينتقد الفقه هذا التفسير استنادا إلى أن العميل لم يتسلم بطاقة الإئتمان الممغنطة على سبيل الأمانة بمقتضى عقد من عقود الأمانة، وأن الأمر في حقيقته لا يعدو أن يكون مخالفة لإلتزام تعاقد مع البنك، ومن هنا فإن هذا السلوك لا يولد سوى مسؤولية مدنية .

وإلى هذا التفسير الأخير اتجهت محكمة النقض الفرنسية التي استبعدت انطباق وصف خيانة الامانة ولم تر في سلوك المتهم غير فعل يبرر المسؤولية المدنية لمستخدم بطاقة الإئتمان . ولا شك أن أجهزة التزوير الآلي التي تقوم بتسليم مبالغ تزيد على ما يتوافر في رصيد العميل إما أنها صممت كذلك بحيث تغطي العميل على المكشوف بحيث يتم الرجوع عليه في مرحلة لاحقة مثل فيزا كارد أو ماستر كارد، وإما أن العميل ليس له هذا الحق. في هذا الفرض الأخير يتعلق الأمر بعيوب تتعلق باستعمال النظام نفسه ويتعين على البنك ان يقوم بسد ما يعتوره من ثغرات، بحيث لا يستطيع العميل سحب ما يزيد على رصيده لدى البنك.

وعلى أي حال فإن الأمر لا يتعلق بجريمة سرقة، ذلك أن البنك من خلال جهازه الآلي قام بتسليم العميل المبلغ الزائد عن رصيده، وذلك على العكس مما انتهت إليه بعض أحكام للقضاء الفرنسي في بداية الأمر . كما أن الامر لا يتعلق بجريمة نصب، وإن اتجه أحد أحكام القضاء الفرنسي إلى هذا الوصف ، حيث إن الأمر لا يتعلق ببطاقة مزورة، كما لا يتعلق باستعمال بطاقة الغير بدون موافقته، أي انه لا يتضمن انتحالا لصفة غير صحيحة على ما سلف بيانه في مقام النصب.

الفصل الثاني الحماية الجنائية للنظام من الاستعمال غير القانوني للبطاقة الممغنطة

• المقصود بالنظام:

نقصد بالنظام هنا أجهزة الكمبيوتر التي تعمل بطبيعة الحال وفقا لنظام الكتروني معين، هذا النظام أصبح محلا للاهتمام باعتباره موضوعا للحماية الجنائية، فبدلا من الملفات الورقية أصبح التجار وأصحاب الشركات والأفراد يحوزون أجهزة الكمبيوتر ويخزنون عليها تلك الملفات، وأصبح من اللازم حماية تلك الملفات من أفعال التلصص وأفعال النسخ، فلم يعد الامر يقتضي من المتهم دخول أماكن تواجد تلك الملفات من محال العمل أو من المكاتب أو المنازل وغيرها من الأماكن الخاصة، ولم يعد من الضروري للسطو على تلك الملفات أن يقوم المتهم بسرقة تلك الملفات، ولكن اصبح التطور الإلكتروني يسمح له بأن يقوم بنسخ تلك الملفات مع الإبقاء على أصلها متواجدا في مكانه، ولم يعد هناك مبرر لإقتحام تلك الأماكن للتوصل إلى تلك الملفات. لذا سنت كثير من الدول تشريعات لحماية النظام كقيمة اجتماعية جديرة بالحماية الجنائية من التداخل أو البقاء فيه أو تغيير بياناته أو إتلاف تلك البيانات.

• ضرورة العقاب على الاستعمال غير القانوني للبطاقة الممغنطة:

نقصد بالاستعمال غير القانوني للبطاقة الممغنطة ما يقوم به البعض من استعمال بطاقة ممغنطة خاصة بالغير بدون موافقة هذا الأخير، سواء لأن المستعمل عثر على بطاقة مفقودة أو انه قام بسرقتها، أو انه التقط رقم بطاقة ممغنطة عن طريق الإنترنت، هذا السلوك قد تسري عليه القواعد العامة في قانون العقوبات والتي تتعلق بوقوع جريمة من جرائم المال العام كالسرقة والنصب وخيانة الأمانة، على ما سلف بيانه، غير انه في بعض الحالات يتعين التفكير في تجريم ذلك الاستعمال عن طريق نصوص خاصة الغاية منها حماية النظام في حد ذاته كجريمة التداخل في النظام.

• انطباق وصف التداخل في النظام على استعمال البطاقة:

من التشريعات التي تعاقب على التداخل في النظام بنص خاص قانون العقوبات الفرنسي، فتنص المادة 323/1 عقوبات فرنسي على أن “فعل التداخل أو البقاء، بنية الغش في جزء أو كل من نظام معالجة المعلومات يعاقب عليه بالحبس مدة سنة أو الغرامة 100000…..” والجدير بالذكر أن المشرع المصري لم يستشعر الحاجة حتى الآن لإدخال نصوص خاصة تتعلق بحماية النظام.

• الاستعمال غير القانوني لبطاقة ممغنطة يشكل تداخلا:

يعد استعمال بطاقة بطريقة غير قانونية – على ما سلف بيانه – مشكلات للتداخل في النظام بطريقة غير قانونية وبالتالي يشكل جريمة التداخل في مفهوم المادة 323/1 عقوبات فرنسي. ذلك أن التداخل في النظام يعني استعمال جهاز الكمبيوتر، الذي ينتمي إلى الغير بدون موافقته، كما يشمل استعمال وسائل فنية للتجسس على هذا النظام بحيث يستطيع – استعمال الرقم السري الخاص بأحد عملاء البنك لكي يدخل إلى قاعة البيانات الخاصة بأجهزة الكمبيوتر الخاصة بالبنك، ويتم ذلك بإستعمال ارقام بطاقة الإئتمان الممغنطة.

• فائدة النص الخاص بالمقارنة إلى النصوص العامة في جرائم الأموال:

يقدم النص الخاص بالتداخل فائدة إذا ما قورن بالنصوص العامة في جرائم الأموال وهي السرقة والنصب وخيانة الأمانة، ذلك ان المصلحة محل الحماية في هذه النصوص الخاصة تتمثل في حماية النظام نفسه بإعتباره قيمة مستقلة عن الحق في الملكية أو الحيازة. ومن ثم فإن الجريمة في التداخل تقع بمجرد التداخل. ويمكن ايجاز الفوائد التي تقدمها ذلك النص الخاص عما هو مقرر في القواعد العامة في التالي:

– ان جريمة التداخل تقع بمجرد حدوث هذا التداخل وبالتالي فإن الأمر يتعلق بجريمة نشاط أي جريمة خطر وليس بجريمة ضرر، بل أنه يصح إعتبارها منتمية إلى ما يسميه البعض بجرائم العقبات delits d’obstacles.

– إذا طبقنا القواعد العامة على حالة من يحاول أن يستولى على أموال من الأجهزة بالاستعانة ببطاقة ممغنطة تنتمي إلى الغير دون رضاء منه ولكنه لم يتمكن من سحب تلك الأمول، فإن الأمر يتعلق بشروع في الجريمة، وهو ما لا تعاقب عليه القوانين – في غالبيتها مثل القانون

المصري والقانون الإماراتي – إلا إذا وجد نص خاص يعاقب على الشروع، ذلك أن الامر يتعلق بجنحة وليس بجناية.

– أن جريمة التداخل تقع تامة بمجرد أن يتمكن المتهم بالدخول في النظام ولا يلزم أن يتمكن من الوصول إلى البيانات أو إعطاء أوامر إلى أجهزة الكمبيوتر، فالجريمة تقع بمجرد استعمال جهاز كان يعمل بالفعل أو وضع هذا الجهاز في حالة تشغيل إذا لم يكن يعمل.

– إن جريمة التداخل تقع ما دام المتهم قاصدا استعمال أجهزة الكمبيوتر دون موافقة من صاحب الحق، وذلك بغض النظر عن الباعث على هذا التداخل. وبالتالي فإن عبء الإثبات يقع على النيابة العامة بالنسبة للركن المعنوي.

ومع ذلك فإن وصف السرقة أو النصب أو خيانة الأمانة يقدم ميزة تتمثل في اعتبار مثل ذلك السلوك، مشكلا لجريمة من جرائم الشرف والاعتبار الأمر الذي لا يقدمه وصف التداخل في النظام عند الحكم على المتهم طبقا له.

• النصوص الخاصة في بعض التشريعات العربية :

على الرغم من ان التشريعات العربية في مجملها لم تسن نصوصا خاصة لحماية النظام (نظام عمل الكمبيوتر)، فإن بعض تلك التشريعات تعرف نصوصا خاصة يمكن ان تسري على استعمال البطاقة الممغنطة الخاصة بالغير بدون رضائه، من هذه التشريعات قانون العقوبات الأردني، فتنص المادة 416 من هذا القانون على العقاب على جريمة ” إستعمال اشياء الغير بدون وجه حق” بقولها : كل من استعمل بدون وجه حق شيئا يخص غيره بصورة تلحق به ضررا دون أن يكون قاصدا اختلاس ذلك الشيء، عوقب بالحبس حتى ستة اشهر وبالغرامة حتى عشرين دينارا أو بإحدى هاتين العقوبتين”.

ومن الجدير بالذكر أن التجريم السابق لا يسعفنا إلا في بعض الفروض القليلة التي يقوم فيها شخص بتسلم البطاقة الممغنطة من صاحبها والقيام باستعمالها بطريقة تضر بصاحبها دون رضائه عن ذلك الاستعمال، ودون أن يرقى ذلك إلى مرتبة خيانة الأمانة أو السرقة (كما في حالة تسلم البطاقة على سبيل اليد العارضة). كما أن هذا التجريم الأخير لا يسعفنا في حالة معرفة الرقم السري للبطاقة واستعماله في السحب، ذلك أن نص التجريم السابق ينحصر في استعمال “شيء” الأمر الذي لا يسري على تلك الأرقام ذات الطبيعة المعنوية.

الفصل الثالث الإدعاء المدني عن الجرائم المتعلقة ببطاقة الائتمان الممغنطة

يثار التساؤل عمن له الحق في الإدعاء المدني أمام القضاء الجنائي في حالة وقوع جريمة من الجرائم المتعلقة باستعمال البطاقة الممغنطة أو استعمال أرقامها السرية.

• أولا: تحديد المجني عليه في الجريمة:

لا شك أن تحديد شخص المجني عليه في الجريمة سوف يفيدنا في تحديد من له الحق في الإدعاء المدني أي من الصفة في هذا الإدعاء أمام القضاء الجنائي، ذلك ان المجني عليه في الجريمة يتحمل ضررا مباشرا من وقوعها، هذا الضرر المباشر من الجريمة هو شرط أساسي

من شروط الادعاء المدني أمام القضاء الجنائي، فإذا لم يكن المدعي مدنيا مجنيا عليه فإنه يتعين ان يوضح للمحكمة كيف انه تحمل ضررا مباشرا من وقوع الجريمة. أما إذا كان مجنيا عليه فيها فإن تحديد ما إذا كان الضرر مباشرا يعد أمرا ميسورا.

كما أنه يترتب على ذلك أيضا أنه إذا تعلق الأمر بجريمة تقع على المصلحة العامة وليس على الأفراد، فإنه لا صفة للفرد إذن في الادعاء المدني والضرر الذي لحق به لا بد وأنه غير مباشر من وقوع الجريمة.

فجرائم البناء تقع اعتداء على حسن التخطيط العمراني، ولا يجوز للجان ان يدعي مدنيا بخصوص جريمة البناء بالمخالفة لشروط الترخيص مثلا، أو بخصوص جريمة البناء بدون ترخيص . ومع ذلك فإن الادعاء المدني ليس محصورا في المجني عليه، بل يكفي لقبوله أمام القضاء الجنائي أن يكون من جانب المضرور مباشرة من الجريمة، فإذا تعلق الأمر مثلا بجريمة قتل، فإن الورثة مضرورون مباشرة من تلك الجريمة ويجوز لهم الادعاء المباشر أمام القضاء الجنائي.

إذا طبقنا تلك المبادئ القانونية على الجرائم المتعلقة باستعمال البطاقة الممغنطة أو استعمال أرقامها، وقام المتهم بسحب مبلغ مالي من حساب صاحب البطاقة بدون موافقته، فإنه يتعين التمييز بين الفروض التالية:

• الادعاء المدني في حالة سرقة البطاقة الممغنطة:

إذا كان المنسوب إلى المتهم أنه قام بسرقة البطاقة الممغنطة من صاحبها، فإن ذلك يعطي صاحبها الحق في الادعاء المدني أمام القضاء الجنائي عن الضرر المباشر من جراء حرمانه من تلك البطاقة حتى تمكن من استخراج غيرها، ومن المستقر ان تفويت الفرصة من الأضرار التي تلحق بالمجني عليه في سرقة البطاقة الممغنطة، كما هو مقرر وفقا للقواعد العامة في وقوع الضرر- في خصوص المسؤولية التقصيرية – في صورة تفويت فرصة . وإذا كان المتهم قد قام باستعمال تلك البطاقة في السحب، فإن الأمر على تفصيل على ما سيلي بيانه.

ثانيا: قيام المتهم باستعمال بطاقة الغير في السحب بدون موافقة صاحبها:

في هذا الفرض تقع جريمة السرقة على البطاقة الممغنطة، كما تقع جريمة النصب، على ما سلف بيانه، ويثار التساؤل هنا حول صاحب الحق في الادعاء المباشر، هل هو صاحب الحساب باعتبار أن مبلغا قد تم سحبه من حسابه، أو هو البنك باعتبار أن هذا الحساب مودع لدى البنك، أي ان البنك حائز لهذا المال المنقول المملوك للغير؟.ويطرح هذا الفرض الوضع الذي فيه يكون المال في حيازة غير صاحبه على سبيل الأمانة وتقع جريمة سرقة لهذا المال أو جريمة نصب واردة عليه، فمن هو المجني عليه، ومن هو المضرور مباشرة من الجريمة؟ من المقرر ان السرقة تقع على الملكية وعلى الحيازة في آن واحد، ويستفاد ذلك من مفهوم السرقة الذي يشكل فعل الاختلاس فيه النشاط المعاقب عليه والذي يعرف بأنه اختلاس مال منقول مملوك للغير هذا الاختلاس لا يتم إلا بإخراج المال من حيازة صاحب الحق فيه. يترتب على ذلك أن السرقة تقع على المجني عليه المالك والحائز للمال في ان واحد، بيد أنه إذا كان هذا المال قد عهد بحيازة المال إلى شخص آخر، كما لو كان أمينا على ذلك المال (مودع لديه،

مستأجر، مستعير، دائن مرتهن، ناقل)، فإن الحيازة تكون لهذا الأخير والملكية تبقى للمالك، فإذا وقعت السرقة، فمن هو المجني عليه ومن هو المضرور مباشرة من الجريمة؟

نرى انه ما دام ان جريمة السرقة تقع على الملكية وعلى الحيازة، فإنها تقع على المال وعلى الحائز في الفرض السابق، وبناء عليه فإن للمالك كما أن للحائز أن يدعي كل منهما مدنيا أمام القضاء الجنائي عن الضرر المباشر الذي أصاب كل واحد منهما، الأول يطالب بالتعويض الذي اصاب حقه في الملكية وذلك بحرمانه من قيمة الشيء، والثاني عن حرمانه من الحيازة، وما لحق من اضرار الاستفادة من ذلك المنقول في إثناء الحيازة أما قيمة الشيء محل الحيازة والذي إضطر الحائز المسروق منه أن يسدد قيمتها إلى المالك، فإن ذلك لا يشكل ضررا مباشرا من الجريمة ولكنه التزام من التزاماته التعاقدية نحوه بالمحافظة على الشيء . هذا الإلتزام يستمد مصدره من العقد المبرم بين المالك وبين الحائز، وبالتالي فإن الحائز ليس له أن يطالب بما قام بتسديده للمالك، من المحكمة الجنائية، بل له أن يطالب بذلك من المحكمة المدنية، فذلك بلا شك من الأضرار التي لحقت به من جراء قيام المتهم بالسرقة، ولكنه ليس من الأضرار المباشرة.

أما إذا تعلق الأمر بجريمة نصب وقعت على البنك عندما استطاع شخص غير صاحب البطاقة أن يسحب مبلغا ماليا من حساب صاحب تلك البطاقة، فإنه من المعروف أن جريمة النصب تقع على الملكية وعلى الرضاء في آن واحد، وبناء عليه يمكن القول إن جريمة النصب وقعت على البنك الذي تمثله آلة الكمبيوتر، أما صاحب الحساب فإنه لم يقم بتسليم المال وبالتالي لا يمكن القول بأنه مجني عليه في تلك الجريمة، وترتيبا على ذلك نصل إلى نتيجة مؤداها أن البنك هو المضرور مباشرة من تلك الجريمة ويجوز له الإدعاء المدني أمام القضاء الجنائي، ويتماثل هذا الموقف مع من يخدع موظف البنك بأنه صاحب الحساب من واقع تقديم بيان الرقم السري فيحمله على تسليم مال له من الحساب، ويعزز من ذلك الرأي أن الحساب يشكل وديعة لدى البنك يقوم بالمحافظة عليه ورده عند الطلب

ما دام أن الأمر يتعلق بحساب جار. أما إذا تعلق بوديعة بنكية فإن البنك يعد وكيلا يقوم باستثمار مال صاحب الحساب مع رده في ميعاد معين مع الفوائد المستحقة. وعلى أي حال فإن البنك يعد أمينا على ذلك المال. وإذا تم تسليم المال إلى غير صاحبه، فإن ذلك يقيم مسؤولية البنك المدنية فالبنك مجني عليه في جريمة النصب. بيد ان ذلك مناطة أن يتوصل صاحب الحساب إلى اقناع المحكمة بأن الغير هو الذي توصل إلى سرقة البطاقة أو أن هذا الغير عثر عليها بعد فقدها من صاحبها، أو انه تمكن من التقاط أرقامها بطريق الغش وتوصل إلى استعمال رقمها السري لسحب مبلغ معين

فإذا قام صاحب البطاقة بتبليغ البنك عن فقدها أو سرقتها، فإن الامر واضح في قيام مسؤولية البنك عن عدم القيام بالحيلولة دون السحب من الرصيد، فإذا حدث هذا السحب رغم ذلك، فإنه لا يعتد بذلك في مواجهة صاحب الحساب، فمن الواضح ان البنك مجني عليه، وهو ملتزم أيضا من الناحية المدنية في مواجهة صاحب الحساب. أما إذا لم يقم هذا الأخير بالتبليغ، فإن الصعوبة تثور في تحديد المجني عليه وفي مدى حق العميل في التمسك بعدم نفاذ ذلك السحب في مواجهته.

لا محل – في رأينا – للتحدي بأن المسؤولية المدنية للبنك لا تنشأ في مواجهة صاحب الحساب إلا إذا قام بالتبليغ عن البطاقة عند فقدها أو سرقتها. ذلك أن نطاق تطبيق المسؤولية المدنية يختلف عن نطاق تطبيق المسؤولية الجنائية، فالعلاقة في المسؤولية المدنية تقوم بين صاحب الحساب وبين البنك، أما بالنسبة للمسؤولية الجنائية، فإنها تنشأ بين الفاعل وبين المجني عليه، مع وجود انعكاسات لها على صاحب الحساب. فإذا كانت القاعدة العامة تقضي بأن البنك أمين على أموال صاحب الحساب، فإن ذلك مؤداه أنه مسئول عن ضمان عدم استيلاء الغير على أموال العميل بدون وجه حق. فإذا حدث فإن ذلك يقيم مسؤوليته، لا على أساس المسؤولية التقصيرية أي على أساس من الخطأ غير العمدي ولكن على أساس من الالتزام التعاقدي الذي يتضمن التزاما بتحقيق نتيجة (أي التزام بالضمان).

بيد أن ذلك لا يحول دون توافر شروط خاصة تدرج في العقد المبرم بين البنك وصاحب الحساب والذي يمكن أن يتضمن عدم مسؤولية البنك مدنيا عن المبالغ المودعة في حالة ضياع البطاقة أو سرقتها وعدم قيام صاحبها بالتبليغ عنها، وقد دعت الطبيعة الخاصة لهذا العقد محكمة النقض الفرنسية إلى التأكيد على أن التزام صاحب البطاقة الممغنطة بتبليغ البنك عن فقدها أو عن سرقتها التزام أساسي يتعين عليه ان يقوم به .

وعلى الرغم مما سبق فإن صاحب الحساب مضرور من جريمة النصب، بإعتباره مالكا للحساب، والجريمة وقعت على اصل من اصول الحساب وتم تسجيل بيان السحب من هذا الحساب بإعتباره صادرا من صاحب الحساب، الأمر الذي يخالف الواقع ومن شأنه أن يضيع المال على صاحبه. بيد أنه لما كان المال مودعا لدى البنك، فإنه له حيازته وبالتالي فإن سحبه من غير صاحبه من شأنه ان يلحق بالبنك ضررا معنويا متمثلا في عدم الثقة في الأموال المودعة لديه، كما انه من شأنه ان يحرم البنك من استعمال تلك الأموال التي تم استيلاء الغير عليها. نخلص مما سبق إلى القول إن جريمة النصب تقع على البنك وله حق الادعاء المدني عما لحق به من ضرر مادي أو أدبي مباشر، كما ان صاحب الحساب تحمل ضررا مباشرا يتمثل في قيمة المال المسحوب وله الحق في ان تحكم له المحكمة بقيمة ذلك المبلغ.

ومن الواضح أن جريمة التزوير في محرر البنك عند قيام الغير باستعمال البطاقة الممغنطة المسروقة أو التي عثر عليها، من شأنها أن تولد ضررا معنويا مباشرا للبنك والذي يتمثل في اهتزاز الثقة في تلك المحررات. ويفتح ذلك الطريق أمام البنك للادعاء المدني عن جريمة التزوير. ومن الواضح أن هذا الإدعاء يمكنه البنك دون صاحب الحساب.

ومن الجلي أنه إذا تعلق الأمر بجريمة من جرائم النظام التي تعرفها التشريعات الأوروبية والأمريكية، يقع الضرر المباشر على البنك صاحب الأجهزة التي تم التداخل فيها ، أو البقاء بدون وجه حق فيها، وبالتالي ليس لغير البنك أن يدعي مدنيا عن الأضرار المعنوية التي تسببها تلك الجرائم.

نتائج البحث

من خلال دراستنا لموضوع الحماية الجنائية لبطاقات الائتمان، نصل إلى نتائج من أهمها: 1. البطاقة الممغنطة تصل أن ترد عليها جريمة السرقة، بغض النظر عما إذا كان الحساب به رصيد أو ليس به رصيد، حيث إنها تمثل قيمة في حد ذاتها.

2. تقع جريمة النصب من الغير الذي يستعمل البطاقة الممغنطة الخاصة بالغير بدون وجه حق للسحب من حساب، إذا توصل بالفعل إلى ذلك السحب، إذ أصبح من المقبول القول بوقوع الاحتيال على الآلة.

3. ليس هناك ما يحول دون القول بوقوع جريمة تزوير المحررات على البطاقات الممغنطة باعتبارها من المحررات الإلكترونية.

4. أصبحت فكرة المحررات الإلكترونية مقبولة من المشرع بعد قبولها من القضاء في كثير من القوانين، منها قانون العقوبات الفرنسي الصادر في 1992 والذي دخل حيز النفاذ في 1994.

5. لا تقوم المسؤولية الجنائية في حق من يستعمل بطاقة إئتمانة الممغنطة في السحب من حسابه بأزيد مما هو مقرر أو بأزيد مما تسمح له به حالة الرصيد، بل تقوم المسؤولية المدنية فقط.

6. من المناسب التفكير في إدخال صور خاصة للتجريم في مجال حماية النظام من التداخل فيه أو التلاعب في بياناته أو تدمير معطياته.

7. إن استعمال البطاقات الممغنطة كوسيلة للدفع عن طريق الإنترنت قد أرتبط به ظهور جرائم ممن يلتقط الأرقام السرية لتلك البطاقات ويقوم بالسحب من حسابات أصحابها. وقد انتهينا إلى وقوع جريمة النصب في هذه الحالة إذا كان واقعا من الغير، أما إذا كان واقعا من التاجر الذي سلم إليه الرقم السري، فإن رأينا قد انتهى إلى وصف الفعل بالسرقة إذا قام بسحب ما يزيد على المتفق عليه.

8. إن الادعاء المدني أمام القضاء الجنائي عن الجرائم المتعلقة بالبطاقة الممغنطة يثير بعض المشكلات القانونية وذلك في حالة جريمة السرقة وجريمة النصب، ذلك ان هاتين الجريمتين تقعان على الملكية، بالإضافة إلى أن السرقة تقع على الحيازة ويقع النصب على الرضاء أيضا. ملخص للبحث باللغة العربية

تتمثل مظاهر الحماية الجنائية للبطاقة الممغنطة في الحماية المقررة للبطاقة ذاتها وكذلك لاستعمال البطاقة بطريقة غير قانونية، وذلك وفقا لما تقرره القواعد العامة في جرائم الأموال (أي السرقة والنصب وخيانة الأمانة)، وذلك بالإضافة إلى ما تقرره القواعد العامة في تزوير المحررات والتي يمكن أن تنسحب على البطاقات الممغنطة، يضاف إلى ذلك أن تجريم استعمال المحرر المزور يسري على استعمال البطاقات الممغنطة المزورة.

ومما يتصل بالحماية الجنائية في موضوع البطاقات الممغنطة ما استحدثته بعض القوانين من صور للتجريم الخاص الذي يمكن أن يسري على من يستعمل البطاقة الممغنطة الخاصة بالغير للدخول في النظام بدون وجه حق. وأخيرا يوضح التقرير من له الحق في الادعاء المدني أمام القضاء الجنائي عن الجرائم المتصلة بالبطاقات الممغنطة.

لا تعليقات

اترك رد