تعودنا ان نبتدىء من حيث انتهى الاخرون

 

تتسابق الافكار الخلاقة -وبعد ما حققته من انجازات مذهلة في كافة الحقول وبشكل تصاعدي ومتناسق شمل مجمل الحياة بأدق تفاصيلها، وبطفرات متسارعة بحيث جعلت من العالم المترامي الاطراف قرية صغيرة في عالم الاتصالات للدرجة التي الغت الأزمنة والامكنة فمكنت الانسان من معرفة الحدث حال حصوله مهما بعدت المسافة، وسهلت له الحصول على المعلومة من مصادرها وهو جالس في مكتبه او مختبره او مشغله ودون جهد عضلي او مقابل مادي وذلك من خلال الشبكات العنكبوتية، ونظم المعلومات والاتصالات “المتنوعة والمتعددة”، او التعرف على الاحداث من خلال الفضائيات بكثافتها وسعة انتشارها. كما قدمت للبشرية خدمات وانجازات في حقل الصحة البشرية اسهمت في القضاء على الامراض الفتاكة وتيسير اساليب العلاج واجراء العمليات الجراحية المعقدة وزراعة الاعضاء البشرية واعادة الأمل للأعمى والابكم والأصم والمشلول وذوي الاحتياجات الخاصة، ناهيك عن التطورات المذهلة في الحقول الزراعية والثروة الحيوانية والصناعة والتجارة والنقل والتربية والتعليم والخدمات المتنوعة، وكل ما من شأنه تذليل الصعاب امام مسيرة الانسان الحضارية لتحقيق ارقى مستوى من العيش المرفه الكريم- بعد كل ما تحقق من هذه الانجازات تتسابق الدوائر العلمية للنهوض بالبشرية الى عوالم اشبه بالخيال تحت شعار: التعلم من المستقبل.

وللوهلة الاولى نرى -نحن الذين تعودنا المفاخرة بالاجداد ومنجزاتهم- بعض الغرابة في العنوان حيث تعلمنا نصائح الاتعاظ بتجارب الماضين والتعلم من اخطاء الماضي -مع اننا لم نتعظ ولم نتعلم من اخطائنا او اخطاء غيرنا بل كررناها وزدناها. وتعودنا ان نبتدىء من حيث انتهى الاخرون في تقليد ببغاوي أعمى، وليتنا احسنا التقليد وليتنا اتقنّا التناص والمحاكاة. وبعيدا عن الابداعات والمخترعات والابتكارات الخلاّقة، وبعيدا عن العلوم الصناعية والزراعية والطبية والالكترونية وعالم الحواسيب والعلوم الفضائية وغيرها، بعيدا عن هذه الامور التي لم نفلح حتى في مجاراتها وتقليدها حيث سبقتنا الشعوب باشواط صار ينظر الينا من خلالها كأمة متخلفة لا تستطيع مواكبة الحضارة بقدر ما تجتر من امجاد اسلافها!.

دورة تكرار الاخطاء وعدم الاتعاظ والاستفادة من تجارب مشابهة لا تتوقف على تلك الجهات في مجال واحد. بل تتسع وتتفاقم لتشمل جميع مفاصل الدولة وحقولها كأنها العدوى المستشرية وكأنه الداء العضال، وهذا ليس بمستغرب كون الاسباب قائمة، والتفكير النمطي لادوات التنفيذ وجهاتها الدافعة هو عينه لا يتأثر بزمان او مكان او نوع الفعالية ونتائجها وانعكاساتها وتداعياتها ما دام الهدف واضحا ومشخصا. لكن العتب حيناً، واللوم حينا اخر يوجه للجهات المتصدية لردع واحباط وافشال كل مخطط من شأنه ان يؤدي الى عرقلة مسار العملية السياسية او يؤدي الى الحاق الضرر ببنية الدولة العراقية والحاق الاذى بشعبها ومقدراتها وهدر ثرواتها الوطنية سواء كان سببا او نتيجة. فالجهاز الحكومي بكل عناوينه وادواته وكل حسب اختصاصه -وبالتعاون المطلوب من البرلمان ومن السلطة القضائية- مسؤول مسؤولية مباشرة وملزمٌ بتوجيه الضربات الاستباقية والمباغتة للانشطة الهدامة التي تصر على العبث بالامن القومي لهذا البلد وترويع مواطنيه وهدر دمائهم واشاعة الفوضى والفساد والافساد بصور واشكال مختلفة ادت بالنتيجة الى خراب شامل شل الحياة وعطل عملية البناء والاعمار على مدى الاعوام التي مضت وما زال مستمرا.

وهذه اخطر نتيجة تنتهي اليها حال الدولة اذا لم يبادر المعنيون الى تطويق الازمة وتغيير نمط المواجهة اتعاظا بما مضى واستقراءا للمستقبل.

لا تعليقات

اترك رد