الأردن في الواجهة .. من جديد


 
الأردن في الواجهة .. من جديد.. للكاتب غسان العسافي #نقطة_ضوء #الاردن

الأردن، هذا البلد العربي الجميل، الهادئ، محدود الموارد و الإمكانات، و الذي ينعم بهدوء و أمن و أمان و سلام، على الأقل، بات يحسده عليه معظم جيرانه، كان و ما زال يحجز موقعه في الكراسي الخلفية أو موقع المتفرج على الأغلب، من الأحداث التي تشهدها المنطقة العربية أو منطقة الشرق الأوسط ككل، في هذه المنطقة التي تتلاطم فيها الأمواج من هنا و هناك، و التي لم تر يوما هادئا مستقرا مريحا ربما منذ بدء الحرب العراقية الإيرانية و من ثم حرب الكويت و حتى هذا اليوم، و إزداد الوضع خطورة و حساسية بعد إحتلال العراق، و من ثم إندلاع أعمال العنف و المعارك في سوريا ..

لا نريد أن نستغرق و نتعمق في التحليل و التوقع و الإستنتاج لنعرف هل كان هذا الموقف نوع من الحكمة أو معرفة حقيقية للإمكانات و القدرات و حجم الصراعات، أم أنه موقف فرض على البلد نتيجة موقعه التاريخي و الجغرافي، أم نتيجة علاقاته و إتفاقياته الواسعة و المتشابكة مع قوى دولية و محلية عديدة و متنوعة ، لكن ما أراه أن هذا البلد كان على الأغلب يتخذ القرار الأقرب للصحة، و دائما يتجنب الدخول في الصراعات الداخلية و الخارجية، و يحاول معالجة الأمور بهدوء و حكمة و روية و منذ عهد العاهل الأسبق الملك حسين رحمه الله ..

كما أشرنا، فأن رأس مال الأردن هو الامن والاستقرار، وتوفير الحد الأدنى من الحريات، وكان لافتا تأكيد العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في خطابه الذي القاه في الدورة الحالية للجمعية العامة للأمم المتحدة على هذه الحقيقة، عندما ركز على عبارة تقول ما معناه “ ان الأردن أجرى انتخابات ديمقراطية في منطقة تعج بالاضطرابات والصدامات والحروب الدموية ” ، وردد هذا المعنى بعده، كل من رئيس الوزراء السيد هاني الملقي، والناطق باسم الحكومة الدكتور محمد المومني ..

فجأة و خلال أيام قليلة متتالية، يبرز أسم المملكة في عدد من الأخبار و يتصدر الأحداث، ندعو الله أن لا تكون مسببة لمشاكل و أحداث تثير الغبار و تغير وتيرة الأحداث و الأمور هناك كما يحدث في الدول المحيطة ..

واحد من الأخبار أو الأحداث التي تتباين المؤشرات بشأن مدى صدقها و واقعيتها، هو توقيع الأردن على إتفاقية تعاون مع إسرائيل لإستيراد الغاز منها بقيمة ١٠ مليار دولار، و قبل الدخول في تفاصيل هذا الموضوع، أقول أين قطر و السعودية و العراق بشكل خاص من هذا الشأن المهم و الحساس ..

الخبر الثاني و هو ولادة أول طفل في أميركا من والد و والدة أردنيان، بمشاركة إمرأة ثالثة، في أول تجربة من نوعها في محاولة لمعالجة عيوب خلقية و عاهات وراثية لدى الأبوين اللذين فشلا في الحصول على طفل في محاولات عديدة سابقة، حيث أثيرت فورا عددا من الإعتراضات و النقاط التي ترتبط بالدين و الشريعة و الجوانب الأخلاقية لهذه العملية ..

الخبر الثالث هو مقتل الصحفي و الكاتب الأردني ناهض حتر صباح يوم محاكمته بتهمة السب بالذات الإلهية، و هذا الحدث أثار العديد من الخلافات و الصراعات الفكرية و الدينية و السياسية داخل البلد و خارجها، فالقاتل يشار له و يتهم بأنه من ” الإسلاميين المتشددين “، و المقتول يشار له بأنه مسيحي من الصحفيين الذي كانوا كما يبدو يسبحون عكس التيار، و من الذين كانوا يحاولون إثارة الأحداث و إثارة الغبار حول ما يقول و يفعل، له منشورات تهاجم الذات الالهية و تهاجم الرسول الكريم كما يقال، هذا حسب الأخبار، و له لقاءات و منشورات يهاجم فيها ملك الأردن أيضا، و غير ذلك مما يضع العديد من علامات الإستفهام على طريقة قتله و توقيتها، و التي يشير البعض إليها أنها ربما ستكون مؤشرا لبدء أحداث أكبر في الأردن لا سامح الله، إضافة لكونها تتبع مباشرة إنتهاء الإنتخابات البرلمانية في الأردن و التي أثارت هي ذاتها العديد من التساؤلات و علامات الإستفهام، و لو أني أراها ناجحة و إيجابية حتى لو كانت بالحد الأدنى، نظرا للظروف العامة في المنطقة و المحيطة بالأردن من كثير من أطرافها ..

فيما يخص الموضوع الأول المتعلق بإتفاقية الغاز مع إسرائيل، و التي كما هو معلوم هناك إتفاقية سلام دولية موقعة بين البلدين،، فهناك أخبار عن توقيع شركة الكهرباء الأردنية إتفاقية لإستيراد الغاز الطبيعي من إسرائيل مع شركة نوبل إنيرجي الأمريكية المسؤولة عن تطوير حوض شرق البحر المتوسط مقابل ١٠ مليارات دولار، و تقضي هذه الإتفاقية بتزويد الشركة الأردنية ب ٤٠٪ من حاجتها من الغاز الإسرائيلي على مدى ١٥ عاما، و تبلغ الكميات التي ستستوردها الشركة بدءا من عام ٢٠١٩ نحو ٢٢٥ مليون قدم مكعب يوميا ..

و بينت الشركة الأردنية إنها ستوفر أكثر من ٣٠٠ مليون دولار سنويا مقارنة مع مشترياتها من الغاز المسال المقدرة بسعر مزيج برنت البالغة ما بين ٥٠ و ٦٠ دولار للبرميل الواحد، و إعتبرت أن الإتفاق يعزز فرص التعاون الإقليمي، و يجعل الأردن جزءا من المشروع الإقليمي المندرج ضمن سياسة الإتحاد الأوربي و الإتحاد من أجل المتوسط للإستفادة من إكتشافات الغاز في شرق البحر المتوسط ..

القضية الثاني التي أثارت بعض ردود الفعل المتناقضة، بالرغم من كونها ذات طابع علمي طبي، لكنها تتعلق بجوانب شرعية دينية معقدة و غير واضحة للبعض ربما، و هي ولادة طفل من أب و أم أردنيان، بإستخدام تقنية التخصيب من ثلاث أشخاص بدلا من شخصين هما عادة الأب و الأم، و ذلك حسب ما أوردته مجلة ” نيو ساينتست ” العالمية، حيث ولد الطفل منذ حوالي الخمسة أشهر و هو الآن بصحة جيدة حسب فريق الأطباء و المجلة، من خلال عملية و تجارب علمية إستغرقت فترة من الزمن قادها و نفذها فريق طبي أمريكي، و تم تنفيذها في أحد المستشفيات المكسيكية، بسبب ما يتعلق بالأنظمة و القوانين و الشرائع الطبية ..

و يحمل الصبي المولود الحمض النووي الطبيعي للأم و الأب، بالإضافة إلى قدر قليل من الشفرة الوراثية للمتبرعة، حيث أجريت التجربة لكي لا يكون للطفل نفس الحالة الوراثية التي تحملها والدته الأردنية في جيناتها، و هذه الحالة تدعى بمتلازمة ” لي “، و هو مرض وراثي يصيب الجهاز العصبي، و أدى إلى أن تفقد الوالدة الأردنية إثنين من أبنائها، و تجهض لأربعة مرات ..

و برأيي أن تدخل شخص ثالث في عملية الحمل، بالرغم من كونه علميا و طبيا ربما يعتبر فتحا كبيرا، و ربما يعالج عدد من الحالات المرضية ، لكنه يحمل في طياته العديد من الثغرات و الخلافات و الإختلافات الدينية و الشرعية و الفقهية، و حتى الأخلاقية و الطبية و العلمية، و هذا ما رأيناه مثلا في عدم إجراء التجربة في أميركا و إنما في المكسيك، و أعتقد أن المجمعات الفقهية الإسلامية و المسيحية و غيرها سرعان ما ستتناول مثل هذه التجارب بالبحث و التمحيص لتصل إلى إصدار الرأي المناسب بمدى شرعيتها، خاصة في حالة كون الأهل لديهم أطفال آخرين، و لديهم فرص للتبني و غير ذلك من الطرق السليمة و المباشرة للحصول على الأطفال ..

الموضوع الآخر ربما الأكثر خطورة، و الأكثر إثارة للجدل و الرد و البدل، هو إغتيال الكاتب الأردني ناهض حفتر، حيث أشارت بعض الأنباء بمقتله يوم الأحد الماضي أمام قصر العدل بمنطقة العبدلي في العاصمة عمان بثلاث طلقات، في حين أشارت أنباء أخرى أن القاتل أطلق خمس إطلاقات ثلاثة في الرأس و واحدة في الصدر و خامسة في الساعد الأيمن، و أن القاتل الذي ألقي القبض عليه فورا أردني الجنسية من مواليد عام ١٩٦٧ يدعى رياض عبد الله، و أنه دخل الأردن حديثا عائدا من بلد مجاور، و البعض يقول أنه قادم من الحج، و هو الآن بيد السلطات الأردنية للتحقيق معه بهذا الشأن ..

و قد وجهت للكاتب إتهامات بالإساءة للإسلام بعد الإدعاء بنشره رسوم كارتونية ساخرة على صفحته على مواقع التواصل الإجتماعي، علما أن الأمن الأردني قد إحتجز حتر في شهر أغسطس آب الماضي لمدة ١٥ يوما للتحقيق معه في تهم إهانة الذات الإلهي و التي تعتبر مخالفة صريحة للقانون الأردني ..

تخرج ناهض حتر من قسم الفلسفة في الجامعة الأردنية، و سجن عدة مرات على خلفية إنتمائه للحزب الشيوعي، خاصة في الأعوام ١٩٧٧، ١٩٧٩، ١٩٩٦، كما تعرض لمحاولة إغتيال عام ١٩٩٨، أدت إلى إجرائه عدد من العمليات الجراحية، غادر بعدها للبقاء في بيروت لفترة من الزمن ..
وقد واجه حتر، و هو مسيحي الديانة، هجوما عنيفا على مواقع التواصل الإجتماعي لما وصف بموقف معاد للإسلام، و قد دافع حتر عن نفسه حينها مؤكدا أنه لم يقصد أي إهانة، لكنه إستهدف من الرسم توضيح مفهوم الإسلاميين المتشددين للجنة، في حين يشير آخرين أن حتر كان يجب أن يكون أكثر إهتماما و دقة و وضوحا بالتعبير عن آرائه و أفكاره، عندما تمس أفكار و شخصيات مقدسة في دولة إسلامية ..

يضاف إلى ذلك، أن للقتيل تاريخ حافل من المواقف و التصريحات المثيرة للجدل و الخلاف، منها مواقفه المؤيدة للنظام السوري و رئيسه بشار الأسد، و بعض المواقف المعارضة للعاهل الأردني و الحكومة الأردنية، و تهجمه المستمر و عدائه للتيارات الدينية الإسلامية المختلفة، و هذا ما يزيد من تعقيد موضوع قتله و دوافعه و مسبباته، و الجهات التي تقف ورائه، و يتوقع كثيرون أن يكون ذلك عملا فرديا، و نأمل أن يكون الأمر فعلا كذلك، و أن لا تكون جهات أو أحزاب وراء ذلك، و هذا ما ننتظر تأكيده و إعلانه من قبل السلطات المكلفة بالتحقيق ..

ما نستغربه و نأسف له أن مقتل حتر كان مناسبة لتهافت العديد من الجهات متنوعة الخلفيات و المرجعيات للإستفادة من هذا الحدث فور إنتشار الخبر، و كأنما كانوا بإنتظار الحدث، و هم ممن يسمونهم بامتياز المصطادين في المياه العكرة، فهناك من هاجم الحكومة و إتهمها بالإهمال و التسيب، و هناك من هاجم القضاء و إتهمه بالتهاون، و هناك من إتهم الإخوان المسلمين أو المسلمين المتشددين، و هناك من إدعى بوجود حملات ضد غير المسلمين في الأردن، إلى غير ذلك من التوجهات الشاذة و الغريبة، و التي تبغي سرا أو علنا أن تنشب النار، نار الفتنة و البغضاء، في هذا البلد الآمن الجميل ..

ندعو الله تعالى أن تمر هذه العاصف بخير و سلام، و أن يبقى الأردن بلدا مستقرا آمنا و كذلك بقية بلاد العرب و المسلمين، و أن يبقى قبلة للعرب و واحة سلام يتمتع بها أبناء الأردن الكرام و أبناء البلاد العربية على حد سواء، متآخين متحابين، و من الله التوفيق ..

لا تعليقات

اترك رد