الحرية والتحرر بين الواقع والخيال


 

عندما اندلعت ثورات ما سمي بالربيع العربي، انطلقت في المحيط العربي موجات من التفاؤل حول قضايا الحرية والكرامة والعنفوان، وعاش العرب لحظات عاطفية في إمكانية النهوض الوطني والبدء بمسيرة نهضة حقيقية على الصعيد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، ولكن سرعان ما تبين أن الذي حدث حتى الآن هو أن هذه “الثورات العربية”لم تكن -حتى تاريخ نجاحها، وبدء تحولها ومسيرتها من منطق الثورة إلى منطق الدولة- أكثر من تحرر عام من الظلم السياسي والاجتماعي والاقتصادي الناجم عن طول أمد حقبة استبداد وقمع وعنف عضوي ورمزي طال كل شعوبنا ومجتمعاتنا العربية.. على أمل أن تبدأ بالفعل مرحلة قطف الثمار ونيل الحرية الحقيقية بعد أن يتم تحقيق وإنجاز مشروع التغيير الديمقراطي الموعود الذي رأينا بوادره تطل علينا من تونس، حيث الإقبال الكثيف على صناديق الاقتراع، ورغبة الجماهير في إحداث تحولات وتغييرات جذرية حقيقية في واقعها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي بعد أن بقيت مغيبة قسرياً لأشواط تاريخية طويلة كانت خياراتها محدودة وضيقة للغاية.. بغض النظر عن المنتصرين الجدد من الإسلاميين والليبراليين.

ولكن على ما ظهر تبين أن الآمال والرغبات بعيدة عن تحديات الواقع العربي المليء بالأشواك والعراقيل التاريخية والمادية الحاضرة واقعاً نفسياً أو عضوياً.. وأن هناك جملة أسئلة لابد من طرحها، ومحاولة الإجابة العملية عليها في ضوء نتائج تلك الانتخابات وانطلاق قطار التحول السياسي الديمقراطي:

هل ستتحقق الحرية الموعودة في بلداننا خاصة بعد التيارات الإسلامية (المعتدلة) بالانتخابات النيابية الأخيرة في تلك البلدان؟ وهل سننتقل واقعياً من مناخ التحرر من استبداد إلى مناخ الحرية الحقيقية المكفولة بالدستور وبالقوانين الناظمة لحركة الدولة والمجتمع؟ وهل ستبقى تلك التيارات وفيةً لصندوق الاقتراع فيما لو خسرت لاحقاً أية انتخابات مقبلة؟..ثم هل مجرد تحقق الانعتاق من استبداد النخبة السياسية والأمنية العربية التي كانت حاكمة سابقاً، سيجعلنا نحقق الحرية لاحقاً في ظل نجاح الإسلاميين، وحصولهم على مقاعد برلمانية غير قليلة؟..هل ستتحقق الحرية قبل إنجاز التحرر الذاتي من هيمنة النصوص والمقولات التاريخية؟..

يبدو أن عشنا وهماً على وهم، وما كان أملاً وربيعاً بات شتاءً قارساً… والناس التي نزلت بكثافة إلى شوارعنا السياسية العربية في بدايات الثورات الربيعية، معلنةً بداية مرحلة جديدة للمشاركة في صنع المصير والقرار والمآل، والتي اعتبرنا أنها ستكون “بيضة القبان”، والضمانة الحقيقية، للنهوض والفاعلية المجتمعية، وتحقق الآمال، هذه الناس عادت مجدداً إلى إحباطها العارم، ولم تتمكن من تحقيق الانتصار السلمي المدني الكامل، فمن جهة تفجرت الجهاديات الأصولية، ومن جهة أخرى عادت المواقع والبنى الدولتية العربية الاستبدادية العميقة للظهور مجدداً بأثواب وألوان وأشكال جديدة-قديمة..

والناس لم تكن تتوقع حدوث انقلابات سلطوية لاحقة، سواء تعلق الأمر بحدوث انقلاب فكري ومفاهيمي (قد يظهر على شكل حالات تعصبية نافرة

في غير جهة أو موقع هنا وهناك) مضاد لحركة الديمقراطية السياسية المضمونة دستورياً، أو حتى انقلاب سياسي قد يقوم بها تيار أو جهة تدعي وقوف الجماهير معها..

على هذه الخلفية جاءت دعوتنا لتثبيت وتأصيل واقع ومناخ الحريات العامة والسياسية في تلك البلدان دستورياً وقانونياً، على الرغم من أن مناخ وشروط الحرية تحتاج لوقت طويل حتى تثبت وتتماسك على الأرض عندنا، وهي بالأساس تنبع من رفض داخلي ذاتي لكل المناخات والأسس التاريخية المولدة لأفكار ومفاهيم التعصب والإلغاء وادعاء القيمومة الفكرية والعملية..

وهنا ننبه تلك التيارات التي ربما ما يزال كثير من المنتمين لها يدعون حالة من العصمة الفكرية –بالذات الإسلامية منها- أنّ عليها (في سياق العمل السياسي التداولي، وفي إطار خدمة الناس والمجتمع الذي مل الوعود والشعارات الفضفاضة لتيارات فاشلة مرت علينا) أن تبتعد عن الأيديولوجي والنظري القيمي وتنزل إلى ساحة الحياة، وتقترب من مشاكل وشجون الناس، وأن تنخرط ميدانياً مع باقي أحزاب وتيارات الوطن بالعمل الميداني النافع لخير الناس والصالح العام، من خلال عملها –بمنطق الشراكة المؤسساتية- على بناء دول حقيقية لها مؤسسات تنموية فعالة قادرة على تقديم شيء حي وملموس للناس على صعيد التنمية والاقتصاد، وتحسين مستوى معيشة الناس، وزيادة دخولها، وتدبير شؤونها وتطوير حياتها الاجتماعية وغير الاجتماعية..

هنا جوهر الموضوع ومربط الفرس كما يقال، وليس مجرد التغني بالأفكار والنظريات التجريدية الوهمية عن الدعوة والتبشير وبناء مجتمعات دينية (معصومة!!) شبه ملائكية لا وجود لها على الأرض كما رأيناه ولاحظناه سابقاً

(وحالياً بالنتيجة) عند إيران التي ادعت في وقت من الأوقات (وربما لا يزال هذا الحلم يدغدغ مشاعر وأفكار البعض هناك) أنها تعمل على بناء مجتمع الإمام المهدي المنتظر، أو ما يسمونه بمجتمع العصمة والرسالة الإسلامية الأصيلة ومجتمع الإسلام المحمدي الأصيل!!.. فماذا كانت النتيجة؟؟!!.. كانت أنها بنت مجتمعاً شبه مغلق، يعاني كثير من أفراده وتياراته ونخبه الحاكمة من حالة من حالات “الضدية المذهبية”، والتعصب والإكراه الديني المذهبي، في مواجهات إكراهات ومذهبيات طائفية دينية أخرى.. وهذا ما لا نرضاه لهؤلاء الإسلاميين الجدد على تجربة الحكم وإدارة مؤسسات الدول العربية في مصر وتونس والمغرب.. ولاحقاً في دول عربية أخرى..

إننا نعتقد أن عيش الإسلاميين في جنان الأفكار والنظريات التي استغرقوا بها طويلاً بعيداً عن العمل والتجربة، يجب أن يشكل بحد ذاته دافعاً قوياً لهم للبدء الجدي في تحويل آليات التفكير عندهم (والاستفادة من تجارب ومساهمات غيرهم) من إطارها النظري إلى حيز التطبيق من خلال الاهتمام بلغة الأرقام والوقائع والإحصائيات على الأرض التي يجب أن يتنافسوا فيها مع الآخرين على خدمة الناس والمجتمعات، وضمان العيش الحر الكريم الهانئ والمديد لهم، وتأمين فرص العمل لجيوش العاطلين من الشباب والخريجين، في ظل ما وصلت إليه شعوبنا -تحت تأثير عقود الفساد والاستبداد الطويلة- من جمود اقتصادي وتكلس سياسي، وعطالة وبطالة مقنعة وحقيقية مزمنة مقيمة.

المهم هنا هو العمل بلغة التفاهم والتواصل والتشارك مع الآخرين، وليس بعقلية الاصطفاء والنخبة والزعامة وسلوكية التفرد المقيتة.. فعالمنا اليوم هو عالم المصائر الواحدة، والهويات المشتركة، ومنطق العمل والاقتصاد الحر وخدمة الناس جميعاً،

والتنافس في الوصول لقلوبهم عبر خدمتهم والاهتمام بحلول جدية واقعية لمشاكلهم، والعمل على تدبير شؤونهم المتنوعة والكبيرة.

بهذا المنطق الحر التكاملي، وتلك العقلية التشاركية التداولية نحقق حريتنا الحقيقية المنشودة بعد أن أنجزنا تحررنا واستقلالنا عن دولة الرعاية الأبوية والوصاية الذكورية. وهذا هو الفرق بين التحرر والحرية.. بين الخلاص من حكم القائد المفدى، وبدء حكم العقل الحر التشاركي المؤسساتي.

لا تعليقات

اترك رد